الاثنين 24 محرّم 1441 هـ الموافق 23 سبتمبر 2019 م
الملف الأمني في الشمال السوري.. تحت المجهر
السبت 1 محرّم 1441 هـ الموافق 31 أغسطس 2019 م
عدد الزيارات : 1252

الملف الأمني في الشمال السوري.. تحت المجهر

 

يعتبر الملف الأمني من أهم وأعقد الملفات التي تواجه الدول والحكومات بشكل عام، إذ يتعبر فرض الأمن والاستقرار هو اللبنة الأولى في مسيرة أي دولة نحو العمران والتطور، وهو في مقدمة الأولويات التي ينبغي على أي إدارة أو حكومة تتولى زمام الحكم أن تدرجها على سلم أولوياتها.

ثمان سنوات على انطلاق الثورة السورية المباركة، مرت خلالها بمنعطفات وأحداث أثرت بشكل واضح على خريطة السيطرة في سوريا، فانحسرت مناطق سيطرة الجيش الحر على الشمال السوري، بعد عمليات التهجير الديموغرافي الممنهج الذي قامت به روسيا ونظام الأسد برعاية المجتمع الدولي، نتج عنه تهجير مئات الآلاف من أبناء المحافظات إلى الشمال السوري الذي أصبح يحتضن الآن قرابة 5 ملايين نسمة وفق آخر إحصائية نشرها فريق "منسقو الاستجابة".

ولعل المشكلة الأبرز التي يعاني منها الشمال السوري المحرر وقاطنوه هي حالة الفلتان الأمني والفوضى التي تعم المنطقة، تلك الحالة التي ترخي بظلالها على كافة مناحي الحياة هناك، وتخلف انعكاسات سلبية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وحتى الدولي.

لا شك أن حالة الفوضى تلك لم تولد من فراغ، بل كان لها أسباب ومسببات كثيرة تصاعدت شيئاً فشيئاً حتى وصلت إلى الحال الذي هي عليه اليوم. بعض تلك الأسباب داخلية وبعضها خارجية، يوضحها الأستاذ علي رشيد نائب رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار لمجلة "نور الشام" فيقول: إن العوامل الداخلية لها الدور الأبرز في حالة الفلتان الأمني الذي يعيشه الشمال السوري، ويجملها في 9 نقاط:

أولها: غياب السلطة القوية الفاعلة وغياب الأجهزة الأمنية المختصة في كشف المجرمين وملاحقتهم ومحاسبتهم.

ثانياً: كثرة الفصائل العسكرية والمجموعات المتناحرة مع توفر السلاح، وتعدد الولاءات والانتماءات فيما بينها.

ثالثاً: استغلال الوضع الحالي وانتشار السلاح لتصفية الحسابات القديمة بين العوائل والأشخاص المنضوين ضمن تلك الفصائل، وتناحرهم بهدف تأمين الموارد المادية.

رابعاً: عدم توحد الفصائل ضمن جسم عسكري واحد مدعوم من الحاضنة الشعبية، وفي حال قيام هذا الجسم سيكون هناك عدة أجهزة أمنية تنبثق عنه يكون دورها الحفاظ على الأمن والسلم الأهلي داخل مناطق الشمال المحرر.

خامساً: تهجير كافة الفصائل المسلحة سابقاً في داريا والغوطة والجنوب وحمص وزجهم ضمن منطقة محدودة (ريف حلب الشمالي) وهم من حواضن وعادات اجتماعية مختلفة، وعدم خضوعهم إلى سلطة واحدة وقضاء واحد، ما أدى إلى تناحرهم وازدياد حالة الفلتان الأمني، فضلاً عن انتشار العديد من المرتزقة ضمن صفوف تلك الفصائل وامتهانها السلب والنهب والقتل والخطف مقابل المال.

سادساً: عدم إنشاء جسم أمني موحد لكافة الفصائل، بحيث يمتلك أفرادها وعناصرها الحس الأمني العالي والتعامل اللطيف مع الناس، حتى يكونوا حاضنة اجتماعية تساعدهم على الكشف عن مرتكبي الجرائم والمفسدين.

سابعاً: غياب القوانين والأحكام الرادعة للمجرمين وذلك بسبب عدم وجود جسم قضائي موحد تسري أحكامه على المنطقة.

ثامناً: عدم ضبط ظاهرة انتشار السلاح، بالتوازي مع عدم انتشار الدوريات على مدار اليوم من أجل الحفاظ على الأمن في تلك المناطق.

تاسعاً: عدم تفعيل دور الشرطة الحرة وتأهيلهم ليأخذوا دورهم في المساعدة بضبط الأمن.

وعن العوامل الخارجية أكد "الرشيد" على أن نظام الأسد له اليد الكبرى في حالة الفلتان الأمني من خلال مؤيديه وخلاياه التي تعمل ضمن الفصائل وبين المدنيين في المناطق المحررة، من خلال نشر الفوضى وتهيئة المناخ الملائم لعودة النظام إلى تلك المناطق، وإثبات أن تلك المناطق لا يمكن أن تستقر ويعود الأمن إليها إلا بوجود النظام. إضافة إلى وجود مجموعات مجهولة من مصلحتها تعزيز حالة الفلتان الأمني في الشمال كتنظيم الدولة والقاعدة ليثبتوا عجز الفصائل عن إدارة المناطق المحررة.

كما لفت الرشيد إلى وجود تنظيم "قسد" الذي يوظف العديد من ضعيفي النفوس للقيام بأعمال إرهابية مقابل المال مستغلين فقر بعض الناس وحاجتهم. كما أن هناك مصلحة لدى بعض الدول في تعزيز حالة الفلتان الأمني من خلال دعمها لبعض المجموعات بهدف ترسيخ هذه الحالة في الشمال السوري.

