الأحد 18 ذو القعدة 1440 هـ الموافق 21 يوليو 2019 م
لغة الضاد هوية الأمة وثقافتها الواقع والمستقبل
الأربعاء 19 ربيع الآخر 1440 هـ الموافق 26 ديسمبر 2018 م
عدد الزيارات : 368

لغة الضاد هوية الأمة وثقافتها

الواقع والمستقبل

 

تميز الإنسان بأنه يستطيع البيان والتعبير عما يجول في فكره وقلبه، ويستطيع الدخول في شبكة معقدة من الأصوات والرموز والدلالات، لما زُوِّد به من عقل يفكر وجهاز نطقي متكامل يستجيب لإملاءات العقل والقلب، وليس من المبالغة القول إن اللغة هي الإنسان والحياة بكل مكوناتها، فنحن نتواصل بها، ونعبر بها عن أحلامنا وعواطفنا وأفكارنا وعقائدنا وتجاربنا المختلفة، وهي منهج فكري يمكننا من التواصل مع الآخرين، فمع بدء اللغة بدأ النشاط الإنساني والثقافة الإنسانية، وأخذ المجتمع البشري بالتقدم والعمران، فلولاها ما كانت حضارة وما عرَف الإنسانُ الإنسان، ومن هنا تبدو اللغة مكتوبةً ومنطوقة أساس كلّ مجتمع بشريّ وتطور حضاري، فوجودها يعني عملية التفاعل مع الآخر، ونقل الثقافات، وتبادل المعارف والخبرات، والإسهام في بناء المجتمع الإنساني.

اللغة العربية معجزة اللغات

 عند حديثنا عن لغتنا العربية يبدو الأمر مختلفا لما لها من مكانة كبيرة في قائمة اللغات، فهي أغنى لغات العالم وأكثرها حيوية، وهي كما يقول الشيخ علي الطنطاوي (ت 1999م) معجزة الذهن البشري، وأعجوبة التاريخ في عصوره كلها، وقد استطاعت، لما تميزت به من العناية الربانية، أن تحافظ على خصائصها وميزاتها على الرغم من امتداد عمرها والتغييرات الكثيرة التي طرأت على مجتمعاتها، فلبّت حاجات الإنسان العربي في مختلف مظاهر حياته، من التواصل بين الأفراد إلى التعبير بالكلام الفني الرفيع الذي يبلغ المرتبة العليا في الجودة والبلاغة والإتقان.

وقد تحول العرب قديما من اعتزازهم وشعورهم العميق بقيمة لغتهم إلى عمل علمي يمارسونه لبيان عظمتها وتفوقها، فبدؤوا بدراستها، تشجعهم على ذلك طبيعة المجتمع الإسلامي الجديد وشعورهم بضرورة تقريب معاني القرآن وأسلوبه إلى أذهان الأعاجم الداخلين في الإسلام، فكشفت دراساتهم الأولى عن فكر يوجه الأذهان ويفتق الأفكار، وحرص يبلغ درجة التقديس لارتباطها الوثيق بكتاب الله، ولغة النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم ينطق قط بغير العربية.

يقول المعلم والباحث ياسين عبد الله جمول لـ (نور الشام): إن اللغة العربية أوسع اللغات مدىً وأغزرهنَّ مادةً وأوفاهنَّ بالحاجة الحقيقية من معنى اللغة كما قال مصطفى صادق الرافعي (ت 1937م)، وهي اللغة الوحيدة التي حافظت على خصائصها الصوتية والصرفية والمعجمية والدلالية؛ لِمَا تتميز به من خصائص سمّاها بعض القدامى: خصائص العربية، وآخرون: أسرار اللغة، مما ضمن لها التفوّق على ما سواها من اللغات، من ذلك: ثبات أصول الأصوات العربية مقابل تغيرات كثيرة في أصوات اللغات الأخرى وتوزُّع الحروف العربية في أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات. واتساع العربية لكثرة أبنيتها وتعدُّد صيغها ومرونتها على الاشتقاق وهي في الجملة لا تقل عن ثمانين ألف (مادة) عدّة ما اشتمل عليه معجم لسان العرب، وهي مع ذلك معتدلة الكلمات أكثر ألفاظها على ثلاثة أحرف".

