السبت 7 ذو الحجة 1439 هـ الموافق 18 أغسطس 2018 م
الخوف عند الأطفال
الأربعاء 2 شعبان 1439 هـ الموافق 18 أبريل 2018 م
عدد الزيارات : 440

 

الخوف عند الأطفال
 

الخوف غريزة تشترك فيها جميع الكائنات الحية، وهو أحد المشاعر الإنسانية الطبيعية التي تظهر في أوقات الخطر وتحمي الإنسان منه.
ولا شك أن الخوف في درجاته المعقولة صفة طيبة يجب الاتصاف بها، فالخوف الطبيعي هو المبني على وعي الإنسان وحرصه على سلامته، لذلك فإن الأطفال ناقصي الذكاء هم الذين لا يخافون. ويعتبر الخوف مَرَضيًّا عندما يكون مُبالغًا فيه ومُتجاوزًا الحدود الطبيعية.
والخوف عند الأطفال أمر شائع ومألوف، وقلق الوالدين بسبب هذا الخوف أمر يكاد أن يكون عامًا، وهذا الخوف يبلغ ذروته عند الطفل في أوقات التعلم السريع حول نفسه وحول بيئته، فالمتطلبات التي تفرض على الطفل من جراء إدراكه لنواح جديدة من العالم الذي يعيش فيه توجد نوعًا من الخلل في التوازن يجعل الطفل مؤقتًا مفرطًا في الحساسية تجاه الأحداث والأشياء التي تمر في حياته، وهذه الزيادة في الحساسية تجد تعبيرًا لها في الخوف. فالخوف إذاً يساعد في التعرف إلى القلق الطبيعي الذي يحدث عند الإنسان عند حدوث تبدل في أفكاره أو وعيه، فالطفل الذي يشعر بالخوف يمكن أن يعبر عنه بطلب المساعدة ممن حوله لاكتشاف حدود الموقف الجديد، وكذلك حدود مقدرته على معالجة ذلك الموقف، فالمخاوف إذًا هي صرخة طبيعية لطلب العون، فهي حالة يقصد بها أن توجد عند الوالدين تجاوبًا مريحًا.
ولكي يتجاوب الوالدان مع هذه الصرخة ويساعدا طفلهما على استرجاع حالته المعتادة يتوجب عليهما أن يواجها الخوف عند الطفل مواجهة مباشرة بحيث يزوَّد بمزيد من المعلومات عن الشيء الذي خاف منه، وتعريفه بأن خوفه من الكلب أو القطة هو شعور طبيعي، وأن يعلم أن الطريقة التي يعبر بها عن الخوف شيء طبيعي، وفوق هذا فالطفل بحاجة إلى التدريب على الوسيلة اللازمة لمواجهة مخاوفه.
والخطورة في الأمر أن يسرف الوالدان في التجاوب مع مخاوف الطفل ظنًّا منهما أن الخوف ناجم عن اضطرابات نفسية، فيحمِّلا مخاوف الطفل جدية زائدة عن الحدّ، وهما بهذه الحالة يساعدان على تقوية الشعور بالخوف، خاصة عندما يعملان على إرضاء الطفل والتسرية عنه، فمثل هذا التصرف يزيد الأمور سوءًا، في الوقت الذي كان فيه الطفل بأمسّ الحاجة لثقة والديه ومساعدتهما، وتقديم الأمان والطمأنينة له وفق الحدود المألوفة. ولابد أن يكون حل المشكلة من اختصاص الطفل الذي ينبغي أن يسعى هو لحل مشكلته بدعم وتشجيع من والديه.
إن أول نوع من مخاوف الطفل قد يكون تحسسًا زائدًا ضد الغرباء، وهذا الخوف يتجلى خلال السنة الأولى من عمر الطفل، وذرا حالات الخوف من الغرباء هي الأدلة الأولى على تزايد قدرة الطفل على التمييز بين الأشخاص المهمين في حياته، وهي قدرة تظهر في سن مبكرة ليدرك وجود أمه أو أبيه، وقد ينصرف عن سواهما من الأغراب ويتشبث بأحضان أمه ويخفي وجهه بين طيات ثيابها، مما يدلّ على قدرته على مواجهة المواقف الجديدة، غير أن انتزاعه من بين ذراعي أمه أو الدنو منه بصورة مفاجئة يفقدانه الطمأنينة والثقة.
وعندما يبلغ الطفل عامًا واحدًا من عمره ويصبح قادرًا على الانتصاب وعلى التهيؤ للمشي والانتقال من مكان لآخر، فإن الآلية الجديدة في جسمه توجد نوعًا جديدًا من الاضطراب والتحسس للمواقف الجديدة، فهو يكره أن يساعده أحد من الكبار على المشي سوى والديه، ولا يسمح بأن يغيب أبوه أو أمه عن ناظريه.
