الأربعاء 23 ربيع الأول 1441 هـ الموافق 20 نوفمبر 2019 م
ثورة السوريين.. من الهتاف إلى البندقية
السبت 1 محرّم 1441 هـ الموافق 31 أغسطس 2019 م
عدد الزيارات : 3684

ثورة السوريين.. من الهتاف إلى البندقية

 

إجهاض الثورة قبل انتشارها، كانت هذه خطة نظام الأسد لوأد الحراك الشعبي المتصاعد في سوريا، فسارع -عبر إعلامه- إلى رمي المتظاهرين بالعمالة والإرهاب، وأوعز إلى الشبيحة باعتقال وقتل المتظاهرين، كما عمل على تحييد فئات من المجتمع عن الثورة، فعلى سبيل المثال سعى نظام الأسد إلى تحييد الأكراد السوريين، الذين عوملوا كأجانب وحرموا من حقوقهم وممتلكاتهم طوال العقود الماضية، فأصدر مرسوماً يمنح الجنسية السورية لمئات الآلاف منهم ، واغتال رموز الحراك الشعبي من الكرد، كالناشط السياسي مشعل تمو، وغض الطرف عن نشاط الأحزاب والميليشيات الكردية الانفصالية، التي كانت تسعى إلى تفاهمات مع الأسد لتحقيق مطامعها في إدارة المناطق الكردية ومناطق شرق الفرات مقابل إبقاء الكرد بعيداً عن الثورة.

ولم تكد الثورة السورية تكمل شهرها السادس، حتى تلفحت بأرواح أكثر من 3,500 شهيد موثقين على موقع قاعدة بيانات شهداء الثورة، مع أعداد كبيرة من المعتقلين والمغيبين!

وفي الوقت الذي كانت فيه آلة القتل الأسدية تنهش جسد الحراك المدني السلمي، خرجت إلى العلن جهودٌ عربية ودولية خجولة، تدرجت ما بين المهل التي تدعو نظام الأسد للحوار مع المعارضة، إلى تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية، وإرسال بعثة المراقبين العرب لمراقبة الوضع الإنساني، دون أن يكبح وجودهم الأسد عن قصف المدن والبلدات بالسلاح الثقيل، إلى أن أوقفت جامعة الدول العربية عضوية سوريا، وأعقبتها بمبادرة في 23 من شهر يناير/ كانون الثاني 2012 لحل الأزمة السورية، تقضي بأن تبدأ المعارضة حواراً مع نظام الأسد لتشكيل حكومة وطنية، على أن يسلم بشار الأسد لاحقاً كامل صلاحياته إلى نائبه، وحينها رحب المجلس الوطني المعارض بالمبادرة إلا أن بشار الأسد رفضها، ليس ذلك فحسب، بل إن قواته قتلت خلال مهلة الجامعة العربية أكثر من 770 شهيداً في حمص وحدها.

بابا عمرو نموذجاً لثورة "الهتاف":

ولعل حي بابا عمرو الحمصي يمثل أنموذجاً مصغراً للثورة التي كان سلاحها "الهتاف" إلا أن وحشية النظام السوري وتخاذل المجتمع الدولي اضطرتها إلى التسلح بالبندقية، حيث تصدّت قوات الأمن للمتظاهرين خلال اعتصاماتهم، وارتكبت بحقهم مجازر شنيعة، كان أبرزها مجزرة الساعة وسط ساحة مدينة حمص، التي راح ضحيتها مئات الشهداء والجرحى والمعتقلين، ما أجبر الحراك المدني إلى التوجه نحو الأحياء الصغيرة، لتهتز جدران البيوت والأزقة بصرخات الحرية والكرامة.

وفي هذه الأثناء، وجد شرفاء الجيش ممن لم ينفذوا أوامر قتل المدنيين ملاذاً آمناً لهم في حي بابا عمرو ، حيث بادر عدد من الضباط -وعلى رأسهم الملازم أول عبد الرزاق طلاس- إلى تشكيل كتيبة الفاروق، التي تعهدت بحماية الأهالي من هجمات الأمن والشبيحة الذين حاصروا الحي من كل الجهات، وحولوا الملعب إلى ثكنة عسكرية، وبدؤوا باستهداف المدنيين بالقنص والقصف، ورغم كل ذلك استطاع المنشقون عن الجيش ومن حمل السلاح من الأهالي الصمود 28 يوماً في وجه أكثر من 7,000 مقاتل مدججين بالسلاح والمدرعات والدبابات، حتى اشتد الحصار على الأهالي، وقُطعت خدمات الكهرباء والإنترنت عن الحي، فوصل المحاصرون إلى وضع إنساني فظيع، خاصة مع تكدس عشرات الشهداء، وانعدام الخدمات الصحية مع نقص شديد في الأدوية والمعدات الطبية، ما جعل الجرحى في طابور انتظار الموت، وسط جوع وبكاء الأطفال، وهكذا بدأ ما بات يُعرف بـ (الجيش الحر) بإجلاء العوائل عن الحي ليلاً أو عبر الأنفاق، ليبقى الرجال والشباب، وبعض العوائل التي رفضت الخروج.

ومع بداية شهر مارس/آذار من عام 2012 -أي عند إكمال الثورة السورية سنتها الأولى- استطاعت عناصر الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة اقتحام الحي بعد أن أضحى ركاماً، واستُشهد من استشهد من المدافعين عن الحي، وانسحب من بقي منهم على قيد الحياة، فتوغلت قطعات الجيش في أزقة وبيوت الحي، وجُمع العشرات من الشباب وعذبوا ثم أعدموا، وتحولت المؤسسة الاستهلاكية إلى معتقل كبير، غيب بعدها مصير عشرات الرجال والشباب.

وعلى مقربة من حي بابا عمرو، كان حي الخالدية شمال غرب حمص يتعرض هو الآخر لحملة قصف انتقامية، قتل على إثرها العشرات من المدنيين.

وهكذا وجد السوريون أنفسهم متروكين لمصيرهم، حراك سلمي قوبل بوحشية لا يكبحها شيء، تنهش من الشعب السوري مئات المدنيين شهرياً، وتحيط بلداته ومدنه بالآليات والمدرعات العسكرية، تنطلق منها حملات اقتحام طائفية لا تترك وراءها طفلاً أو امرأة، مقابل حراك دولي وعربي لا يتعدى البيانات والخطوات الدبلوماسية، فلم يجد السوريون بداً من إمساك البندقية، والدفاع عن كرامتهم وحريتهم ولو كانت مقابل الدبابة والطائرة!.