السبت 7 ذو الحجة 1439 هـ الموافق 18 أغسطس 2018 م
ماذا أفعل عند الخلاف مع مديري؟
الاثنين 17 ذو القعدة 1439 هـ الموافق 30 يوليو 2018 م
عدد الزيارات : 333

 

ماذا أفعل عند الخلاف مع مديري؟

 

كيف أخبر مديري أن قراره خاطئ؟

وهل يحق لي رفع خلافي معه إلى الإدارة العليا؟ وماذا لو أن الإدارة لم تأخذ بشكواي؟

 

أسئلة تطرح كثيراً في الوسط الإداري، قد يختلف الناس حول إجابتها، وسنسعى في هذا المقالة إلى وضع خلاصة تجيب عنها، لكن قبل ذلك، دعونا نتأمل معاً هذا الموقف الذي حدث بين اثنين من الصحابة رضوان الله عليهم ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو موقف من مواقف كثيرة في زمن النبوة أو الخلافة الراشدة تصلح للتأمل والتدارس لاستخراج ما فيها من إضاءات مهمة.

يقول عوف بن مالك الأشجعي: "خرجتُ معَ زيدِ بنِ حارثةَ في غزوةِ مؤتةَ فرافَقني مددٌ من أَهلِ اليمَنِ ليسَ معَهُ غيرُ سيفِهِ فنحرَ رجلٌ منَ المسلمينَ جزورًا فسألَهُ المدديُّ طائفةً من جلدِهِ فأعطاهُ إيَّاهُ فاتَّخذَهُ كَهيئةِ الدَّرَقِ [1]ومضَينا فلقينا جموعَ الرُّومِ وفيهِم رجلٌ على فرسٍ لَهُ أشقرَ عليْهِ سرجٌ مُذْهَبٌ وسلاحٌ مُذْهبٌ فجعلَ الرُّوميُّ يُغري بالمسلمينَ فقعدَ لَهُ المددِيُّ خلفَ صخرةٍ فمرَّ بِهِ الرُّوميُّ فعرقبَ فرسَهُ فخرَّ وعلاهُ فقتلَهُ وحازَ فرسَهُ وسلاحَهُ فلمَّا فتحَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ للمسلمينَ بعثَ إليْهِ خالدُ بنُ الوليدِ فأخذَ منَ السَّلَبَ[2]قالَ عوفٌ فأتيتُهُ فقلتُ يا خالدُ أما علمتَ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ قضى بالسَّلَبِ للقاتلِ قالَ بلى ولَكنِّي استَكثرتُه قلتُ لتردَّنَّهُ عليْهِ أو لأعرِّفنَّكَها عندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فأبى أن يردَّ عليْهِ قالَ عوفٌ فاجتمعنا عندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقصصتُ عليْهِ قصَّةَ المدديِّ وما فعلَ خالدٌ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يا خالدُ ما حملَكَ على ما صنعتَ قالَ يا رسولَ اللَّهِ لقدِ استَكثرتُه فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يا خالدُ رُدَّ عليْهِ ما أخذتَ منْه قالَ عوفٌ فقلتُ لَهُ دونَكَ يا خالدُ ألم أقُل لَكَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ وما ذلِكَ فأخبرتُهُ قالَ فغضِبَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ يا خالدُ لا تردَّ عليْهِ هل أنتم تارِكونَ لي أمرائي لَكم صفوَةُ أمرِهم وعليْهم كدَرُهُ"[3].

