الأحد 18 ذو القعدة 1440 هـ الموافق 21 يوليو 2019 م
هل سنتعلم لغتنا من غير أهلها؟
الاثنين 3 ربيع الآخر 1440 هـ الموافق 10 ديسمبر 2018 م
عدد الزيارات : 343

 

هل سنتعلم لغتنا من غير أهلها؟
 

نشهد اليوم ظاهرةً تعدَتِ الخطأ النحوي والتركيبي في لغتنا العربية إلى مرحلة عدم فهم عددٍ من أطفالنا لغة أجدادهم وعنوان مجدهم ولغة عبادتهم ورسالة ربهم ففي كثيرٍ من المجتمعات العربية اليوم تحقّق قول المتنبي: وَلَكِنّ الفَتى العَرَبيّ فِيها غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ

وفي الجهة المقابلة نجد نهضةً لغويةً للعربية، ففي أمريكا سيدة العالم لم تعد تخلو جامعةٌ تقريبًا من قسمٍ لتعليم اللغة العربية وتشهد نموًّا في بريطانيا حتّى إنّ دراسةً تفاجئنا وقد أصدرها المجلس البريطاني تبين هذه الدراسة أنّ العربية ستتفوق على الإسبانية في المملكة المتحدة بعد مضي زمن ليس بالبعيد، هذا عدا عن حركتها في البلاد الإفريقية غير العربية، وفي كوريا الجنوبية قبلت لغةً ثانية لدخول الجامعات، أمَّا في تركيا فدخلت المرحلة الابتدائية وهي أساسية في ثانويات الأئمة والخطباء وكذلك في كليات الإلهيات التي فاقت المئة كلية، أضف إلى ذلك المراكز الوقفية وكليات الآداب.

ومن يلتقي بمن أتْقنها من أولئك الذين ليسوا بالأصل من أهلها تجدُهم يتفننون في نطقها ويطعمونها في نطقهم صورًا وبلاغةً وأمثالًا وحكمًا، بل يجهدون أنفسهم في ذلك حتى إن صديقًا قال لي: "لقد شاب رأسي في تعلمها"، ووصل الأمر إلى أنَّهم يعلموننا بعضًا من الكلمات التي لا نفقهها لعدم استعمالها فمرَّةً سأل أستاذ ما معنى محل الأدوات المعمَّرة؟ فذهب كثيرون إلى أنها المستعملة، فقال: لا بل هي الثلاجات والغسالات وسُمِّيَت مُعَمَّرة؛ لأنَّها تعمر في البيوت. وإليكم أيها القراء الكرام عددًا من المواقف التي تعطي قراءةً مستقبليةً يمكن أن تحقق ما ورد في عنوان المقال.

وأبدأ بصديقٍ يابانيٍّ تفوَّق في قسم اللغة الإنكليزية ونال منحةً من حكومته لدراسة اللّسانيات في بريطانيا سافر إلى لندن وكان فكره مشغولا بهمٍّ لا يفارقُه وهو كيف يكون سعيدًا؟ دارت عجلة الأيام به وطوّف في البلاد باحثًا عنها ويشاء الله أن يقرأ كتابًا عن الإسلام في فندق في القاهرة تركه خلفه زائرٌ قد غادر الغرفة من أبناء جلدته قرأ الكتاب وعاد أدراجه إلى طوكيو ليُقْدِمَ على أخطر قرار في حياته إعلان أنه لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله.

يقابل أستاذًا مسلما في الجامعة التي يعمل بها ويعطيه قاعدةً لتعلم الإسلام ألا وهي إتقان العربية فبدونها لن تفهم الإسلام فهمًا كاملًا ويبدأ رحلته الجديدة يسجل من جديد في مرحلة الليسانس في قسم اللغة العربية ويتفوّق وينال المرتبة الأولى ويعشق هذه اللغة ويتكلّمها بإتقان ويصادف أن نكون في إحدى المحاضرات ويقول أستاذنا في تلك المحاضرة وهو الدكتور عبد الصبور شاهين -رحمه الله تعالى- حبَّذا لو يُخصص قسمٌ من مال طباعة القرآن الكريم لتعليم غير العرب قراءة الفاتحة في موسم الحج وذلك بتكليفِ عددٍ من الشَّباب المميزين في التعامل واللُّطف والذّوق وينتشرون بين المسلمين غير العرب في الحج ويعلمونهم قراءة الفاتحة قراءةً موافقة لأحكام التجويد وخاصّةً مخارج الحروف العربية لاسيما الحروف التي لا توجد في لغاتهم.

