الأربعاء 23 ربيع الأول 1441 هـ الموافق 20 نوفمبر 2019 م
سالم الحلو ... إسناد الرقة العالي
الأحد 2 محرّم 1441 هـ الموافق 1 سبتمبر 2019 م
عدد الزيارات : 3632

سالم الحلو ... إسناد الرقة العالي

 

على ضفاف الفرات الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بانه نهر من أنهار الجنة، تتربع مدينة الرقة بسورها الأثري، وتاريخ جعلها يوما من الأيام مدينة من مدن العلم، ومنارة من منارات السنة، حتى أنّها حازت قصب السبق في أن تكون أول مدينة يفرد لها كتاب في من دخلها من أهل الحديث، ليكتب أحمد بن سعيد بن عبد الرحمن القشيري الحراني (ت: 334هـ) كتاباً سماه (تاريخ الرقة ومن نزلها من أصحاب رسول الله والتابعين والفقهاء والمحدثين) وما جاء تاريخ بغداد ودمشق ونيسابور مع جلالة تلك المدن إلا بعده وفي البلد التي كانت تحتفل بأهل الحديث أكثر من احتفائها بهارون الرشيد نفسه، وهي المدينة التي بناها جده المنصور، وسميت باسمه مدينة الرشيد لتكون نسخة عن العاصمة بغداد، حيث نقل ابن الجوزي عن  كتاب النصوص على مراتب أهل الخصوص عن ابن شُعْبة المعصيحي، قال: قدم هارون الرشيد الرقة، فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطعتْ النعال، وارتفعتْ الغبرة، فأشرفتْ أم ولد أمير المؤمنين في برج الخشب، فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا لها: عالم خراسان قدم الرقة، يُقَالُ له: عبد الله بن المبارك. قالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الرشيد، الذي لا يجمع الناس إلا بالشرد والأعوان.
في قرية من قرى هذه المدينة الهادئة الصغيرة ولد الشيخ سالم الحمود الحلو سنة 1946م في قرية المغلة على الضفة الشامية من نهر الفرات، وعلى مسافة ليست بالبعيدة عن مكان موقعة صِفّين، حيث نشأ الشيخ مع مرض شلل الأطفال الذي رافقه حتى وفاته رحمه الله، هناك تأثر الشيخ سالم بالشيخ عبد الرحمن عبد الصمد الداعية الذي تم تهجيره من بلده طولكرم ليستقر به المقام في حلب ومن ثم  يذهب للدراسة في المعهد العلمي بالرياض ثم ليكون بعدها من أوائل الملتحقين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عند تأسيسها وحصل منها على الثانوية الشرعية ليعود إلى الرقة قبل تخرجه من البكالوريوس إلى قرية المغلة تحديداً في عام 1965م في هذا الفترة كان الشيخ سالم يدرس الثانوية الشرعية في المدرسة الشعبانية في حلب على يد أكابر علمائها ومنهم الشيخ نسيب الرفاعي صاحب الاختصار المعروف لتفسير ابن كثير، والذي كان له دور في بناء منهج الشيخ وتعلقه بالسّنة النبوية. بعدها قرر الشيخ أن يذهب للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وكان ذلك عام 1967 ليكون أول طالب علم من مدينة الرقة يلتحق بهذا الصرح العظيم وليطلب علو الأسناد في العلم والسّنّة في مهبط الوحي على يد كبار علماء الأمة الإسلامية.
كانت الجامعة في ذلك الوقت في ذروة عطائها، ويحدثني الشيخ سالم رحمه الله فيقول: عند وصولي للجامعة تم قبولي في كلية الشريعة لكن لكون المدرسة الشعبانية كانت في ذلك الوقت لا تتبع لوزارة التربية طلبت من الشيخ ابن باز رحمه الله أن أعيد دراسة الثانوية، وفعلا درست الثانوية، ثم تابعت في كلية الشريعة.