تدور هذه القصة بين القائد العام للدولة والجيوش (محمد صلى الله عليه وسلم) وقائد جيش غزوة مؤتة (خالد بن الوليد) [4] وعنصر من الجيش (عوف) رضوان الله عليهم جميعاً، وسنجزئ القصة ثلاثة أجزاء:

 

أولاً: حوار عوف وخالد:

لم يرَ عوف بن مالك بأساً من أن يكون صريحاً مع قائده في اعتراضه على قرار خالد بن الوليد رضي الله عنهما عندما رأى اجتهادا خاطئاً منه، حيث أخذ خالد السلب من المددي، ولم يجعلها عوف بن مالك حديثاً خفياً بينه وبين عدد من عناصر الجيش، بل وجه خطابه مباشرة إلى خالد واستفسر ابتداء عن سبب قرار خالد، ثم خالفه فيه وناقشه، وقال له "لتردَّنَّهُ عليْهِ أو لأعرِّفنَّكَها عندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ" فأبى أن يردها خالد، ولم يعترض خالد على انتقاد عوف ولم يره مخالفة أو خروجاً عليه رضي الله عنهما.

 ومما نستخلصه من هذا الجزء:

  • من حق الموظف أن يستفسر عن سبب قرار اتخذه مديره، وأن يبدي مخالفته له إذا بدا له عدم صوابه، ولا بأس إن رأى أن الموضوع مهم أو يضر بالعمل، ولم يصل إلى قناعة بوجهة نظر مديره، أن يخبر مديره بأنه يرى أن يرفع الموضوع لجهة أعلى تفصل بينهما.
  • لا ينبغي على الموظف إن رأى ما لا يوافق إدارته عليه أن يجعل الموضوع حديثاً – من تحت الطاولة – بينه وبين زملائه، خاصة بأسلوب التذمر وتجاوز النقد إلى الغيبة والنميمة، مما يوغر صدور فريق العمل على الإدارة ويسبب الشحناء بينهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة"[5]. قال المناوي: "إياكم وسوء ذات البين،أي: التسبب في المخاصمة والمشاجرة بين اثنين"، والنصح المباشر هو ما عليه سلف هذه الأمة في مناصحة أمرائهم وقادتهم.
  •  

ثانياً: شكوى عوف لخالد – رضي الله عنهما - عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"فاجتمعنا عندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقصصتُ عليْهِ قصَّةَ المدديِّ وما فعلَ خالدٌ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يا خالدُ ما حملَكَ على ما صنعتَ قالَ يا رسولَ اللَّهِ لقدِ استَكثرتُه فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يا خالدُ رُدَّ عليْهِ ما أخذتَ منْه".

اجتمع عوف وخالد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر عوف لرسول الله ما صدر عن خالد – أمام خالد – فاستفسر رسول الله عن سبب قرار خالد، ثم وقف مع رأي عوف وأمر خالد بأن يرد السلب لصاحبه.

نستخلص من هذا الجزء:

  • أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عوف عن تقديم شكواه على قائده، ولم يعتبرها خروجاً عن طاعة أميره، بل سمع منه.
  • أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقبل أن يحكم - سأل خالدا "يا خالد ما حملك على ما صنعت؟" وهذا خلق نبوي رفيع.[6]
  • حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخطأ اجتهاد خالد وأمره أن يرد السلب للرجل، ولم يرَ رسول الله بأساً في تخطئة قرار خالد رضي الله عنه، ولم يعترض خالد بشيء.

 

ثالثاً: تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع تصرف عوف مع خالد بعد الحكم

"قالَ عوفٌ فقلتُ لَهُ دونَكَ يا خالدُ ألم أقُل لَكَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ وما ذلِكَ فأخبرتُهُ قالَ فغضِبَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ يا خالدُ لا تردَّ عليْهِ هل أنتم تارِكونَ لي أمرائي لَكم صفوَةُ أمرِهم وعليْهم كدَرُهُ."

بعد أن حكم رسول الله ببطلان قرار خالد، سحب عوف – كما في بعض الروايات – ثوب خالد وقال له: "ألم أقل لك؟" فانتبه رسول الله وسألهم ماذا هناك؟ فأخبره عوف بفعله، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل عوف رضي الله عنه، حيث قد يفهم من فعله أنه انتصار لنفسه وتقليل من شأن خالد رضي الله عنه أمام الحاضرين.