وروى لنا تجربةً قام بها هو بنفسه في الحج، ثم قال لنا الآن انظروا إلى أخينا أحمد وسنرى كيف أنه سيقع بالأخطاء نفسِها في قراءة القرآن وإذ بأحمد يفاجئ الجميع بقراءةٍ مُتقنَةٍ جعلتْنا نصمت وكأنَّ على رؤوسِنا الطَّيْر عاش أحمد بصدقٍ قصّةَ عشقٍ لهذه اللُّغة العربية يبدأ يومه في القاهرة من الثامنة صباحًا وحتّى الثَّامنة مساءً تنقيبًا وبحثًا عن كتب العربية ومتقنيها ومعلِّميها همُّه أصبح كيف يتذوق الشعر العربي وكيف يصبح مرجعًا في العروض وعندما سألته يا أحمد لِمَ ترهق نفسك كل هذا الإرهاق لم لا ترفِّه عن نفسك قليلا؟ قال لي: تعلم يا محمد! أني أحمل هم الأيام القادمة لأنني سأنشغل عمّا أنا فيه برحلةٍ إلى الهرم مع أختي التي ستزور القاهرة يا محمد! حياتُنا قصيرة ويجب أن نُعِدَّ جوابًا لما بعدها... أعمل وأجِدُّ يا محمد حتى يكتب على قبري هنا يرقد النّحَوي العربيُّ الياباني أحمد تاكيدا.

أحمد اليوم رسولٌ من رُسُلِ اللّغة العربية متقنٌ لفنونها له في كلِّ عاٍم جولةٌ في أحد البلدان الإسلامية يجمع أبحاثًا ويكتب مقالاتٍ عن اللُّغة العربية ونحوها وصرفها كنا في سور الأزبكية وصرت ألتقط كتُبًا عُنونت بـ "نحو النص"، من التفكيكية إلى البنيوية، ديالكتيك اللغة.. وهو ينقِّب في عناوين مثل: جهود ابن جني، سيبويه واللغة، تحقيقات محمود شاكر فقلت له: لم لا يلفِتُ نظرَك ما ألتقطه أنا فقال لي: صدقني يا محمد قرأتها بالإنكليزية والفرنسية واليابانية وشدَّني ما في تراثكم أكثر بكثير مما وجدت في كتاباتهم مِن نظرياتٍ لغوية.

هذه صورةٌ عشتها من صور أولئك القوم غير الناطقين بالعربية ولا يهزُّهم شيءٌ مثل سماعهم لأبناء العربية يهزؤون بهم؛ لأنهم يتكلمون بالفصحى وأذكر ذات يوم أن صينيَّةً في مكتب أحد الأساتذة في إحدى الكليات العربية العريقة دخلت والدموع بعينيها؛ لأنَّ الطلبة يسخرون منها وهي تكلمهم بلسانٍ فصيح، طالبةٌ تقول لي بحسرةٍ وأسى أنها وهي تتعلم العربية الفصيحة في إحدى الدول العربية أرادت تطبيق ما تتعلمه مع الطلبة الذين يدرسون في الجامعة وعندما التقتْ بعددٍ من طلبة كلية الطب والهندسة وغيرها من الاختصاصات عجزوا عن فهم بعض الكلمات التي تنطقها بالفصيحة البسيطة، فاضُطرت إلى ترجمتها إلى الإنكليزية، ثم عكفت على تعلُّم العامية مكرهةً حتى تستطيع التفاهم مع عددٍ ليس بالقليل في الجامعة من بنات جيلها.
وفي مدينةٍ من المدن الإسلامية ترى كثيراً من المسلمين يفرحون وهم يرون عربيًّا ويشعرون بالفخر عندما يستطيعون محادثته بالفصيحة؛ لأنها عندهم لغة القرآن الكريم وليست لغةً للعرب وحدهم، ثم يخبرني أحد الأصدقاء أنَّ الناس هنا كانوا إذا وجدوا ورقةً في الأرض مكتوبةً بالعربية حملوها ورفعوها وربما قبلوها ووضعوها في مكانٍ بعيدٍ عن الأرجل فلها في القلب القداسة عندهم.

تذهب إلى عددٍ من البلدان الإسلامية فتجد خلايا نحلٍ تنطلق في تعلم العربية ويركزون في أكثر المراكز على الفصيحة ويطربون في نطقها. فهل يا ترانا سنجد علماء يجددون تلك المرحلة الزمانية التي صنف فيها غير العرب أهم الكتب العربية كسيبويه في النحو وتفنن فيها ابن جني في خصائصه وبرع الزَّجَّاج في عِلَلِها والجرجاني في نظمها والزمخشري في بلاغتها وكانوا هم شيوخ العامود الذين تلتف حولهم حِلَقُ علم اللغة ينقلون عنهم ويصنِّفون وراءهم ومازلنا إلى اليوم نعيش على علومهم ونحصِّل شهادات علمية بقراءة وتحليل لجهودهم.

الفارق بين اليوم والأمس أنَّ الأمس كان العرب يكرِّمون ويفخرون بمن يتكلم هذه اللغة الشريفة وكان الملوك والأمراء يخصونهم بمجالسهم الخاصة يؤنسونهم ويسامرونهم. أما اليوم فصار عددٌ كبيرٌ من أبناء جلدتنا يعتبر العربية والتكلم بها نوعًا من العزف على أوتارٍ قد بليت بمرور الزمن ولا يلتفتون إلى أنَّ جارهم المصطنع قد أحيا لغته بعد مواتٍ وصار لها مجامع وصارت العبرية مقدسة عند شعبها والناطقين بها.  يستغرب قومٌ ويقولون هل يوجد إنسانٌ يهزأ بلغته وكيف يهزأ بها وهي تمثّله وتمثِّل انتماءه وتاريخه وأهله!