وعن مميزات اللغة العربية يضيف أ. ياسين جمول:تمتاز العربية بفصاحة مفرداتها ودقّتها في التعبير عن المعاني. وظاهرة الإعراب في العربية مما تتميز به ويحفظها من اللحن. وفي العربية قدرة على التطور والنمو والارتقاء مع المدنية عبر أنواع تميزت بها من: الاشتقاق والنحت والتعريب والتوليد والترادف والاشتراك. وتبقى أعظم مزية للعربية أنها لتلك الخصائص وغيرها اختارها الله لتكون لغة أعظم الكتب السماوية، لغة القرآن الكريم، فتجاوزت به كل اللغات وحُفظت على مرّ السنين.

اللغة العربية أم اللغات

تأتي قداسة اللغة العربية لما حباها الله من مكرمة حملها لمعاني معجزة الإسلام، فبغيرها لا تتم المعاني القرآنية على أكمل وجه، ولا يحصل البيان الكامل لمراد الله سبحانه وتعالى إلا بها، وقد قال أبو الحسين أحمد بن فارس(ت395 هـ) في ذلك: ""فلما خَصَّ -جل ثناؤه -اللسانَ العربيَّ بالبيان، عُلِمَ أن سائر اللغات قاصرة عنه، وواقعة دونه"[1].

ويرى أ. ياسين جمول أنبعض المغرضين يروّج لقداسة العربية بمعنى أنها لغة الصلاة وتلاوة القرآن فحسب كما هي لغة التوراة والإنجيل؛ وإنما العربية لغة حياة لغة مجتمع ولغة علوم، لغة دنيا ودين. ومكانة اللغة من مكانة أهلها؛ فالعربية لغة القرآن أقبلَ الناس على تعلّمها عند انتشار الإسلام وتركوا لغاتهم المحلية حرصاً على لغة القرآن، لغة الإسلام الذي اعتنقوه، لغة الدولة الإسلامية التي وصلت حدودها ما بين الصين وأوربا، فصارت لغة الدين والدنيا ولغة العلوم والمعارف يومذاك. ولما ضعف المسلمون وتفرقوا وقامت النزعات القومية فانغلق كل قوم على لغتهم، وانبهر المنهزمون بالمنتصرين ولغتهم وحضارتهم، وقد قال ابن حزم (ت 456ه): "إنَّ اللغة يسقط أكثرُها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنما يقيّد لغةَ الأمةِ وعلومَها وأخبارَها قوةُ دولتها ونشاطُ أهلها وفراغُهم، وأمَّا مَن تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمونٌ منهم موتُ الخواطر، وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبُيود علومهم؛ هذا موجود بالمشاهدة، ومعلوم بالعقل".[2] فمع تراجع المسلمين عامةً والعرب خاصةً سياسياً واقتصادياً وحضارياً تراجعت مكانة العربية وصار ينظر إليها البعض -مع الدِّين الذي تمثّله-أنها من ميراث مرحلة تاريخية حملت الهزائم للأمة، وأن لغة المنتصرين من إنجليزية وفرنسية وغيرهما أعلى وأقوى، وهذا جاء في قول ابن خلدون (ت808ه): "المغلوبُ مُولَع أبداً بالاقتداء بالغالب؛ في شعارِه وزِيِّه ونِحلتِه، وسائر أحواله وعوائده".[3]

اللغة العربية من الدين

تُعد اللغة العربية مفتاحا لفهم الكتاب والسنة، والوسيلةَ إلى الوصولِ إلى أسرارهما، وفهم دقائق معانيهما، وقد تنبه الصحابة والتابعون والسلف الصالح إلى ذلك فعنوا بعلوم العربية وحثوا على تعلمها وتعليمها، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلَّموا العربيةَ، فإنها من دينِكم، وتعلَّموا الفرائضَ، فإنها من دينكم"[4]. وما ذلك إلا لأن الطريق إلى معرفة مراد الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة لا يكون إلا بفقه العربية وعلومها.

