الثلاثاء 19 رجب 1440 هـ الموافق 26 مارس 2019 م
اللغة ليست محضَ أداة تجلٍ للفكر، بل إنها ثقافة وهوية.
الثلاثاء 4 ربيع الآخر 1440 هـ الموافق 11 ديسمبر 2018 م
عدد الزيارات : 632

 

الدكتور أحمد علي عمر لـ (نور الشام)

اللغة ليست محضَ أداة تجلٍ للفكر، بل إنها ثقافة وهوية.
حوار حول اللغة العربية وتحديات العصر


تشكل لغتنا العربية ذاكرة أمتنا وتاريخها، وتعكس أدبيات متكلميها ومعتقداتهم، وهي تجسيد حقيقي للأفكار والثقافة العربية والإسلامية، إنها تتفاعل مع المجتمع ويتفاعل أبناؤه بها ومعها، وبواسطتها يرتبون شؤون حياتهم ومعاملاتهم، وتعبر عن هويتهم ورؤيتهم للحياة والكون، وتصوغ عالمهم الواقعي والمستقبلي، لتصبح مرآة للمجتمع ونشاطاته المتنوعة الثقافية والجمالية والأخلاقية.
إلا أن لغتنا تواجه اليوم أخطارا كثيرة وتتعرض إلى هجمات شرسة تستهدفها وتستهدف هوية الأمة للوصول بالمجتمعات العربية إلى أمية لغوية تعزل أبناء اليوم عن تراثهم وتجردهم من أدوات التفكير العلمية، وفي حوار هذا العدد من مجلة نور الشام نستضيف الدكتور أحمد علي عمر المتخصص بالدراسات الأدبية والنقدية والمحاضر في جامعة تراكيا بمدينة أدرنة التركية، وذلك لنستعرض المشكلات التي تحيط باللغة العربية ومظاهر الاحتلال الثقافي والحصار اللغوي الذي نتعرض له، كما نقف على سبل الخروج من الحصار المفروض علينا، ونستشرف مستقبل اللغة العربية.
1-  تعاني اللغة العربية اليوم من تراجع مكانتها، إلامَ يعود ذلك؟ وكيف يمكن استعادة مكانة العربية في النفوس والتفاعل مع حركة الحياة وتجاوز مشكلة غربة اللغة العربية؟
لا بد في البداية أن نفرق بين تراجع مكانتها وتراجع مكانة متكلميها، وهذا فرق جليٌّ، العربية بوصفها لغة، لا يمكن أن توصف بالتراجع، أي أننا هنا نبحث في ماهية اللغة، وبما أنها مجموعة ضخمة من الجذور اللغوية والصيغ اللانهائية، فلا يمكن أن تتراجع، لأن القوالب اللغوية حصيلة احتياجات متكلميها، فلا بد أنها في تقدم، نظرًا لاستحداث مدلولات جديدة في إطارها النصّي، فإذا اتفقنا على أن التراجع مرتبط بالتفاعل الحيوي بينها وبين متكلميها يمكن لنا أن نلج إلى تشخيصٍ أدق، بمعنى: كيف يمكن لنا استعادة مكانتنا من خلالها؟ ولا شك أن إعادة إحيائها في فكر متكلميها يقودنا إلى أولى الخطوات العملية، فمعظمنا يقرأ بالفصحی، ويتكلم العامية، ويفكر بعقل حضارة أخری، أي أن نظام المدخلات والمخرجات عندنا متناقض، وهذا سر هذا الوهن، لأن التفكير آلية واضحة في تجليات حركة الحياة، فكيف يمكن لمن يتكلم بلهجة بعيدة عن لغته الأم أن يكون تفاعله سليمًا مع التفكير الذي يتطلب وجود قوالب لغوية أصيلة؟ فلو أننا وحّدنا نظام المدخلات والمخرجات، لانتقلنا إلى مرحلة مهمة من مراحل الاستعادة المكانيّة لعلاقتنا باللغة.