 فها هنا مفسدتان، الأولى أن خالدا اتخذ قرارا خاطئا عندما أخذ السلب من الرجل، وترك الأمر على هذه الحال مفسدة، والمفسدة الثانية أن يمضي تصرف عوف بن مالك وما فيه مما قد يشعر الحاضرين بإضعاف هيبة خالد، فتختل طاعة الجند ومكانة خالد ودوره في قيادة جيش المسلمين، ولا شك بأنها مفسدة أكبر بكثير من الأولى، لذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلوب عوف بن مالك، بل وأمر خالد أن يبقى على اجتهاده الأول وألا يرد السلب، وختم صلى الله عليه وسلم بقاعدة مهمة: " لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره".

ونستخلص من الجزء الثالث من القصة:

  • قد ترى الإدارة العليا قراراً يراه بعض الموظفين خاطئاً، لكن دائرة نظر فرق العمل غالباً ما تكون أضيق من دائرة الإدارة العليا، لذلك قد يرى بعض الموظفين قرارات الإدارة خاطئة، كون التصور عندهم غير مكتمل، والمعطيات غائبة، وفي القصة هنا أقر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اجتهاد خالد "على خطئه" بعد ظهور مصلحة الحفاظ على هيبة الجيش وقائده.
  • من المهم الحفاظ على مكانة المدير والقائد، فمدير قوي متمكن مع بعض الأخطاء والسلبيات، خير من مدير ضعيف لا يُطاع ولا يقود.
  • قد يتخذ المدير قراراً فيه مفسدة مقبولة، لكنه رجح بينه وبينه قرار فيه مفسدة أكبر.
  • قاعدة مهمة خُتم فيها الحديث، "لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره"، أي أن فرق العمل، لها صفوة ونتائج القرارات الصحيحة من الإدارة، فهي نجاحات ستنسب للجميع، أما الأخطاء والاجتهادات الخاطئة فيتحملها المدير صاحب القرار.
  • في فرق العمل مدير الفريق هو صاحب القرار، لذلك من حقه أن يتخذ القرار الذي يراه صحيحاً، إلا في الحالات التي تنص فيها الأنظمة أو اللوائح على اتخاذ القرار بالتصويت، ولكن هذا يتعذر أن يكون لكل قرار وإلا تعطل العمل، وشعر المدير أنه مكبل تماما. فيما عدا ذلك تكون صلاحية اتخاذ القرار للمدير، ولفرق العمل أن تناقشه فيه وتعترض عليه، لكن تبقى مسؤولية اتخاذ القرار في نهاية المطاف على قائد الفريق، ويجب أن يتقبل الفريق ذلك بصدر رحب، ولا يؤدي تباين الاجتهادات إلى التأثير سلبا على العلاقة بينهم، أو على جودة العمل، فهذه دائرة صلاحية المدير وهو يتحمل قراره، وعلى الموظف أن يبذل كامل وسعه في إنجاح قرار المدير وإن لم يقتنع به.

 

 

---------------------------------------------------------


[1]فاتخذه كهيئة الدرع الذي يكون بدون خشب.

[2]السلب: ثياب القتيل - من الكفار – وسلاحه، ومركوبه وما عليه ومعه من مال والسلب يستحقه القاتل ولا يوزع كالغنائم.

[3]صحيح مسلم- الجهاد والسير/ (1753)، سنن أبي داود- الجهاد (2719)، والحديث صححه الألباني.

[4]تولى خالد بن الوليد قيادة جيش غزوة مؤتة بعد أن استشهد القادة الذين حددهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعركة، وهم على الترتيب: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة.

[5]أخرجه أحمد (6/444 رقم 27548)، وأبو داود (4/280 رقم 4919)، والترمذي (4/663 رقم 2509)، وابن حبان (11/489 رقم 5092)، وصححه الألباني.

[6]انظر مقال: (أخي .. ما حملك على ما صنعت؟) للدكتور معن عبد القادر كوسا https://islamicsham.org/article/814