الثلاثاء 19 رجب 1440 هـ الموافق 26 مارس 2019 م
تشاجر الأطفال
الثلاثاء 4 ربيع الآخر 1440 هـ الموافق 11 ديسمبر 2018 م
عدد الزيارات : 154

 

تشاجر الأطفال


إنّ حبّ الشجار بين الإخوة الأطفال هو أحد أشكال الإزعاج التي تعاني منها جميع الأسر، ذلك أنَّ حبَّ المخاصمة من الصفات الطبيعية لجميع الأطفال كما هو معروف لدى كلّ من رزقه الله الأبناء، فأطفال السنتين يضربون ويدفعون ويخطفون الأشياء، بينما يستعمل الأكبر سنًا أسلوب الإغاظة بالتحرش والكلام .

      وفي الحقيقة أنّه قلَّ ما يجتمع أطفال في مكان واحد سواءً أكانوا إخوة أم غير إخوة صبيانا أو بناتا إلا وتشاجروا، حتى وإن لم تكن أسباب الشجار موجودة فإنهم قادرون على إيجاد أي أمر يختلفون عليه، وقد تطول هذه الخصومات، وقد يعقبها تراضٍ وعودة إلى الألفة واللعب..
      وهكذا فكل الإخوة، ولاسيما المتقاربين منهم في العمر لابد وأن يتشاجروا، وتقلّ عادة هذه المشاجرات كلّما تقدّم الأطفال في السنّ ، ويكون التنافس أكثر شيوعًا في العادة لدى الإخوة الأكبر سنًا عندما يكونون متقاربين في العمر بفارق سنة أو اثنتين، و كذلك عندما يكونون في مرحلة الطفولة المتوسطة ما بين 8-12 .
     ويتباين الأطفال عادة في تكرار وشدة المشاجرة بينهم، فمنهم من يتمتع بصداقة حميمة في معظم الأوقات، بينما يميل البعض الآخر إلى الشجار المستمر، ويزداد الأمر سوءًا عندما يجتمع أكثر من مجموعة من الأولاد والبنات حيث قد يتحالف بعضهم ضد البعض الآخر أثناء اللعب، كما أن الأولاد عادة يحاولون السيطرة على البنات.
       ومن خلال ما تقدم نطمئن الآباء بأن الشجار من الأمور العادية بين الأطفال عمومًا وبين الإخوة خاصة، فكل أسرة فيها أكثر من طفل لابد وأن يحدث فيها شيء من النزاع والمشاجرة بين أبنائها، ولاشك بأن تلك الظاهرة مزعجة للأهل، وقد يشعرون أحيانا بخيبة الأمل بسبب الصورة المثالية التي كانوا يحلمون بها عن طبيعة الحياة الأسرية الهادئة حيث يتضح لهم بأن الهدوء لا يمكن أن يستمر في البيت لأكثر من دقائق معدودة، مما يجعل بعض الآباء يشكون في قدرتهم على التربية، مما يسبب لهم الألم والحزن وأحيانًا الإحباط، ولو أنهم علموا أن الشجار بين الأطفال يمثّل مرحلة طبيعية من النمو، وأنهم من خلال هذه النزاعات يتعرفون على بعضهم وعلى إمكاناتهم ونقاط الضعف والقوة عندهم، فهي مرحلة بناء شخصياتهم واستقلالهم عن الآخرين، لو علموا ذلك لزال انزعاجهم وتخوفهم ولتعاملوا مع تلك الظاهرة على أنها تساعدهم على تربية جوانب شخصيتهم الاجتماعية وتجاوز مشاكلهم من خلال استغلال كوامن قدراتهم .
       و بالرغم من أن هذا الشجار يُعَدُّ أمرًا طبيعيًّا إلا أن مشكلة الإفراط في التعدي والمنازعة قد تصبح ظاهرة قلق نفسي عند الأطفال تحتاج إلى معرفة السبب وحل المشكلة بهدوء وروية.
       وتظهر الدراسات التربوية أن من أهم الأسباب الواضحة لعدوان الأطفال على بعضهم البعض ما يأتي:
• الغيرة، فقد يؤدي تفضيل أحد الأبوين طفلا على غيره إلى إشعال الغيرة التي تؤدي إلى نشوب الخصومة بينهم، فإذا ما أخطأ الصغير لم يعاقب بينما لو أخطأ الكبير الخطأ نفسه عوقب، وذلك لسبب يردده الأهل دائما وهو أن الصغير لا يفهم، ولكن الطفل لا يقدر هذه المشاعر مما يؤدي إلى شعوره بالظلم والحيف، فتُشحَن نفسه بالحقد والكراهية لأخيه الصغير، فيعمد إلى الإساءة لأخيه من وقت لآخر انتقاما لنفسه، ومن أجل حلّ هذه المشكلة والحيلولة دون وقوع هذا السبب المؤدي للشجار يتوجب على الأهل أخذ الاحتياطات اللازمة لإيجاد التفاهم والاطمئنان وعدم عمل أي شيء من شأنه أن يؤدي إلى الغيرة والكراهية.