الغربة اللغوية في حقيقتها غربة لموقعها على ألسنة متكلميها، ولكي تتحقق فاعلية التموضع الصحيح لها على الألسن من جديد، لا بد أن تتخذ طريقها القوي إلى الفكر، بِعدِّه الحامل الشرعي لثقافتنا وهويتنا، فاللغة ليست محضَ أداة تجلٍ للفكر، بل إنها ثقافة وهوية، وحين ندرك هذا، أن اللغة ثقافة وهوية، وأداة تعبير عنهما، يمكن حين ذلك أن نرتبط بها ارتباطا قويًا، الارتباط المتين يقود إلى عملية تفاعل صحيحة بينها وبين الحاضنة الإنسانية، وما يستتبع ذلك من انبعاث ثقافي وحركي.
2-  استطاعت العربية أن تستوعب الوحي الإلهي بجميع تفاصيله ودقائق معانيه، واستوعبت الحضارات والفلسفات اليونانية والهندية والفارسية في مراحل الترجمة، عندما تفاعل العرب مع الحضارات القريبة والبعيدة، أما في المرحلة الراهنة فإننا نشهد حملة قويّة يدّعي قادتها بأنّ العربية لا تناسب العصر ولم تعد قادرة على الاستيعاب، فما سبب هذهِ الحملة؟ وما أبعادها التي تنعكس على اللغة؟ وما الذي جعل العربية اليوم تقف متأخرة عن ركب التقدم العملي والتقني؟
اللغة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقوة الأمة، فالمهمات الشاهقة التي استطاعت العربية أن تستوعبها وتتعامل معها بيسر ولين، إنما حدثت في الماضي والأمة في طور تصدير ثقافتها، وفي مكانةٍ تخوّل أبناءها استشعار الريادة والتأثير، واللغة لغة، لا يمكن أن تكون في الماضي ذات ماهية مختلفة عمَّا هي عليه اليوم، ولذا فإن التحديات الماضية مشابهة تمامًا للتحديات الجديدة، بيد أنه لم نسمع آنذاك من يكيل هذه التهمة غير المنطقية للغتنا وقدرتها على الاحتواء والتفاعل، فاللغة التي استطاعت أن تكون الحامل الشرعي لآخر الشرائع، أتبعت ذلك بقدرتها على سبك شتى العلوم بألفاظها، فدُوِّنت بها العلوم المختلفة، من تفسير وفقه وعقيدة وحديث، ولما اتسعت رقعة الدولة اتسعت معها في انفتاحها الأكبر على مخزونها اللغوي، واحتوت حضارات الأمم الأخرى من خلال الترجمة والنقل، ولما بدأ عصر التدوين الحقيقي للعلوم والتأليف وجدناها ذات قدرة عالية ومتوازية مع المجالات المختلفة، كالطب والهندسة والفلك والجغرافيا والفلسفة والتصوف والتأريخ وغير ذلك.
ولم يكن لهذا الاقتدار أسبابه الدينية فقط، بما يشبه مفهوم البركة اللغوية، من خلال حملها للشريعة بشقيها القرآني والحديثي، بل بما تتميز به من خصائص لغوية فريدة، كما أثبتته أبحاثٌ ضخمةٌ كثيرةٌ، كالاتساع الجذري، والتنوع الصوتي، والترادف الغني، والدقة التعبيرية، والخصائص الصوتية، والمزيّات البلاغية، والمجاز النوعي، والدقة التركيبية، من تقديم وتأخير وإسناد وحذف، والإيقاع الموسيقي، والمرونة التقبّلية، من التعريب والإدخال والتوليد، والقابلية التوسعية في احتواء المصطلحات الوافدة، وغير ذلك كثير، فلئن كانت هذه الخصائص قادرة عبر قرون مديدة على جعل العربية لغة استيعابٍ وتقبُّلٍ ورفدٍ لكل جديد، فكيف نقبل الحكم عليها من خلال قرنين أخيرين، أي أن عدم مواكبة التقدم العلمي اليوم راجع إلى أسباب لا تتعلق بماهية اللغة ونسقها التعبيري، إنما لذلك أسباب أخرى متعلقة بالوضع الاقتصادي والسياسي، وقبل كل شيء، بالإنسان العربي ومشكلاته وآفاق همومه وتجهيله واستقطابه.