هناك نهل الشيخ العلم عن كبار علماء الأمة في الجامعة وفي المسجد النبوي الذي كان منارة من منارات العلم، ثم انقطع الشيخ رحمه الله عن الدراسة لفترة بسبب عدم قدرته على العودة إلى الجامعة عند قيام انقلاب حافظ الأسد عام 1970م حتى تيسرت له العودة ومتابعة الدراسة ليتخرج الشيخ من الجامعة عام 1972م ويعود لبلده ويخوض غمار العمل الدعوي على منهج الراسخين، فكان رحمه الله محل قبول أهل البلد ومرجعاً لهم في الفتوى، وانخرط في سلك التعليم فتنقل بين مدارس الرقة حتى انتهى به المقام في ثانوية منير حبيب التي كانت قريبة من منزله.
عُرف الشيخ رحمه الله بسعة الصدر ودماثة الأخلاق والصبر على ما يتعرض له من أذى من بعض الجهلة، وهنا أذكر بعض المواقف التي سمعتها من الشيخ مباشرة حيث كان الشيخ يقول لي: إذا رأيت أحدا قد وقع في بدعة فحاول أن ترفق به، وأول ما يكون ذلك بأن لا تقول له هذه بدعة بل قل هذا خلاف السنة، فإن الاتهام أمر عزيز على النفس، وأن همّ الداعية أن يأخذ بيد النّاس إلى الحق وليس أن يثبت أنهم على الباطل، والعبرة بالثمرة.
يحدثني الشيخ مرة فيقول جاءنا إلى الحي جار جديد فكان يمر من أمامي ولا يسلّم عليَّ فأوقفته مرة فقلت هل آذيتك في شيء؟  قال: لا، قلت: هل تعرضت لأذى من أحد أفراد أسرتي؟ قال: لا، قلت: فلماذا لا تسلّم عليَّ عندما تمرُّ من أمامي أو ترد السّلام؟، فقال الجار: هل أنت وهابي؟ قلت له: هل أنت كافر؟ فغضب الرجل فقال: كيف تقول عني كافر؟  أنا مسلم، قلت: وأنا مسلم ولا أرضى أن تقول عني غير ذلك، فهدأ الرجل ثم دعوته لبيتي فأخبرني بما سمعه من بعض الناس عنّي، ثم كنّا بعدها من أقرب الناس لبعضنا في الحي.
أول معرفتي بالشيخ رحمه الله كانت من خلال والدي -أطال الله عمره بالخير- الذي كانت معرفته به منذ تخرجه من الجامعة الإسلامية، ثم ومع بداية دراستي في كلية الهندسة في جامعة حلب تأثرت بدروس مشايخ حلب أمثال الشيخ عبد الهادي بدلة، وأقبلت على قراءة الكتب الشرعية، ثم صرت أتردد على الشيخ سالم رحمه الله عند عودتي، وبعد سنوات أخبرت الشيخ برغبتي في الذهاب للدراسة في الجامعة الإسلامية.
حاول الشيخ في بداية الأمر ثنيي عن الأمر، ثمَّ لمّا رأى إصراري قرر مساعدتي وأرسلني للشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله والشيخ عبد الله علوش أمده الله بالصحة والعافية للحصول على التزكيات، وفعلا التحقت بعدها بالجامعة وبقيت على تواصل دائم مع الشيخ حتى تخرجت من الجامعة لأتشرف بأن أكون أول من تخرج منها بعده من أبناء الرّقة، واستمرّ هذا التّواصل مع الشّيخ حتى قبل وفاته بيومين عن طريق بعض الإخوة الأفاضل.
عانى الشّيخ رحمه الله من التشديد الأمني الذي كانت تفرضه عليه كل أجهزة المخابرات السورية حتى أنه أخبرني مرة أنهم وقَّعوه على تعهد ألّا يفتي لأحد حتى لزوجته، والشيخ كان يرى أن هذا النظام محارب لدين الله ولمذهب أهل السنة وأنه يسعى لنشر المذهب الرافضي الصفوي في سورية، حتى أنهم اتهموه مرة بتوزيع كتب التحذير من دين الشيعة.
