الجمعة 7 ربيع الآخر 1440 هـ الموافق 14 ديسمبر 2018 م
التعامل الصحيح مع الفتاة المراهقة
الثلاثاء 18 ذو القعدة 1439 هـ الموافق 31 يوليو 2018 م
عدد الزيارات : 408

 

التعامل الصحيح مع الفتاة المراهقة

 

الاستشارة:

ابنتي عمرها 12 سنة، هي عصبية جداً ولا تطيعني البتة، ولا تصلي، لم تكن هكذا، لكن منذ 6 شهور تغيرت سلوكياتها كثيراً، وتراجعت في دراستها، وأصبحت حزينة وحيدة لا يوجد لديها صديقات، ولا ترغب في عمل أي شيء سوى مشاهدة التلفاز. مهملة لنظافتها الشخصية، يمضي الأسبوع تلو الأسبوع دون أن تستحم، أقضي وقتي معها في المنزل بالمشاحنات والمشاجرات، لتخرج مسرعة من البيت نحو مكان عمل والدها الذي لا يهتم مطلقاً ويتركها تفعل ما تشاء، تقضي الساعات والساعات عنده، وحين عودة والدها إلى المنزل أخبره ماذا صنعت كي يتعامل معها، فيصيح في وجهي بألا أتدخل قائلاً: "هكذا أنا أريدها أن تكون". ابنتي تعرضت لصدمات عدة وأعترف أنها من بعد هذه الصدمات تغيرت وأقوى هذه الصدمات وأدومها المشاجرات الكبيرة والدائمة بيني وبين والدها، أشعر أن ابنتي تضيع من يدي ولا أعرف كيف أتصرف معها!

 

الرد: 

هوني عليكِ أيتها الفاضلة الكريمة، فأنا أستشعر وأحس بدرجة المعاناة والألم النفسي الذي تعانين منه، وذلك من جراء تصرفات ابنتك، لكن نعود ونقول إنه من الواضح تماماً أن درجة تحملك أصبحت قليلة، وهذا نشاهده لدى الكثير من الأمهات.

أشارت دراسة إلى أن ستين بالمئة من الأمهات اللواتي يعانين من الاكتئاب تحدث لهنَّ إخفاقات تربوية كبيرة فيما يخص التعاطي مع بناتهنَّ على وجه الخصوص. لا أقول إنك مكتئبة، لكن أقول بكل وضوح إن ما تعانيه من قلق وتوتر داخلي جعل انفعالاتك تتوجه بصورة سلبية نحو ابنتك. فبأيكما نبدأ؟ بكِ أم بابنتك؟ أعتقد أنك إذا كنت تشعرين فعلاً بأنك تعانين من كدر أو عسر في مزاجك، هذا يجب أن يعالج، وهنالك أدوية جيدة جدّاً لتحسين المزاج وإزالة القلق والتوتر، فإن استطعت أن تقابلي الطبيب ليصف لك علاجاً فلا بأس في ذلك أبداً. هذا مجرد اقتراح أقدمه لك، ولا أجبرك عليه، لكن مما استنبطه أنك أنت أيضاً في حاجة للمساعدة.

 

الضرب ليس مفيدا لحالة ابنتك، وعلى العكس تماماً فهو يرهب الطفلة في لحظته، ولكن يزيدها عناداً وتمرداً، كما أنه يضعف شخصيتها، وحين تتعود عليه لا يبني فيها إلا اليأس، وبدل أن يكون وسيلة تخويف، يصبح وسيلة تحطيم. فيا أيتها الكريمة لا تضربي ابنتك، وتذكري أنها نعمة عظيمة من نعم الله تعالى عليك حُرم منها الكثير من الناس، هذا هو الأمر المهم.

 عليكِ بالدعاء لابنتك، سلي الله تعالى أن يصلح أمرها، ونصيحتي لكِ أن تشعريها بالأمان، وليكن هناك مسافة بينك وبينها في لحظات الانفعالات، ولا تكثري من انتقادها،وحاولي أن تعطيها مهمات، أن تستشيريها، ابدئي معها بضروريات الحياة: أن ترتب خزانة ملابسها، أن تسرح شعرها، أن تهتم بسريرها.. بإخوتها،شاوريها في إعداد الطعام للأسرة، اجعليها تشارك في بعض الأمور الخاصة بوالدها، هذا هو الذي يعيد لها الثقة في نفسها.

 هذه التغيرات الإيجابية لا تأتي في يوم وليلة، تتطلب الصبر. مهما بدت الفتاةُ في هذا العمر عنيدةً أو عدوانيةً أو مجادِلة أو مستأسِدةً، فهي تُعاني من تغيُّرات الجسم الهرمونيَّة التي تُسبِّب لها الكثير مِن المشاعر المتناقِضة، مما يُسَبِّب لها الشعور بالضعف والتهميش، وانعدام الثقة بالنفس، يُؤَدِّي ذلك إلى هذا العناد الذي يكون كردِّ فعلٍ وقائيٍّ ضد تلك المشاعر المُحبِطة التي تبقى تُلحُّ عليها، وتُثير في نفسِها الكثيرَ مِن الشجون، بما لا يُمكنها التعبيرُ عنه.