3-  تواجه اللغة العربية مشكلات عديدة مثل الدعوة إلى العامية وإقصاء الفصحى وغلبة تعلم اللغة الأجنبية، فنجد أن العاميات هي لغة التواصل الأساسية، كما أن اللهجات المحكية والعجمة تسيطر على الإعلام والفنون والتربية والتعليم، ما أخطار ذلك، وما الخطوات العملية لإزالة هذه المشكلات؟
الدعوة إلى العامية نشأت منذ وقت مبكر، ولأن الداعين إلى إحلالها محل الفصحى هم في الغالب ممن انهزموا أمام الانبهار الغربي، وبالتالي أمام هويتهم ولغتهم، كان لا بد أن ننظر إلى هذه الدعوات من هذه الزاوية، ففي إيطاليا دُرِّست العامية في مدرسة نابولي للدراسات الشرقية، سنة 1727م، وجددت سنة 1888م، وفي النمسا أنشئت مدرسة القناصل، وفي فرنسا دُرِّست اللهجات العربية العاميّة في آخر الثلث الأول من القرن الماضي في مدرسة باريس للغات الشرقية الحية، وفي روسيا أنشئت مدرسة لازارف للغات الشرقية سنة 1814م، وفي إنكلترا أنشأت جامعةُ لندن في القرن التاسع عشر فرعًا لتدريس العربية العامية والفصحى، ولم يكن يخفى على أحد الهدف الاستعماري في بعض هذه المدارس كما بيّنت الباحثة نفوسة زكريا سعيد في كتابها (تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر)، ولقد تابَعَ هؤلاء الأعاجمَ بعضُ العرب؛ ومنهم: إسكندر معلوف الذي كتب في مجلة الهلال سنة 1902م مقالًا بعنوان (اللغة الفصحى واللغة العامية)، إذ يرى أن سبب تخلفنا عن الغرب التمسك بالفصحى! وأحمد لطفي السيد الذي دعا سنة 1912م إلى تمصير اللغة الفصحى، وسلامة موسى إذ تنكَّر لكل منجزات الإسلام والعروبة، ولويس عوض الذي قال: "فما من بلد حي إلا وشبَّت فيه ثورة أدبية، هدفها تحطيم لغة السادة المقدسة، وإقرار لغة الشعب العامية، أو الدارجة، أو المنحطة، وفي لبنان أنيس فريحة، وسعيد عقل، حتى عُقِد بلبنان في حزيران من عام 1973م مؤتمر كان يهدف إلى هدم اللغة العربية الفصحى.
وقد انبرى الغيارى على لغتهم في الدفاع عن الفصحى والرد على هذه الشبهات الانهزامية، ولو أننا قبلنا بهذه الدعوات، لاندثرت الهوية العربية، وانقسم المقسَّم، وضاع التراث، ولاحتاج المصري إلى معجم في حديثه مع المغربي أو الشامي، وهكذا، ولاسيما في التقدم الزمني.
إن الدعوات إلى إحلال العامية يقابلها سؤال عن الغاية، وبحث في النتائج، والغاية لئن كانت في مقاربة التسهيل فإنها تنمّ على جهل عميق باللغة العربية الفصحى، لأن إحلال العامية من شأنه تقعير التواصل واستصعابه وحصره في زاوية ضيقة، كما أن من شأن النتائج أن تحقق غايات لا يمكن إلا أن تكون عدائية، تهدف إلى النيل من الأمة في عقر وجودها، لغتها ووسائل التواصل بينها، إضافة إلى العمل على إحداث قطيعة بائنة مع التراث، ذاك الذي استنار العالم به يوما، وعلى رأسه الابتعاد عن المعتقدات، وهذا غاية ما يريدون الوصول إليه.
وأمام هذه الدعوات لا بد من التمسك بالفصحى هوية وجود، وعدم التسامح إطلاقا في استخدام العامية في وسائل التواصل وأماكن التعليم. والتركيز على تنمية القدرات الفردية في التواصل بالفصحى، والمطالبة الحثيثة في التشديد على استعمال الفصحى من قبل المعلمين في المدارس، ومتابعتهم بدقة، وتنبيه الناشئة على خطورة ما يُقدِمون عليه، وتبصيرهم بالنتائج، كما أن هناك مسؤولية كبرى تتعلق بالحكومات ودورها في وجوب المحافظة على سلامة اللغة الفصحى، واتخاذها لغة رسمية في شتى مجالات الحياة.