يقول أ.ياسين جمول: " فلا يمكن الفصل بين الإسلام واللغة العربية ما دامت هي وعاء القرآن الكريم، وما دامت الصلاة تُقام بها، وقد قال الثعالبي الإمام اللغوي (ت429هـ): "ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصافيها، والتبحُّر في جلائلها ودقائقها؛ إلا قوةُ اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوّة -التي هي عُمدةُ الإيمان-لكفى بهما فضلاً يحسن فيهما أثره، ويطيب في الدارَين ثمرُه".[5] فتعلُّم العربية أصل مهم من أصول الإسلام.

وقد قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء...}.[6] قال العلّامة السعدي (ت 1376هـ): "ويستدل بهذه الآية الكريمة على أن علوم العربية الموصلة إلى تبيين كلامه وكلام رسوله أمور مطلوبة محبوبة لله، لأنه لا يتم معرفة ما أنزل على رسوله إلا بها".[7] وكذا ذكر الإمام الشاطبي (ت 790هـ) أن فهم كتاب الله لا يكون إلا من الطريق الذي نزل عليه باعتبار ألفاظ العربية ومعانيها وأساليبها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "َمن يُرِدِ الله به خيراً يفقِّهه في الدِّين"[8]؛ فقال الإمام الشافعي (ت 204هـ): "فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذِّكر فيما افتُرض عليه من التكبير، وأُمر به من التشبيح والتشهُّد وغير ذلك".[9]

يمكننا القول إذًا، إن ثمة ارتباطا وثيقا بين اللغة العربية والدين الإسلامي، لأنَّ العربية لغةُ الإسلام، ولغة كتابه العزيز، ولغة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولذا فإن الاهتمامَ بها استكمال لمقوم من مقومات العقيدة الإسلامية، التي ندعوا إليها وندافع عنها، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ): "فإنَّ نفسَ اللغة العربية من الدِّين، ومعرفتها فرضٌ واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهمِ اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجبٌ على الأعيان، ومنها ما هو واجبٌ على الكفاية".[10]

وقد جعل ابن جني 392 هـ)الضعف في اللغة العربية سبب ضلال كثير من الفقهاء، فقال "إنَّ أكثر مَن ضلَّ من أهل الشريعة عن القصدِ فيها، وحاد عن الطريقةِ المثلى إليها، فإنما استهواه واستخفَّ حلمَه ضعفُه في هذه اللغةِ الكريمة الشريفة التي خُوطِب الكافَّةُ بها".[11] ولهذا السبب يقول الإمام مالك (ت 179هـ)"لا أُوتَى برجلٍ غير عالم بلغةِ العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا"[12]

اللغة هوية وثقافة

  يبقى الإنسان مجهولًا حتى يتحدّث ويعبّرَ عن نفسه، وكذلك تبقى الأمة مجهولةُ حتى تكشف لنا لغتها، فنغوص في فكرها وقلبها، ونتعرف إلى تاريخها وهويتها وثقافتها وما تؤمن به من قيم وعقائد، وهذا يعني أن العلاقة بين اللغة والثقافة علاقة اتحاد، تمنعنا من رسم الحدود والفواصل بينهما، وتجعلنا نؤمن أن الناطق باللغة هو ابنها الذي يحمل صوتها وضميرها، وزمرة دمها ولون جلدها، باختصار إنه يحمل ثقافتها وهويتها، ويمثلها بقوله وسلوكه ما دام يتحدث بها، فليس هناك كائن يستطيع التعبير عن الثقافة المجتمعية كما تفعل اللغة وكما يفعله سلوك الناطق بها. وقد قال الفيلسوف الألماني هايدغر (ت 1976م): "إن لغتي هي مسكني، هي موطني ومستقري، هي حدود عالمي الحميم ومعالمه وتضاريسه، ومن نوافذها ومن خلال عيونها أنظر إلى بقية أرجاء الكون الواسع". وهذا يعني أن لغتنا العربية هي عنوان شخصيتنا وهويتنا الإسلامية، ورمز ثقافتنا ووعاء تاريخنا وعلومنا والدالة على الحضارة التي بلغتها أمتنا.

