الثلاثاء 4 ربيع الآخر 1440 هـ الموافق 11 ديسمبر 2018 م
كتاب (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)
الخميس 28 ربيع الأول 1440 هـ الموافق 6 ديسمبر 2018 م
عدد الزيارات : 52

 

كتاب (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)


هذا الكتاب دراسة معمقة جعلها كاتبها الشيخ محمود محمد شاكر مقدمة للطبعة الثالثة من كتابه (المتنبي)، سلط الضوء فيها على فترة طويلة من تاريخ أمتنا الإسلامية، بغرض إلقاء الضوء على أحداث كانت سببا في انحراف البوصلة، ومعرفة من كان يقف خلف هذه الأحداث التي أدت إلى وأد النهضة الإسلامية. وكان محمود شاكر أبو فهر يريد من خلال هذه الرسالة الكشف عن جذور الصراع التي أدت هزيمتنا فيه إلى فساد حياتنا الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية.
لم يقسم الكاتب كتابه إلى أبواب وفصول، باعتبار أن الرسالة مقدمة لكتاب سابق، فأخذ يتحدث إلى قارئه حديثا متسلسلا معتمدا إلى تقسيم الرسالة إلى فقرات، فوقع الكتاب في 24 فقرة، وختم بشهادة له ولطه حسين على فساد أدب عصره وثقافته.
ويمكن تقسيم الكتاب إلى أربعة محاور هي: رحلة المؤلف إلى منهج التذوق، والصراع بين الإسلام والنصرانية الأوروبية وانتهاء بمعركة الاستشراق، ونهضة ديار الإسلام وكيف أبيدت، والتفريغ الثقافي وفساد الحياة الأدبية.

1- رحلة المؤلف إلى منهج التذوق:
يبين المؤلف في مقدمة رسالته أنه لبث عشر سنوات من شبابه في حيرة وشكوك من تلك الحياة الأدبية الفاسدة التي كان منغمسا فيها من كل وجه، فخاف على نفسه الهلاك، فأدى به الخوف إلى قراءة كل ما وقع تحت يديه من الشعر العربي بتدبر، فأكسبته هذه المرحلة تذوقا للغة الشعر. ثم هم بقراءة ما وقع تحت يديه من كتب السلف من تفسير للقرآن وعلومه، إلى دواوين السنة وشروحها وما تفرع منها من كتب المصطلح والرجال والجرح والتعديل إلى كتب الفقه وأصوله، وكتب الملل والنحل ثم كتب الأدب والبلاغة والنحو والصرف، حتى توصل إلى ابتكار فريد موصول بمنهج آبائه وأجداده أسماه "منهج التذوق"، وهو تذوق الكلام العربي وما يقصد به وما وراءه من معان، وقد وجد أن عبد القاهر الجرجاني سبقه إلى منهج التذوق، وضرب لذلك مثالا من كلام الجرجاني يدل على منهجه في التذوق وتفرد التراث الإسلامي.
ويشير المؤلف إلى مكمن الخلاف في المناهج الأدبية القائمة، حيث يبين فسادها من جذورها، ابتداء من تسميتها بـ "مناهج"، فقد أبان عن تصوره للمنهج العلمي، أو ما يؤثر تسميته "ما قبل المنهج"، وهو ما لا يقوم المنهج إلا عليه، وهو بعبارة المؤلف ينقسم إلى شطرين، الأول في تناول المادة والثاني في معالجة التطبيق. ويقوم الشطر الأول على جمع المادة على وجه الاستيعاب، ثم التصنيف والتمحيص، ثم التحليل الدقيق. أما شطر التطبيق فيقتضي إعادة ترتيب المادة واستبعاد كل احتمال للخطأ، ووضع الحقائق في موضعها، ويزيد المؤلف أن شطر التطبيق هو الميدان الفسيح للخلاف العلمي واصطراع العقول والحجج ونشأة المناهج أو المذاهب.
ويبين أبو فهر أن أصول ما قبل المنهج تدخل أولا من طريق معرفة اللغة التي نشأ فيها صغيرا، وتدخل ثانيا من طرق الثقافة التي ارتضع لبانها يافعا، وتدخل ثالثا من طريق أهوائه التي يملك ضبطها أو لا يملكه. ثم يختم هذا المحور بتعريفه للثقافة، ويرى أن ثقافة كل أمة هي جسدها الذي يقوم به كيانها وتعرف به بين أقرانها، ورأس كل ثقافة هو الدين بمعناه العام.