• المقارنة بين الأطفال، وهذا أمر ملاحظ بكثرة، فقد يعجب الأبوان بأحد أبنائهما فيجعلانه مضرب المثل دائما، فأي ابن آخر أخطأ ينبه أن أخاه المفضل لا يفعل فعله، وهو أحسن منه، وكل هذا يؤدي إلى ضرب الأخ لأخيه أو محاولة إيذائه، ولا يجوز للأهل الخوض في مثل هذه الأمور التي لا يلقون لها بالا، بينما هي في واقع الأمر تؤدي إلى شعور العداء بين الإخوة إلى جانب القلق النفسي وعدم الثقة بالنفس.
• التنازع على الألعاب، نجد بعض الآباء يفرضون على الطفل السماح لأخيه باللعب معه بألعابه الخاصة وهو غير راض بذلك ، فإن هذا الإجبار قد يزيد من أنانية الطفل وحقده على أخيه، وربما سبب له ردَّ فعل سيء، مع أن المفروض أن تنبعث الرغبة في المشاركة في اللعب من نفس الولد دون مشاركة أو قهر، والأنسب أن يختار الأب لكلّ ولد ألعابه الخاصة به التي تناسب سنه، مع ضرورة أن يشرح الأب لأبنائه أهمية التعاون واللعب الجماعي، وفي حال الخلاف على لعبة أو شيء يمكن أخذ اللعبة منهم جميعًا وإخبارهم أنه يمكنهم استرجاعها بعد أن يصلوا إلى حل واتفاق كيف سيلعبون بها دون نزاع ؟ وهذا مما يعزز علاقاتهم الطيبة في المستقبل.
• الفارق السني المتقارب بين الأطفال، فمن الملاحظ أن أعلى نسبة من الخصام بين الإخوة تكون عادة حينما يكون هناك فارق سنة أو سنتين فقط، فإذا زاد الفارق عن ثلاث سنوات فالغالب أن يكون الكبير منهم أنضج من أن يعبأ بحركات أخيه الصغير، لذا ينصح الأهل بترك فترة بين الولادات تتراوح ما بين 3 إلى 5 سنوات.
        وختاما نؤكد بأنه يحسن بالأهل عدم التدخل في خصومات الأطفال التافهة، والأحسن هو محاولة الحيلولة دون وقوع الخصام، ولكن إذا بدأت المشاجرة بين الأولاد فلا شك أنّ التدخل المباشر ضروري إذا كان أحد الأولاد عرضة لإصابة جسدية، لوضع حدٍّ فوري للأمر، وذلك بأمرهم بالتوقف عن الصراع فورًا وإبعادهم عن بعضهم جسديًّا، ولابد من التذكر دومًا أن استعمال الضرب لفضِّ النزاع يُعَدُّ خطأ مثل الخطأ الذي نطلب منهم الامتناع عنه.
         وبعد تحقيق الهدوء بينهم يستحسن الاستماع منهم إلى كيفية بدء النزاع، لأن الاستماع لهم يشعرهم بالمحايدة والعدل.
         أما إذا لم يكن هناك ضرب أو استعمال العضلات في النزاع فلا حاجة للمسارعة في التدخل، فالأطفال يحتاجون لمثل هذه الخلافات ليتعلموا منها أمورا كثيرة، وكلّ هذا يتطلب منهم التكيّف المستمر بسبب نموهم ونضجهم، فإذا وضع لهم الأهل قواعد محددة وصارمة تمنعهم من المواجهة وتحدد لهم كيف يفضون الأمور بينهم فهم بذلك يحرمونهم من فرصة الاكتشاف بأنفسهم كيفية حلّ الخلافات بينهم.
        كما يحسن، بل يجب على الأهل مكافأة الأطفال كلّما استمروا في اللعب وابتعدوا عن الشجار فيما بينهم، وفي نفس الوقت التأكيد للأطفال بأنه لا يسمح لهم بإيذاء بعضهم البعض بالضرب أو السخرية، ولعل غرس السلوك الديني والآداب الإسلامية في نفوس الأطفال وإشباع حاجاتهم النفسية من مشاعر الأمن والطمأنينة في جو من الحب والاحترام يُعَدُّ من أفضل الأساليب المفيدة في تقليل المشاجرات التي تقع بين الأطفال.