وقد وعى عدد من فلاسفة الغرب هذه الحقيقة فقال الشاعر الفيلسوف الألماني هردر (ت 1803م): إن لغة الآباء والأجداد مخزن لكل ما للشعب من ذخائر الفكر والتقاليد والتاريخ والفلسفة والدين، وقلب الشعب ينبض في لغته، وروحه تكمن في لغة الآباء والأجداد".[13]

وعن معنى الهوية وارتباطها باللغة يقول أ. ياسين جمول: " هوية المرء ليست بطاقة يحملها في جيبه، بل هي حقيقته وماهيته، فإن كانت اللغة هي لسانه فالهوية حقيقته، واللغة والهوية مرتبطتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى عند قوم من الأقوام، لأن اللغة هي التي تحفظ تاريخ المرء وفكرَه ورؤيتَه؛ والعلاقة بين الهوية واللغة عندنا أهم لارتباطها بالدين، فهي فوق أنها وعاء تاريخنا وفكرنا وأداة تواصلنا مع مجتمعنا هي وعاء الدِّين وبها نتعبَّد الله سبحانه".

ويضيف أ. ياسين جمول: " اللغة تحفظ للمرء هويته، إذ الهوية بها تُعرف حقيقة المرء، لأنها تكشف فكره ورؤيته وتاريخه وفلسفته، وإن ضاعت لغته الأمّ ضاع كل ما تحمله من الفكر والرؤية والتاريخ والفلسفة، واحتمل مع اللغة الجديدة كل ذلك، فيعيش عربياً مثلاً بالاسم إنجليزياً بالفكر والفلسفة والرؤية، قال أحد المبشِّرين ويُدعى تكلي: "يجب أن نشجِّع إنشاء المدارس، وأن نشجِّعَ على الأخص التعليم الغربي. إن كثيراً من المسلمين قد زُعزِع اعتقادُهم حينما تعلّموا اللغة الإنجليزية، إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي مقدَّس أمراً صعباً جداً.[14]

من أجل ذلك كله نجد أن الأمم الواعية تهتم بلغاتها اهتماما كبيرا، فتعمل على نشرها والاعتزاز بها رمزا لهويتها، فاليابان التي استسلمت في الحرب العالمية قبلت بكل الشروط المجحفة التي فرضت عليها مثل حلّ الجيش وتغيير الدستور ونزع السلاح إلا أنها لم تقبل شرطا واحد وهو التخلي عن اللغة القومية في التعليم، فكانت اللغة اليابانية منطلق النهضة العلمية والصناعية والتقنية، وكذلك أدركت فرنسا قديما أهمية لغتها القومية فأصدرت الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1994م قرارا ينص على عدم السماح بعقد المؤتمرات العلمية المتحدثة بالإنكليزية على الأرض الفرنسية، وتجدر الإشارة إلى أن مدرس الرياضيات في فرنسا يحاسب طلبته على أخطائهم اللغوية كما يحاسبهم على أخطائهم في الرياضيات. وفي ألمانيا عندما سئل بسمارك (ت 1898م) عن أفظع الأحداث التي حدثت في القرن الثامن عشر أجاب: إن الجاليات الألمانية في شمال أمريكا اتخذت اللغة الإنكليزية لغة رسمية لها.[15]