2- الصراع بين الإسلام والنصرانية الأوربية، ومعركة الاستشراق:
يرى الكاتب أن الصراع الإسلامي الأوروبي يتجسد في أمرين:
الأول: الحروب الصليبية التي استمرت قرنين كاملين ثم انتهت بالإخفاق واليأس من حرب السلاح، وذلك كان عام 690 هـ/ 1291م.
الثاني: سقوط القسطنطينية 857هـ/ 1453، حيث أيقنت النصرانية أن المواجهة المسلحة مع الإسلام لا تفيد، فاندفعت أوروبا لمعركة أطول وأقسى هي معركة الاستشراق ثم الاستعمار ثم التبشير.
ويضيف الكاتب أن أوروبا بدأت معركتها باقتلاع الأمية، ليخرج من قلب الصراع الداخلي طبقة إصلاح، فخرج (مارتن لوثر) و(جون كلفن) و(نيكولو مكيافلي) في سبيل اليقظة ودفع المسلمين، فخرجت أوروبا من أصفاد القرون الوسطى، ودخلت في القرون الحديثة، وصاحبت الصحوة الأوربية غفلة إسلامية.
وبعد تأمل مراحل الصراع نستطيع تمييز أربع مراحل:
الأولى: صراع الغضب لهزيمة المسيحية في أرض الشام ودخول أهلها في الإسلام.
الثانية: صراع الغضب المتدفق من أوروبا مشحونا ببغضاء، بقي لقرنين في الشام.
الثالثة: صراع الغضب المكظوم نتيجة اندحار كتائب الصليب.
الرابعة: صراع الغضب بعد فتح القسطنطينية الذي صنع لأوروبا النهضة.
وعند أول بدء اليقظة تحددت أهداف المسيحية الشمالية ووسائها، فلم يغب عن أحد منهم أنهم في سبيل إعداد حرب صليبية رابعة، نحَّوا فيها السلاح إلى أن يحين حينه، ولم يبق لهم إلا سلاح العقل والعلم واليقظة والفهم، ثم المكر والدهاء وترك استثارة الإسلامي، وقد كان مدد اليقظة مستجلبا من علوم الإسلام، والسبيل إلى ذلك كان معرفة لسان العرب التي لا تتحقق إلا ببعث رجال يسيحون في أرض الإسلام، فكانت فكرة الاستشراق، فكان المستشرقون أهم طبقة تمخضت عنها اليقظة الأوروبية، وما هو إلا قليل حتى كان تحت أيديهم آلاف مخطوطات كتب دار الإسلام، وينبه المؤلف بقوله: "فلا تصدق من يقول لك إن الاستشراق قد خدم اللغة العربية وآدابها وتاريخها وعلومها، لأنه نشر هذه الكتب التي اختارها مطبوعة فهذا وهم وباطل، كانوا لا يطبعون قط من أي كتاب نشروه أكثر من خمسمئة نسخة- ولم تزل هذه سنتهم إلى يومنا هذا- توزع على مراكز الاستشراق في أوروبا، وما فضل بعد ذلك فقليل جدا".
ويضيف المؤلف أن أكثر ما كتبه المستشرقون إنما كتبوه لبني قومهم لتبشيع صورة الإسلام وأهله في عيونهم ووصم نبيه بالنقائص، وأنهم اتصفوا بصفتين: الأولى أن في قلبه الحمية التي أثارها الصراع بين المسيحية ودار الإسلام. والثانية أن في صميم قلبه كل ما تحمله قلوب خاصة الأوربيين وعامتهم من الأحلام إلى حيازة كل ما في دار الإسلام من كنوز العلم والثروة والحضارة.
كما يبين أبو فهر أن ما يفعله المستشرقون لا يمت بصلة إلى المنهج، لأن لغتهم مباينة للغتنا، وثقافتهم مختلفة عن ثقافتنا، ودينهم مغاير لديننا، وهذه كلها أدوات ما قبل المنهج.