4-  يرى (ابن خلدون) أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بمن غلبه، في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها، ولذلك نرى ظاهرة اجتماعية أُطلق عليها (النفاق اللغوي) ويعني استخدام نظام لغوي أو بعضه، إخفاءً لخلفية لغوية ما وإلباسا على السامع بأن المتحدث ينتمي إلى جماعة لغوية مختلفة عن جماعته. كيف تنظرون إلى هذه الظاهرة وكيف يمكن الخروج منها، علما أن العرب واللاجئين اليوم في حالة انهزام على أكثر من صعيد؟ 
إن أية ظاهرة لغوية لا بد أن يكون لها ارتباط وثيق بأحوال متكلميها، وبالنظر إلى ذلك، نجد تراجعًا ملحوظًا في إدراك ماهية اللغة العربية، بما يسمى الجهل اللغوي، إضافة إلى تراجعٍ في الميادين السياسية والاقتصادية والعلمية، وما يستتبعه من أثر واضح له أبعاده في الحياة العملية لمتكلمي اللغة، أي أن عوامل الاستقطاب متهيأة لكل وافد جديد، وبما أن هذه العوامل متحققة يرفد بعضها بعضًا، لا بد أن تكون لها تبعات لغوية، وتجلت في شكلين: الأول منهما، زهد في الحصيلة اللغوية الذاتية، وثانيها انبهار في الآخر وطريقة حياته بما يتضمنه من تقدم علمي ورفاه معيشي، وما ينطوي على ذلك من تحقيق حرية الناس وتلبية متطلبات النفس والجسد.
وأمام هذا، نرى مقولة ابن خلدون بيِّنةَ الأثر، فالتمسك اللغوي له عوامل مرتبطة بالقوة الحضارية، وبما أنها ضعيفة، فستنتج ذاتًا ضعيفة، تتطلع إلى تقليد كل قوي، إن لم نقل الانصهار به، ولئن كانت اللغة بوصفها ترجمة للفكر الإنساني، هذا الذي انبهر بالآخر في الوقت الذي نضبت فيه معرفته بلغته، فلا بد أن تتجلى فيها قوية، واتخذت نمطين، كل منهما ينبئ عن خطر: الذوبان الكلي، ويتمثل بالاستبدال اللغوي التام، وذوبان جزئي، يتجلى في التطعيم اللغوي على درجات، على أن الثاني بكثرة تنميطه التطعيمي سيفضي إلى الأول، وهو ما نراه واضحًا في عمليات الاندماج التي رافقت المأساة السورية على سبيل المثال، ممن أنساهم الانبهار أنفسهم، بما ينطوي عليه من ثقافة ولغة.
وأمام هذا لا بد للآباء من تفعيل التواصل اليومي بينهم وبين تراثهم ولغتهم، ومن ثم تنميته في أولادهم، لأن القطيعة اللغوية قطيعة ثقافية وحضارية، ولا تبعد أن تكون دينية.
ويتجلى في العكوف على قراءة القرآن الكريم كل يوم، وتناول بضعة أحاديث نبوية، ثم الانتقال إلى كتاب تراثي.. فغيره عند الانتهاء منه، وملازمة ذلك والمداومة عليه، مع التنبيه على مفهوم الحوار مع الأبناء، وأن تعلمهم للغة أخرى ليس إلا أداة تطوير ذاتية لا إذابة فيها، ولا استبدال، وأن الجمع بين الثقافات مزية جليلة، شرط أن تكون الهوية بارزة، وأن يعلم الجميع أن القليل كثيرٌ بديمومته، وأن الكثير قليلٌ بانقطاعه وتجزُّئه، وأن تكون لغة بلد اللجوء مقتصرة على المدارس وأماكن العمل، وأن يكون البيت وأي نشاط عائلي خارجه مقتصرًا على العربية الفصحى، وأن يعمد اللاجئون إلى الإفادة من وسائل التواصل الحديثة، التي تقوم مقام دروس العلم في الوطن الأم، كاليوتيوب وغيره، وأن تكون هناك عمليات تقويم مرحلية، يطمئن فيها رب الأسرة، إلى صحة سيرورة الحفاظ على الهوية واللغة والمعتقد في أبنائه، حتى يصلوا إلى الإدراك الذاتي في ضرورة الحفاظ على اللغة والثقافة.