الصراع مع العامية

تعد اللغة الفصحى محور منظومة الثقافة العربية والإسلامية ومصدر استقاء المعرفة، والوسيلة التي بها تعرف حضارة الأجداد، والجسر الذي يصل الحاضر بالماضي، وهي لغة العلم والأدب، ومن قبل وحدت الفصحى بين العرب في القديم عندما اجتمعوا عند هذه الأم الرؤوم عن طريق القرآن، ولولا كتاب الله الذي وحد القلوب والألسنة لبقي العرب متفرقين متقاتلين، يقول فيليب دي طرازي (ت 1956م): " لولا القرآن لما أقبل الألوف من البشر على قراءة تلك اللغة وكتابتها ودراستها والتعامل بها، ولولا القرآن لظل كل بلد من البلدان التي انضمت للإسلام ينطقون بلهجة يستعجمها أهل البلد الآخر. وقد حفظ القرآن التفاهم بالعربية بين الشعوب الإسلامية وبين العرب".[16]

ولذلك كانت لغتنا الفصحى وما زالت محط سهام الأعداء، إذ أرادوا إبعادها عن أخذ مكانتها في الحياة حتى يصل الأمر بفقدانها وفقدان الصلة بديننا وتراثنا، فنشأت دعوات كثيرة إلى سيطرة العامية على مجالات الحياة كافة، وقد كان وراء هذه الدعوات رجالات الاستشراق وتلامذتهم، من مثل لويس ماسينيون (ت 1962م)، وأرنولد توينبي (ت 1975م)، وحفني ناصف (ت1919م)، وسلامة موسى (ت 1958م)، فدعوا إلى العزوف عن الفصحى وإحلال العاميات، لتتخذ كل منطقة لغة تفصل بين الأشقاء، فيقل تبعاً لذلك الاتصال الفكري والاجتماعي، ويحدث التفكك اللغوي وتنتشر اللوثة في اللسان العربي.

فاللغة علاوة على كونها أداة التفاهم، فهي جامع موحد للقومية بأوسع معانيها وسياج للأمة وصلة بين ماضيها وحاضرها، وطريق مستقبلها وعنوان ثقافتها، فإذا كانت الأمة قديمة اللحمة في التاريخ، واضحة النسب في المجد، كانت أحرص على ماضي لغتها، لأنها لا تريد أن تفرط بشيء من تاريخها، فإن الأمة إذا بدأت تنسى تاريخها سهل على الحوادث أن توزعها بين الأمم المختلفة الطامعة بها، أو الطاغية عليها من كل جانب[17]

ويرى أ. ياسين جمول أن "الدعوة إلى العامية واحدة من المعارك التي شنَّها على الأمة أعداؤها، تولَّى كِبرها بعض المستشرقين وسار في ركبها بعض المستغربين من أبناء أمتنا، وهي لضرب وحدة العالم العربي والإسلامي، فهي لا تخرج عن حملاتهم الصليبية، لكن جاءت دون سلاح مادي؛ فأكبر عائق أمامهم هو الدِّين وإنما يقوم الدِّين بكتابه القرآن الكريم، وهو الذي يحفظ اللغة العربية ويصونها، فإن عجَزوا عن محاربة القرآن مباشرة لجؤوا إلى حربه بمحاربة لغته العربية، فأرادوها لغات ولهجات بدلاً من لغة فصيحة واحدة جامعة للمسلمين كافة وللعرب خاصة، لينفرط عقد وحدتهم وتتنافر قلوبهم كما تنافرت ألسنتهم. ولعلها استطاعت تحقيق جزء من مخططاتها، لكنه ليس بكبير، فهي معركة من معارك تطلّ كل حين بلبوس يناسب المرحلة التاريخية والظروف السياسية التي نعيش؛ فلا تشغلنا الدعوة إلى العامية عن معاركهم الأخرى ضد اللغة العربية، فكلها حملات عدائية تُديرها الأقلام ذاتها".