كان الشيخ على علاقة خاصة قوية بالشيخ الألباني رحمه الله وكان يتبنى منهجه في الإصلاح حيث كان يرى أن هذه الأمة لن تنهض إلا بعودتها لدينها، وأن العودة لا تكون إلا من خلال منهج التصفية والتربية وأنها لابد أن تتخلص من البدعة والخرافة وتحيي سنة نبيها صلى الله عليه وسلّم وتتربى على الطريقة التي تربى عليها سلف الأمة من الصحابة والتابعين، عندها فقط ستجد الأمة طريق سلفها في قيادة البشرية وسيادة العالم. وقد أورث الشيخ سالم رحمه الله هذه الرؤية لكثير من طلابه وروّاد مجلسه ومنهم كاتب هذه الأسطر، الأمر الذي جعلني لا أقدّم شيئاً على العمل الدعوي.
عند بداية الغزو الأمريكي للعراق سعى النظام السوري للضغط على مشايخ سورية إجمالا ليصدروا فتاوى بوجوب الجهاد في سورية، حيث قام بفتح الحدود وجهز الحافلات لإيصال الشباب إلى العراق من الساحات، وخاصة الشباب الجامعي. وأذكر أنني كنت حينها طالباً في جامعة حلب فطلبنا من الشيخ عبد الهادي بدلة فتوى بما يجب علينا تجاه هذا الحدث العظيم فتردد في ذلك، فتواصلنا مع الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله فأفتى بعدم الذهاب للعراق، ثم تواصلت مع الشيخ سالم رحمه الله فقال العراق محرقة لشباب أهل السّنّة، والنظام يريد منكم أن تذهبوا هناك حتى تخلوا له البلد فأنتم -ويقصد عنها طلاب الجامعة- نخبة شباب أهل السّنّة فلا تحققوا له مبتغاه ولا تقولوا إني أخبرتكم بهذه الفتوى. وفعلاً استجبنا لكلام العلماء وقتها ثم مضت السّنون وبدأت الثّورة السّورية ليخرج الشّباب السّوري مطالباً بالحرية والكرامة. في هذا الوقت كنت مازلت في المعتقل حيث بقيت فيه لبضع سنين بدأت عند استقبال النظام لي في المطار بعد تخرجي من الجامعة الإسلامية، وعندما خرجت سألت الشيخ فقال لي: هذا نظام فاجر كافر لا قِبَل لنا به وسيقف العالم كلّه معه وسوف يسعى لاستغلال أي شعارات أو فتاوى فلا أرى إلزام الناس بفتاوى قد لا يطيقون عواقبها، وليس من مصلحة الناس أن يظهر الشباب الملتزم على السطح وقد نفتي بأمر لا تطيقه الناس ونتحمل دماءهم بذلك، وفعلاً بقي هذا كلام الشيخ حتى يوم 15/3/2012م عندما قُتل الطفل علي البابنسي وكان أول شهيد في الرقة، كانت جنازة لا يعرف لها مثيل في تاريخ الرقة. خرجتُ يومها مع من خرج في الجنازة وكان النّاس يهتفون بالحرية والكرامة وأنّهم لن يضيعوا دم الشهيد، وكانت المفاجأة أنَي رأيت الشيخ رحمه الله حينها في المقبرة قد جاء مع الجنازة في سيارة الطبيب عبد العزيز الصالح وذلك لعدم قدرته على المشي، عرفت يومها الموقف الحقيقي للشيخ، ثم تتابعت أيام الثورة وتفرقت أهدافها وتم سرقتها من قبل المناهج التي عبرت الحدود. هنا آثر الشيخ رحمه الله السكوت ولزم بيته حتى سيطرت داعش على الرقة ليلقى منها الاضطهاد الذي كان يلقاه من مخابرات الأسد واستدعاءات شبه يومية، حتى قرر أن يخرج من المدينة إلى قريته، ليأتي التّحالف الدّولي ويقصف بيته في المدينة، بعدها عاد الشّيخ لما تبقى من بيته ليصلحه ويسكن فيه، وتبدأ رحلة المرض الذي لم يمنع قوات قسد من اعتقاله لفترة من الزمن وهو في طريقه للعلاج، حتى لقيَ ربه تاركاً وراءه إرثاً دعوياً وعدداً كبيراً من الدعاة الذين أرجو أن يكونوا في ميزان أعماله عند الله، يوفون العهد ويكملون الطريق وشعارهم (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً).