الثلاثاء 17 شعبان 1445 هـ الموافق 27 فبراير 2024 م
هل يجوز دفع الزكاة لمن يملك عقارًا؟
رقم الفتوى : 324
الخميس 8 رمضان 1444 هـ الموافق 30 مارس 2023 م
عدد الزيارات : 15928

هل يجوز دفع الزكاة لمن يملك عقارًا؟

السؤال:

هل يجوز إعطاء الزكاة لشخص دخله يسير بالكاد يكفيه، لكنه يملك أرضًا إلا أنه لا يريد بيعها؟

الجواب:

الحمدُ لله، والصَّلاة والسلامُ على رسول الله، وبعد:

إذا كان الإنسان لا يجد كفايته من النفقة، وهو يملك عقارًا، فدفع الزكاة له من سهم الفقراء أو المساكين يختلف باختلاف حاله وحال العقار، وذلك على التفصيل الآتي:

الأول:

إن كان هذا العقار للاستعمال الشخصي الذي يحتاجه للسكنى: فلا يمنع ذلك من استحقاق الزكاة، ولا يُلزم ببيعه والسكن بالإيجار.

روى ابن أبي شيبة في المصنف عن إبراهيم النخعي قال: "كانوا لا يمنعون الزكاة من له البيت والخادم".

قال ابن المنذر في "الإشراف على مذاهب العلماء": "أجمع أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من له دار، أو خادم لا يستغني عنهما أن له [أن] يأخذ من الزكاة، وللمعطي أن يعطيه".

واشترط جمعٌ من أهل العلم أن يكون "العقار السكني" على قدر حاجته، فإن كان زائدًا عن حاجته زيادة وافية تكفيه: لزمه أن يبيعه ويشتري ما يناسب حاله، ويعتاش بفضل المال الزائد.

سئل الإمام مالك كما في "المدونة الكبرى" عن الرجل تكون له الدار، هل يُعطى من الزكاة؟

فقال: "إن الدور تختلف، فإن كانت دارًا ليس في ثمنها فضل ... رأيت أن يُعطى ولا يبيع مسكنه، وإن كانت داره دارًا في ثمنها ما يشتري به مسكنًا ويفضل له فضلة يعيش فيها: لم يعط منها شيء".

وقوله (في ثمنها فضل): يريد فضلًا يغنيه لو باعهما واشترى غيرهما، كما في "فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك".

وقال الإمام الشافعي في الأم: "وَمَنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْهُ هُوَ وَأَهْلُهُ، وَخَادِمٌ: أُعْطِيَ مِنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ أَهْلِهِ الْفَضْلَ الَّذِي يَكُونُ بِمِثْلِهِ غَنِيًّا: لَمْ يُعْطَ".

فإن كان العقار زائدًا عن حاجته، أو كان أكبر من حاجته، أو نوع العقار لا يتناسب مع حاله، كأن يسكن سكنًا فاخرًا يساوي الملايين، وبإمكانه السكن في شقة تناسب حاله: ففي هذه الحال لا يُعَدُّ فقيرًا ولا يستحق الزكاة؛ لقدرته على بيع هذه العقار وشراء شيء يتناسب مع حاله ووضعه الاجتماعي، والنفقة على نفسه وأهله من المال المتبقي من بيعه.

 

الثاني:

إن كان هذا العقار للاستثمار والاستغلال (بالزراعة أو التأجير) ويعتاش منه، فلا يلزمه بيعه، ويُنظر للدخل الذي يتحصل عليه منه، إن كان يكفيه فلا يستحق الزكاة من سهم الفقراء والمساكين، وإن كان لا يكفيه لسد احتياجاته فيكون مستحقا للزكاة.

قال القفال الشاشي في "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء": "فإن كان له كسب يكفيه على الدوام، أو ‌ضيعةٌ ‌يستغلها ما يكفيه: لم يجز له أخذ ‌الزكاة، وإن كان لا يكفيه: جاز له أخذ تمام الكفاية من ‌الزكاة".

وقال النووي رحمه الله في المجموع: "إذا كان له عقار ينقص دخله عن كفايته: فهو فقير أو مسكين، فيعطى من الزكاة تمام كفايته ولا يكلف بيعه".

وقال في منهاج الطالبين: "ولا يجب ‌بيع ‌ضيعة ورأس مال لا يفضل دخلهما عن كفايته".

قال ابن قدامة: "وإذا كان للرجل بضاعة يتجر بها، أو ضيعة يستغلها تكفيه غلتها، له ولعياله، فهو غني، لا يعطى من الصدقة شيئًا، وإن لم تكفه: جاز له الأخذ منها قدر ما يتم به الكفاية، وإن كثرت قيمة ذلك".

ونقل عن الإمام أحمد قوله: "إذا كان له عقار ‌يستغله أو ‌ضيعة تساوي عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا تُقيمه: يأخذ من ‌الزكاة".

وفي حاشية ابن عابدين: سُئل محمد بن الحسن عمن له ‌أرض ‌يزرعها، أو حانوت يستغلها، أو دار غلتها ثلاث آلاف، ولا تكفي لنفقته ونفقة عياله سنة؟ فقال: "يحل له أخذ الزكاة وإن كانت قيمتها تبلغ ألوفًا، وعليه الفتوى".

 

الثالث:

إن كان العقار لغير السكنى والاستثمار، وإنما يتخذه صاحبه ادخارًا لماله، أو تحوطًا للمستقبل، أو رصدًا لمشروع زواج أو مدَّخرًا لدراسة أبناءه، وغير ذلك، وثمنه يكفيه لنفقة سنة كاملة: ففي هذه الحال لا يعد فقيرًا ولا يستحق الزكاة.

لأنَّ ‌حد ‌الغنى الذي يمنع من أخذ الزكاة: أن يجد الإنسان كفايته وكفاية عائلته ‌سنة كاملة؛ لأن الزكاة تتكَّرر كل سنة، فروعي في حال الغنى وجود كفايته من الحاجات الأساسية سنةً سنةً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدخر لأهله قوت سنة.

قال البغوي في تفسيره: "واختلفوا في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة، فقال الأكثرون: حده أن يكون عنده ما ‌يكفيه ‌وعياله ‌سنة، وهو قول مالك والشافعي".

وفي فتاوى ابن الصلاح: "والمسكين هُوَ الَّذِي لَا يملك تَمام ‌كِفَايَة ‌سنة".

وقال الإسنوي في "المهمَّات": "من عجز عن ‌كفاية ‌السنة فهو مسكين...، ومن معه ‌كفاية ‌سنة لا يُعطى شيئًا لأنه ليس بفقير ولا مسكين حالة الإعطاء".

الرابع:

إن كان غير قادر على بيعه والتصرف فيه لوجود إشكالات قانونية أو نزاعات بين الورثة، أو غير ذلك من الأسباب القاهرة: ففي هذه الحال لا تمنع ملكيته لهذا العقار من استحقاق الزكاة، لأنه في حكم المعدوم لتعذر الانتفاع به.

وكذا لو كان ثمنه لا يكفي لنفقة سنة كاملة، فلا يرتفع عنه وصف الفقر والمسكنة، فيأخذ من الزكاة ما يكمل له كفاية السنة.

والله أعلم.