اللغة العربية ووسائل الإعلام والاتصال الاجتماعي

لا يخفى على أحد الدور الكبير الذي تلعبه وسائل الإعلام في حياة الفرد والمجتمع، فهي تستطيع أن تكوَّن رأيا عامّا تجاه قضية من القضايا، وأن تحقق تقدما في مجالات مختلفة، ويمكنها كذلك أن تؤثر بإيجابية في سبيل نهضة الإنسان ورقيه المعرفي والتربوي واللغوي، كما يمكنها أن تؤثر بسلبية إذا أصبحت أداة لإفساد الذوق واللسان ونشر الرذيلة واستلاب الهوية.

وقد لعبت وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها دورين مختلفين فيما يتصل باللغة العربية، أحدهما نافع والآخر ضار، فمن منافعها أنها شكلت لغة إعلامية يعرفها د. جابر قميحة بأنها " اللغة التي تشيع على أوسع نقاط في محيط الجمهور العام، وهي قاسم مشترك أعظم في كل فروع المعرفة والثقافة والصناعة والتجارة والعلوم البحتة والعلوم الاجتماعية والإنسانية والفنون والآداب".[18] كما استطاعت هذه اللغة الإعلامية القضاء على الكثير من فوارق اللهجات المحلية، وتزويد العربية بروافد جديدة من الألفاظ والتراكيب التي تثري المعجم وتقدمها بعصرية وعالمية.

 كما أسهمت وسائل الإعلام الهادفة في نشر اللغة الفصيحة وجعلها حيوية، وإثارة قضية الوعي اللغوي، إضافة إلى أن اللغة العربية الفصيحة أصبحت أداة التعبير للكتاب والمفكرين في وسائل الإعلام، وهي توصف بالسهولة والوضوح والمباشرة وتجنب المحسنات اللفظية والمعنوية.

وقد لعبت برامج الرسوم المتحركة الهادفة دورا إيجابيا كبيرا في تعزيز اللغة العربية الفصيحة وتنمية الحس اللغوي لدى الأطفال واليافعين، إضافة إلى ما تقدمه من محتوى غني ذي بعد توجيهي ثقافي، يربي الذوق الفني ويعلي من القيم السامية ومكارم الأخلاق ويطلق عنان الخيال.

وكذلك نجد أن وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها قد كسرت حواجز العزلة واتخذت لنفسها لهجة عامة مشتركة زادت من التقارب بين العرب على اختلاف بلدانهم ولهجاتهم، فعملت على تنقية اللهجات المحلية مما هو غريب عنها لتقترب من اللغة العربية الفصيحة التي يفهمها كل العرب، فأصبح العرب على اختلاف أقطارهم ولهجاتهم يتواصلون ويتفاهمون فيما بينهم بيسر وسهولة.

إلا أن وسائل الإعلام لم تكن خيرا على اللغة العربية دائما، فإضافة إلى حملات التغريب والحرب على الهوية العربية الإسلامية والقيم الدينية والأسرية والوطنية، كانت هناك تأثيرات لغوية من خلال الترويج للهجات العاميات المختلفة وللغات الأجنبية، ومحاولة ترسيخ الأخطاء النطقية التي تحوّر الكلمات والحروف العربية، وإفساد الذوق الأدبي واللغوي، ومن أكبر الجنايات التي ترتكبها بعض وسائل الإعلام أنها تعرض البرامج الموجهة للطفل مدبلجة باللهجات المحلية،  مما يسهم في تشتت الأطفال وفصلهم عن اللغة التي تتجلى فيها هوية مجتمعهم الأصيل وثقافة وعلوم أجدادهم.