5- فرض المستعمر لغته على أبناء الدول التي احتلها، إدراكا منه بأن اللغة ليست مجرد رموز وكلام منطوق، بل هي منظومة ثقافية تتصل بهوية المجتمع الكلامي الخاص بها، وأيقن أنه لا بد من السيطرة على اللغة ليتغلغل في البلاد والمجتمعات المحتلة. يتعرض الإنسان العربي اليوم إلى ما يسمى الاحتلال الثقافي والحصار اللغوي، وكذلك تتعرض له لغته وهويته وحضارته، كيف يمكن التحرر من هذا الاحتلال وهل هي عملية سهلة؟
تبدلت وسائل المستعمر في النيل من ثقافة الأمم المستعمَرة وهويتها ولغتها، ولا سيما في عصر العولمة، فما كان يحتاجه المستعمر في الماضي صار أسهل وأيسر، وساعدته على ذلك عوامل ذكرتها آنفًا، متعلقة بالأحوال الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للأمم الضعيفة، ولعل أخطر ما تنطوي عليه: إدراك المستعمر الجديد أن اللغة ليست محض كلمات وألفاظ وتعابير، يقابل ذلك جهل عميق، يتمثل في اعتقاد الأمة المتأثرة أن اللغة محض كلمات وتراكيب لا تؤثر في حضارتها وثقافتها.
وآكد ما يُناط بنا من مهمات، أن نجعل المريض يقتنع بمرضه، أن يؤمن أن اللغة ليست نسقًا تعبيريًّا وحسب، عند ذلك ندلف إلى العلاج، وإلا ما الذي يجعل السيدة الفرنسية تقول: لقد أهنتَ فرنسا، لرجل أخطأ بالفرنسية في سوق الحميدية في دمشق، إنه إيمانها الصحيح، أن اللغة هي الحضارة، وأن العبث بها عبثٌ بثقافتها ووجودها.
إن العلاج غير ذي جدوى في مريض لا يقتنع بواقعه، ولذا حين تتبصّر الأجيال بمعنى اللغة، عندها تكون محصَّنة من الاستعمار الجديد غير المباشر.

6-  هل ترون أن اللغة العربية ستعود لغة التواصل بين أبنائها، ما مستقبلها؟
يتوقف هذا السؤال على مدى استجابة أبنائنا لدعوات الحفاظ على هويتهم اللغوية والثقافية، فالعودة مرتبطة بهم، بوعيهم الأكيد الهادف، ومن خلال اطلاعي على أحوال المهاجرين من بلاد الحروب مثلًا، أو على أحوال المستقرين في بلدانهم العربية، أرى أن الحاجة ما زالت ملحَّةً إلى تفعيل العربية الفصحى، فالمراكز والمدارس والجهود الذاتية ما زالت بحاجة إلى مزيدِ جهدٍ، وعظيمِ بذلٍ، وبمقدار ما تكون هذه الجهود مبذولةً يكون الأمل أكثر واقعية، والعكس منوطٌ بعكسه.
والارتهان إلى الوعد الإلهي بحفظ كتابه ودينه لا يجب أن يكون مدعاةَ كسلٍ في بذل كلٍّ منا مسؤولياته الكبرى تجاه اللغة، فكما أن هناك وعدًا بذلك فهناك سنة الاستبدال، التي تحلُّ فيمن زهد حتى انمحى. ولهذا الارتهان عواقب غير محمودة، ولذا لا بد أن ينهض كل فرد بمسؤوليته، وأن تكون هناك مؤسسات في كل بلد، يكون هاجسها الأول هذا السؤال، والعمل على تحققه الإيجابي.