3- نهضة ديار الإسلام وكيف أبيدت:
تحدث المؤلف في هذا المحور عن نهضة ديار الإسلام، وتطرق إلى الحديث عن خمسة علماء أيقظوا الجماهير من غفلتها، وهم عبد القادر بن عمر البغدادي صاحب خزانة الأدب، ومحمد بن عبد الوهاب، وحسن بن إبراهيم الجبرتي (الكبير) العقيلي، ومحمد بن عبد الرزاق الحسيني المرتضى الزبيدي صاحب تاج العروس، ومحمد بن علي الخولاني الشوكاني الزيدي.
يشير المؤلف إلى أن أوروبا خشيت أن تقوم نهضة في قلب العالم الإسلامي كما قامت نهضتهم، فعملت على محاصرتهم ووأد يقظتهم، فأسرعت إنجلترا إلى سواحل الجزيرة العربية لإخماد صحوة ابن عبد الوهاب، وجاء التدبير من الاستشراق الفرنسي لإخماد يقظة الديار المصرية، إذ قيض الله لفرنسا قائدا محنكا هو نابليون فهوى على مهد اليقظة ووضع خطة محكمة تتضمن إقناع المشايخ أن هدف الحملة الفرنسية هو محاربة المماليك وظلمهم، وإثارة الأقباط ضد المسلمين، وتدجين العلماء، وتفقير الشعب، وسرقة الثروة الفكرية للبلاد.
وينبه أبو فهر على أن نابليون قام قبل رحيله بإنشاء ما يسمى بالديوان، وهو عبارة عن صورة هزلية لحكومة دستورية وعين عليه بعض المشايخ الذين كانت لهم هيبة عند الناس، ولكنهم في الأصل موالين للفرنسيين، فاختيروا لتنفيذ أغراض المستشرقين وتحسين صورة الصليبيين، فكان عملهم إماتة روح الجهاد، ولكن الناس استنكروا عليهم والتفوا حول صغار المشايخ من الأزهر وقاموا بثورة القاهرة.
وبعد الجلاء الفرنسي بدأ رجالات مصر يبحثون عن قائد للمرحلة العصيبة، وكان هناك رجل ذكي مكار خالط المشايخ وأظهر لهم سلامة الصدر ما خدعهم به، فولوه أمر مصر، وهذا الرجل كان بائع دخان أول أمره، ولم يكن يقرأ ولا يكتب، وهو محمد علي باشا، الذي سيطرت عليه قناصل الدول المسيحية الاستعمارية، حتى أوغروا صدره على المشايخ فكانت أول غدرة غدرها بالشيخ (عمر مكرم).
وقد قام محمد علي بمشروع استشراقي كبير، فبعث ثلة من شباب مصر ليتعلموا ويتفرنسوا في باريس، وليعودوا فيكون منهم حزب يضم إليهم غيرهم كما يشتهي نابليون في وصيته لخليفته على مصر كليبر، والحقيقة أن البعثات العلمية لم تكن نابعة من عقل محمد علي، بل كانت نابعة من عقول تخطط وتدبر لأهداف بعيدة المدى.
هلك محمد علي وبقي أولاده من بعده في قبضة القناصل والاستشراق، وعادت البعثات بقلب أوروبي وقالب عربي، وصاروا للمستعمر حزبا ينضم إليهم غيرهم، حيث كانت رغبة نابليون بإرسال بعثات من أبناء مصر قائمة على قدم وساق، حيث بدأت البعثات من عام 1826م حتى عام 1847م، وكانت تسير وفق المخطط المرسوم. ولكن بتعديل بسيط قام المستشرق الفرنسي جومار بإبدال الشيوخ والمماليك من شيوخ كبار إلى شباب صغار من نجباء أبناء مصر، حتى يكونوا أشد استجابة على اعتياد لغة فرنسا وتقاليدها، وكان على رأس أول بعثة أرسلت إلى فرنسا رجل إمام يصلي الصلوات الخمس، ويراقب أفراد البعثة، وهو رفاعة الطهطاوي الذي أنشأ بعد عودته من فرنسا مدرسة الألسن التي كانت تدرس الآداب الغربية والتاريخ المزور، لكي تنافس الأزهر الذي أسقط هيبة مشايخه محمد علي.
ومضت الأيام حتى جاء الاحتلال الإنكليزي عام 1882م ووكل أمر التعليم إلى قسيس هو دنلوب، ليؤسس أصول الاحتلال ويمكن لثقافته، حيث شطر التعليم إلى ديني في الأزهر ودنيوي في المدارس، فتبع ذلك تفريغ طلبة المدارس من ماضيهم وبعث الانتماء إلى الفرعونية.


4- قصة التفريغ الثقافي وفساد الحياة الأدبية:
ذيل محمود شاكر رسالته بشهادتين تبينان فساد الحياة الأدبية، يقول في الأولى: "شهادتي أنا من موقعي بين أفراد جيلي الذي أنتمي إليه، وهو جيل المدارس المفرغ من كل أصول ثقافة أمته، وهو الجيل الذي تلقى صدمة الدهور الأولى، حيث نشأ في دوامة من التحول الاجتماعي والثقافي والسياسي"
ثم ذكر الشهادة الثانية وهي "شهادة الدكتور طه حسين من موقع الأستاذية لهذا الجيل" ورأى أن في قراءة هاتين الشهادتين منجاة من الدخول في غمار أحلام النهضة والتجديد والأصالة المعاصرة والثقافة العالمية.
وقد بيَّن في ذيل الرسالة أثر الاحتلال الإنجليزي لمصر، ويحكيه تحت عنوان "قصة التفريغ الثقافي"، فإن تفريغ الأجيال الناشئة من ماضيها سوف ينشئ أجيالا تتهتك علائقها بثقافتها العربية والإسلامية، حتى يتم تفريغها كاملا من ماضيها، ثم يملأ هذا الفراغ بعلوم وآداب وفنون لا علاقة لها بماضيهم، وإنما هي علوم الغزاة وتاريخهم وآدابهم ولغاتهم.