اللغة العربية في وجه التحديات

استطاعت العربية أن تستوعب الوحي الإلهي، وتفاعلت مع حركة الحياة في عصور مختلفة، وقامت عليها أطول حضارة عرفتها البشرية، كما استوعبت فلسفات اليونان والهند والفرس، وقد لقيت احتراما كبيرا من أبنائها ومن غير أبنائها، إلا أنها اليوم تتعرض لهجمات شرسة يشنها الاستعمار الجديد، وبعض أبناء العربية الذين يدعون أن لغتهم الأم لم تعد مناسبة لعصر التقدم التقني.  يقول أ. ياسين جمول: " تُسلك هذه الدعوى في المعارك على اللغة العربية لاطّراحها، وهي ساقطة بشهادة التاريخ؛ فالعربية استوعبت قديماً كل اللغات ونقلت عنها علومها وإليها نُقلت علوم العرب وآدابهم لاسيما في العصر العباسي، وما أجمل قول حافظ إبراهيم (ت 1932م) في هذا على لسان العربية:
وَسِعْتُ كِتَابَ الله لَفْظاً وغَايةً                وَمَا ضِقتُ عَن آيٍ به وعِظَاتِ

فكَيفَ أَضيقُ اليومَ عَن وصفِ آلَةٍ            وتَنْسِيقِ أَسماءٍ لمخْتَرعَاتِ

فاللغةُ العربيةُ بقيت لعصورٍ لغةَ العلوم، حتى إن بعض النصارى حينما ترجموا كتب الفلسفة الإغريقية إلى الآرامية والسريانية كتبوا بالعربية؛ لأنهم وجدوا أن اللغة السريانية لا يمكن أن تستوعب هذه المباحث الدقيقة فنقلوها إلى العربية، وضاعت أصول كثير من تلك المباحث الإغريقية وترجماتها السريانية واحتفظت بها العربية وعنها انتشرت إلى الثقافات الأخرى. فمَن يتهم العربية بعجزها عن القيام بالعلوم اليوم إنما هو عاجز عن تعلّمها جاهل بها، أو جاهل بطرائق تعلّمها وتحصيلها. فاللغة العربية كما يذكر الرافعي كالكائن الحيّ تنمو من باطنها بما أُتيح لها من عوامل نموها المستمر مع بقائها متميزة في أصلها، ومن ضروب نموّها: الإبدال والقلب والاشتراك والنحت والترادف والتضادّ والتعريب والتوليد؛ فهذه الضروب من النموّ تحدّد في جملتها أجزاء اللغة وتصف تاريخ اتساعهم فيها".

سبل النهضة بلغتنا

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف يمكن استعادة مكانة العربية في النفوس والتفاعل مع حركة الحياة وتجاوز مشكلة غربة اللغة العربية؟ يجيب أ. ياسين جمول بقوله: "أول الحلول لاستعادة مكانتها عالمياً أن تستعيد مكانتها في نفوس أبنائها؛ فما لم نحترمها نحن لن يحترمها غيرُنا وإن أسقطناها من فكرنا ولساننا فلن يرفعها أحد، قال غوستاف لوبون (ت 1931م): "إذا استُعبدت أمة ففي يدها مفتاح حبسها ما احتفظت بلغتها". ففي تمكين العربية في منازلنا تمكين لها في الوسط الاجتماعي؛ وهذه مسؤولية الأهل، وفي تمكين العربية الفصحى في المدارس وتيسير قواعد نحوها وصرفها على الطلبة حفظٌ لها وتعزيزٌ لمكانتها في قلوب الطلبة وعقولهم؛ وهذه مسؤولية المعلمين، ونحو ذلك في المؤسسات العلمية والفكرية أولاً ثم ما دون ذلك من مؤسسات. لا يقال: إننا بحاجة إلى لغات أخرى للتعليم والعمل؛ فإننا مع الأخذ من اللغات كلٌّ بحسب حاجته، فالضرورة تُقدَّر بقدرها، فلا تسوّغ الحاجة للإنجليزية في العمل أن تصير لغة البيت، ولا تبرِّر الحاجة إلى اللغة التركية للإقامة والعيش أن تصير لغة الأطفال والأهل فيما بينهم؛ فنحن بهذا نقدّم للداعين إلى العامية ما أرادوا دون تعب منهم فنجعل اللغة العربية لغة دينية للصلاة بها فحسب! ولابد من استنهاض همم الباحثين والدارسين في اللغة العربية وآدابها لتأكيد حيوية اللغة ليتأكد للشعوب أنها تستوفي ما في نفوسهم عن اللغة، وأنها هي هويتهم؛ فتتوفر لهم الدواعي للدفاع عنها والمحافظة عليها. ولا تُعفى منظمات المجتمع المدني في البلدان العربية والأجنبية من المسؤولية في حفظ اللغة عبر مراكز ثقافية وبرامج ومشاريع للجاليات العربية والمسلمين المهتمين بالعربية، مع مسؤولية مراكز البحث العلمي والجامعات في تطوير تدريس العربية للناطقين بغيرها؛ ففي المسلمين المعجبين بالعربية الراغبين بتعلّمها عمق استراتيجي للعرب ولغتهم".