 لهذا عليكِ أيتها الأم الكريمة أن تتفهَّمي حاجتها الفطريَّة والطبيعية للشعور بالذات، مع الاستمرار في إغداق الحنان والمحبَّة عليها، وإقامة علاقة متينة مِن الصداقة بينكما.

 أنصحكِ بالصبر الشديد عليها، وأؤكِّد أن الصمت يكون الحلّ الناجع للكثير من المشكلات القائمة بينكما في هذه المرحلة، فلا تُحاولي إقناعَ صغيرتكِ بالمنطق والعقل، لأنه لا يمكن لها أن تعترفَ به، وسببُ ذلك عدمُ اكتمال نمو الفصوص الجبهية من المخِّ، وهي مركز التحكُّم في اللغة والمنطق، مما يجعل المراهقَ يعتمد بشكلٍ أكبر على المشاعر، الأمر الذي يُفقده القدرةَ على التخاطُب العقلاني والتفاوض، فهي كغيرها ممن في عمرها أو أكبر قليلاً، تبني كلَّ مُعتقد على حسب ما تشعر به، وليس على ما تراه منطقيّاً وعقلانيّاً !

لهذا عليكِ -وعلى كلِّ أُمٍّ حريصةٍ على كسْبِ قلب ابنتها- ألا تُناقشيها فيما تعرضه مِن أفكارٍ بعيدة عن الواقع، أو أن تُطيلي الحديث معها على أملِ أن تقتنع!  كلُّ ذلك لن يحدث، ويكفيكِ حينها أن تضميها إلى صدركِ في حنانٍ قائلة: "إن إخوتكِ عقولهم صغيرةٌ، وعليَّ أنا وأنتِ أن نتحملَ ذلك منهم حتى يكبروا ويصيروا مثلنا"

 

هنا تضعينها بجانبكِ، وفي مكانتكِ نفسها تماماً، بما فيها مِن تحمُّل بعض المشاقِّ والمسؤولية، مما يُشعرها بأنها لم تعدْ تلك الطفلة الصغيرة، وإنما تحتفظ بالمكانة الأسمى والأعلى، مع إمدادها بالثقة اللازمة.

 تقرَّبي منها، واذكري لها بعض ذكرياتكِ وأنتِ في هذا العمر، وكيف كنتِ تشعرين، واستغلي الموقفَ في ممازحتها؛ مما يعينكِ على تقريب وجهات النظر بينكما.

 أشركيها في عملٍ يجمعكما دون غيركما، ولتشعر أن ذلك خاصٌّ بكِ وبها فقط، ولا يُسمح لسائر الصغار أن يشتركوا فيه، هذا العمل الجماعي الشائق يُثير في نفسِها الكثير مِن السعادة، ويشعرها بقربكِ، وصدْق محبتك.واحرصي على تغْذية الفتاة، وإمدادها بالعناصر الغذائية التي تحتاج إليها في هذا العمر، ففي البلوغ يتعرَّض جسدُ الفتاة لتغيُّرات هرمونيَّة تزيد مِن احتياجها للطعام بصورةٍ قد تستفز الوالدة، أو تُفسِّرها على وجهٍ غير صحيح، فتمنع الفتاة مما يحتاجه جسدها للنمو، والتأقلُم مع الوَضْع الجديد، فتردّ الفتاةُ بأفعال قاسيةٍ أو عنيدةٍ، أو غيرها، كنوعٍ مِن تعويض ذلك النقْص!  وينبغي التركيزُ على ما يحتاج إليه الجسمُ من فيتامينات، ومعادنَ أساسية.

 

امنحيها حُرية التصرُّف في بعض أمور البيت، وأعْلِني أنها المسؤولة عن ذلك أمام والدها وإخوتها، واطلبي منهم أن يستشيروها في بعض ما يحتاجون إليه تحت مُراقبتكِ وملاحظتكِ؛ فإن تعدَّتْ أو أساءت التصرفَ فاحذري من التوبيخ أو اللوم العلني ولو كان الحاضرون إخوتها الصغار، فالعتابُ لن يُفلحَ إلا أن يكونَ مقروناً بشرطين: (الخلوة واللين)

 فليكنْ أسلوبكِ في العتاب مبدوءاً بالثناء على عقلِها، وحمد الله أن وهبك ابنة مثلها وصديقة غالية، ثم تُتبعين ذلك بالنصيحة المرجوة، وتدعمينها بأن ذلك يزيد مِن خبرتها وبراعتها ونحو ذلك.