الاثنين 17 محرّم 1441 هـ الموافق 16 سبتمبر 2019 م
عقيدة المسلم (19)(*) التوسل وأحكامه
الأحد 23 جمادى الآخر 1436 هـ الموافق 12 أبريل 2015 م
عدد الزيارات : 3292

أ- تعريفه: التوسـل مأخوذ في اللغة من الوسيلة، والوسـيلة والوصيلة معناهما متقارب، فالتوسـل هو التوصل إلى المراد والسعي في تحقيقه.
وفي الشرع يراد به التوصل إلى رضوان الله والجنة؛ بفعل ما شرعه وترك ما نهي عنه.

 


ب- أقسام التوسل:
ينقسم التوسل إلى قسمين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.
1 - التوسل المشروع: هو التوسل إلى الله بالوسيلة الصحيحـة المشروعة الواردة في الكتاب والسنة.
والتوسل المشروع يندرج تحته ثلاثة أنواع:
الأول: التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العظيمة، كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم أن تعافيني، أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي وترحمني، ونحو ذلك.
ودليل مشروعيته قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180].
الثاني: التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به العبد، كأن يقول: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي، أو يقول: اللهم إنـي أسألك بحبي لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم وإيماني به أن تفرج عني، أو أن يذكر الداعي عملا صالحا ذا بال قام به فيتوسل به إلى ربه، كما في قصة أصحاب الغـار الثلاثة التي سيرد ذكرها.
ويدل على مشروعيته قوله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16].
ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين توسلوا إلى الله بحفظ أحدهم للأمانة، والآخر ببر والديه، والثالث بعفته عن الحرام، ففرَّج الله عنهم.
الثالث: التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابة دعائـه، كأن يذهب المسلم إلى رجل يرى فيه الصلاح والتقوى والمحافظة على طاعـة الله، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليفرج كربته وييسر أمره.
ويدل على مشروعية هذا النوع أن الصحابة رضي الله عنـهم كـانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بدعاء عام ودعاء خاص.
وهذا النوع من التوسل إنما يكون في حياة من يطلب منه الدعاء، أمـا بعد موته فلا يجوز؛ لأنه لا عمل له.
2 - التوسل الممنوع: هو التوسل إلى الله تعالى بما لم يثبت في الشريعة أنه وسيلة، وهو أنواع بعضها أشد خطورة من بعض، منها:
1 - التوسل إلى الله تعالى بدعاء الموتى والغـائبين والاسـتغاثة بهـم وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات ونحو ذلك، فهذا مـن الشـرك الأكبر الناقل من الملة.
2 - التوسل إلى الله بفعل العبادات عند القبور والأضرحة بدعـاء الله عندها، والبناء عليها، ووضع القناديل والستور ونحو ذلك، وهذا من الشـرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد، وهو ذريعة مفضية إلى الشرك الأكبر.
3 - التوسل إلى الله بجاه الأنبياء والصـالحين ومكانتهم ومنـزلتهم عند الله، وهذا محرم، بل هو من البدع المحدثة؛ لأنه توسل لم يشـرعه الله ولم يأذن به، ولأن جـاه الصـالحين ومكانتهم عند الله إنما تنفعهم هم.
ولذا لم يكن هذا التوسل معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد نص على المنع منه وتحريمه غير واحد من أهل العلم:
قال أبو حنيفة رحمه الله: (( يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فـلان أو بحق أوليائك ورسلك أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام)).
د- ما لا يثبت في التوسل:
يورد المخالفون لأهل السنة والجماعة بعض الشبهات ليتوصلوا بها إلى دعم تقريراتهم الخاطئة، وليوهمـوا الناس بصحة ما ذهبوا إليه، ولا تخرج شبهات هؤلاء عن أحد أمرين:
الأول: إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة (أي مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم)، ومن ذلك:
1 - حديث: (توسـلوا بجاهي فإن جاهي عنـد الله عظيـم)، أو (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم)، وهو حديث بـاطل.
2 - حديث: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور)، أو (فاسـتغيثوا بأهل القبور)، وهو حديث مكذوب مفترى.
3 - حديث: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)، وهو حديث بـاطل مناقـض للإسلام.
4 – حديث سؤال آدم بحق محمد، وهو حديث باطل لا أصل له.
فمثل هذه الأحاديث المكذوبة والروايات المختلقة الملفقة لا يجوز لمسـلم أن يلتفت إليها فضلا عن أن يحتج بها ويعتمدها في دينه.
الثاني: أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تُحرف عن مرادها ومدلولها، ومن ذلك:
1 - ما ثبت في الصحيح: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ)  رواه البخاري.
فعمر رضي الله عنه لم يرد بقوله: (نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا): ذاته أو جاهه، وإنما أراد دعاءه، أي طلب الدعاء من العباس رضي الله عنه، ولو كان التوسل بـالذات أو الجاه معروفًا عندهم لما تركوا التوسل بـالنبي صلى الله عليه وسلم –وهو أفضل الخلق- إلى التوسـل بالعباس رضي الله عنه، فهم في حياته إنما توسلوا بدعائه، وبعد مماتـه توسـلوا بدعاء غيره لعلمهم أنَّ التوسل المشروع بدعـاء المتوسـل لا بذاته.
2 - حديث عثمان بن حنيف: (أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قَالَ: فَادْعُهْ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ) رواه الـترمذي وأحمد.
فقوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ) فهو توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا بذاته أو جاهه؛ لأنه قال له قبل ذلك (إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قَالَ: فَادْعُهْ)، ولذا ذكر أهـل العلم هذا الحديث من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب، فقد عاد لهذا الأعمى بصره بهذا الدعاء.
وأما الآن وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإن مثل هذا لا يمكن أن يكون لتعـذر دعائه لأحد بعد موته.
---------------------
(*) باختصار من كتاب (أصول الإيمان) طباعة مجمع المصحف بالمدينة المنورة