كما يرى أ. ياسين جمول أن كل تلك الحلول تنبني على معرفتنا بلغتنا معرفة عميقة شاملة للغة العربية وخصائصها الأصيلة، لا على معرفة مسائل منثورة ومعارف متفرقة في النحو والصرف واللغة، فهذا هو السبيل كما يذكر الدكتور محمد المبارك (ت 1981م)"لتكوين وعي لغوي صحيح يساير وعينا السياسي والفكري، بل هو الأساس لتكوين تفكيرنا تكويناً صحيحاً سليماً، والأخذ بأيدينا نحو الوحدة اللغوية والتحرر اللغوي والقضاء على التجزئة والشعوبية أو النفوذ الأجنبي في ميدان اللغة والفكر".

أما الدكتورعبد العزيز التويجري فيرى في كتابه (تأملات في قضايا معاصرة) أن المسألة اللغوية ينبغي أن تتخطى مجالَ المناشدة والدعوة والطلب إلى الجهات المسؤولة للقيام بواجبها تجاه لغة الضاد، إلى استصدار قرارات مسؤولة، أو وضع تشريعات قانونية ملزمة، تقضي باعتبار الخطأ في اللغة، ليس فقط عيباً أو مسبة أو نقصاً، وإنما اعتبار ذلك خروجاً عن القانون. وهذا هو الشأن المتبع في بعض الدول الأوروبية. والأمر قبل هذا وبعده، يحتاج إلى إرادة سياسية تؤمن بالرسالة الحضارية للغة العربية، وتحمي الهوية الثقافية للأمة بحماية لسانها، ففي ذلك ترسيخٌ للكيان العربي الإسلامي الكبير، وتقويةٌ لدعائمه.

 

 

 

-----------------------------------------


[1]الصاحبي في فقه اللغة 1/4.

[2]الإحكام في أصول الأحكام 1/32.

[3]مقدمة ابن خلدون 1/184.

[4]مسبوك الذهب في فضل العرب وشرف العلم على شرف النسب 1/9.

[5]فقه اللغة وسر العربية المقدمة/ 10.

[6]إبراهيم، الآية 4.

[7]تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص: 421.

[8]رواه البخاري(71)ومسلم (1037) .

[9]الرسالة 1/47.

[10]اقتضاء الصراط المستقيم، ص: 207.

[11]الخصائص 3/245.

[12]الإتقان في علوم القرآن 4/209.

[13]اللغة العربية وتحديات العصر، محمود السيد ص: 166.

[14]ينظر: أباطيل وأسمار، محمود محمد شاكر، ص: 202.

[15]اللغة العربية وتحديات العصر، محمود السيد ص: 169-170.

[16]الفصحى لغة القرآن، أنور الجندي، ص: 32.

[17]القومية الفصحى، عمر فروخ، ص97.

[18]أثر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في اللغة العربية، د. جابر قميحة، ص:86.