 

هجرة أدمغة:

حالة الفتان الأمني أدت إلى انتشار حالات قتل وخطف وسرقة على نطاق واسع في الشمال السوري، لأسباب كثيرة، زاد عليها انتشار السلاح بين الناس حتى أصبح في متناول يد الجميع، دون أن يكون لذلك حدود أو قوانين تضبطه، ما جعل الكثير من تلك الحالات تسجل ضد "مجهول". الناشط "أحمد الحلبي" المقيم في الشمال السوري أعرب عن أسفه لانتشار هذه الظاهرة على نطاق واسع في المناطق المحررة مضيفاً أن هذا الحالة تكرست في تلك المناطق وأصبحت واقعاً نعايشه بشكل يومي شئنا أم أبينا، ولكنه أشار خلال حديثه لمجلة "نور الشام" على أن هذه الظاهرة ليست في المحرر فحسب، فالأمر ذاته تعاني منه مناطق النظام ومناطق سيطرة مليشيات الحماية الكردية، وبالتالي فهي حالة عامة منتشرة في سورية بسبب الحرب.

عمليات الاعتقال التعسفي والاختطاف والاغتيال دفعت العديد من الناشطين والعاملين ضمن المجالات الخدمية كالأطباء والأكاديميين والإعلاميين إلى البحث عن مناطق بديلة يتوجهون إليها من أجل الحفاظ على حياتهم ومتابعة نشاطاتهم بحرية أكبر، حيث يؤكد "الحلبي" ذلك، ويشير إلى أن المناطق التي لا تشهد استقراراً أمنياً تدفع أبناءها والقاطنين فيها إلى الهجرة عنها إلى مناطق أكثر أمناً، وخصوصاً الشخصيات المعروفة بنشاطاتها سواء السياسية أو الثورية أو الإعلامية. ويضيف "الحلبي" أن عملية الهجرة تلك تعكس صورة سلبية عن الشمال السوري وتعطي انطباعاً للعالم بأنه بيئة غير آمنة لعمل الكفاءات.

 

حراك مدني:

دفعت تلك الحالة إلى حراك مدني على مستوى المؤسسات المدنية، حيث أصدر تحالف المنظمات السورية غير الحكومية في الشمال السوري، في 3 كانون الأول 2018 بيانًا حول استهداف الكوادر الإنسانية، من خلال الاعتقال التعسفي وحالات الخطف وغيرها من التصرفات التي تنعكس سلبًا على سير العمل الإنساني في منطقة شمال غربي سوريا. وحول دور تلك المنظمات ومدى فعالية حراكها يقول "الرشيد" إن "منظمات المجتمع المدني تعتبر جديدة على المجتمع السوري عموماً بسبب القمع الذي كان يمارسه نظام الأسد، وهي لا ترقى إلى مستوى المنظمات الدولية، كما يغيب عنها الإدارات المؤهلة علمياً وعملياً والافتقار إلى برامج ورؤى واضحة"، وأضاف الرشيد أن تلك المنظمات "عليها واجب اجتماعي وقانوني يتمثل في نشر الوعي المجتمعي ونشر حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية التي تكفل حقوق الإنسان التي لم تكن موجودة أيام النظام السوري" مشدداً على ضرورة أن تحظى باستقلالية تامة حتى تؤدي دورها في مساعدة المجتمع المدني، آملاً في أن توحَّد تلك الجهود في جسم واحد لكافة المؤسسات غير الحكومية.

 

ما دور أجهزة الشرطة:

العديد من حوادث السرقة والخطف وتجارة المخدرات والممنوعات تشهدها مناطق الشمال السوري، رغم وجود جهاز للشرطة المدنية، وآخر للشرطة العسكرية، الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول مدى فاعلية تلك الأجهزة ودورها في ضبط الأمن والقضاء على تلك المظاهر، فيرى الأستاذ علي الرشيد أن دور تلك الأجهزة محدود وغير فاعل بالشكل المطلوب، مرجعاً ذلك إلى عدم وجود الكوادر المدربة ضمن أجهزة الشرطة المدنية والعسكرية القادرة على التعامل مع هذه الحوادث، حيث يجب إخضاعهم إلى دورات تأهيلية، وتسليم إدارة تلك الأجهزة إلى شخصيات ذات خبرة ودراية بالبحث الجنائي لمتابعة من يقوم بتلك الجرائم. ويلفت الرشيد إلى أسباب أخرى؛ منها عدم وجود تنسيق وتعاون بين الفصائل العسكرية، وعدم امتلاك الحواجز العسكرية الدراية الكاملة بالممرات والطرق التي يسلكها المهربون، إضافة إلى وجود فئات فاسدة ضمن تلك الحواجز تعاونت مع تجار المخدرات وسهلت عمليات تنقلهم والترويج لبضائعهم.

وحتى لا نبالغ في جلد الذات يشير "الرشيد" إلى أن هذه الحوادث "ليست فقط في مناطق سيطرة الجيش الحر، ففي الدول التي تمتلك أجهزة أمنية ومؤسسات عسكرية لا تغيب فيها حوادث تجارة المخدرات وتجارة الأعضاء وغيرها من الجرائم، ولكن قد تختلف نسبها بين مكان وآخر"، حيث يوافقه في ذلك الناشط أحمد الحلبي الذي يشير إلى أن "الجيش الوطني بدأ منذ مدة بالحد من هذه الظاهرة، وذلك من خلال متابعة وإغلاق محلات بيع السلاح غير المرخصة، وترخيص بعض المحال الموثقة والتابعة للفصائل العسكرية، إضافة إلى الحملات التي يطلقها بين الحين والآخر لملاحقة المفسدين والقضاء عليهم".