ويبلغ الاضطراب ذروته عندما يبلغ الطفل الثانية أو الثانية والنصف من العمر، حيث يصبح الطفل بغتة أكثر إدراكًا للضجيج العالي ويخاف من الأصوات المرتفعة...
وبشكل عام عندما تبدأ المخاوف في الظهور يكون لزامًا على الوالدين أن يقوّما الأوضاع، وأن يتجاوبا معها التجاوب الصحيح، وبث الطمأنينة في نفس الطفل إزاء المخاوف التي يشعر بها، فإن ذلك يؤدي إلى تقوية شعور الطفل بأهمية ذاته، ويساعده على تجاوز تلك المخاوف والتحكم فيها.
وفيما يلي عرض لأهم الأسباب التي تثير مخاوف الأطفال وكيفية الوقاية منها:
- غياب الأم المتكرر، وتركها لطفلها فترات طويلة نتيجة لمرضها أو لعملها خارج المنزل، وهذا يفقد الطفل الشعور بالأمان.
- خبرة الطفل المؤلمة، كتعرضه لحادث غرق أو حريق أو حادث سيارة، فالطفل يضطرب في هذه الحالات، ولهذا يتوجب على الأهل عدم تركه ينسى الحادث، لأنه سيكبته في اللاشعور ويبقى أثره كمصدر للاضطرابات النفسية، ولهذا يجب التفاهم مع الطفل وتوضيح الغريب له على قدر استيعابه حتى يقلل من التوتر الناتج عن الخوف، وتشجيع الطفل على التحدث عن خبراته المؤلمة، فهذا يجعله يشعر بأنها أمر هيّن وفي نفس الوقت تساعده على عدم كبت هذه المخاوف.
- ومن أعظم ما يؤثر في نفوس الأطفال، ويجلب إليها المخاوف المتنوعة خوف الآباء أنفسهم، فحالات الخوف كغيرها من الحالات الانفعالية التي تنتقل من فرد لآخر بالإيحاء، فإذا كانت الأم تخاف من الفأرة والوزغ والصرصور، والأب الذي يخاف من الدواء وغير ذلك، فلا عجب إذا خاف الطفل من ذلك. والحل الصحيح لهذه القضية هو أن يزيل الأبوان من أنفسهما هذه المخاوف المتوهمة ولو أمام الأطفال على الأقل، حتى لا يتكون نفس الشعور لدى أطفالهم.
- قلق الوالدين الزائد على الطفل، فالطفل بهذه البيئة ينمو وهو سريع التأثر شديد الحساسية لأقل ألم يصيبه، فإذا أصابه جرح صغير جزع وخاف وتألم بشدة. لذلك يجب على الآباء أن يدربوا أنفسهم على عدم القلق الزائد ويحذروا من المبالغة، ويضبطوا انفعالاتهم ويقللوا من جزعهم ومن كل ما يركز انتباه الطفل على ما أصابه، وفي نفس الوقت عليهم أن يقوموا بعمل إيجابي هادئ لتخفيف الإصابة وعلاجها.
- المشاجرات بين الوالدين، ولهذا الأمر تأثير سيّئ، إذ إنه يزعزع ثقة الطفل بوالديه ويفقده الإحساس بالأمان في المنزل، ويجعله يخاف من أقل خطر. لهذا يجب على الآباء أن يتذكروا أن عالم الأطفال عالم رقيق الحس والشعور، سريع التأثر، شديد الانفعال، قليل الخبرة، ضئيل الحيلة، لهذا يجب أن ينشأ في بيئة يشعر فيها بالأمن والتفاهم والتقبل من المحيطين به، حتى يتكون لديه شعور الثقة في نفسه.
- الخوف من الظلام، وذلك لارتباط الظلام في ذهن الطفل بالأشباح والعفاريت وغير ذلك مما تثيره بعض الأمهات الجاهلات، حيث يزرعن حالة الخوف والانكماش والانطوائية في نفوس أطفالهن، فالأم التي تخوّف طفلها بالشياطين والأشباح وغيرها من الحكايات والخرافات التي ورثتها عن أمها إنما تزرع في نفس الطفل روح الانهزامية والهروب وعدم مواجهة الشدائد، فالطفل له خيال قوي وخبرة ضئيلة، والظلام نفسه يساعد على ظهور هذه الخيالات. ولعلاج الخوف من الظلام يمكن جعل الطفل ينام في غرفة فيها ضوء، ثم يقلل الضوء ليلة بعد أخرى، ولا مانع من الاحتفاظ بمصباح صغير مضاء طوال الليل خارج غرفة الطفل، كما يجب التفاهم معه بالمناقشة والدليل المحسوس أن الظلام لا يدعو لكل هذا الخوف، إلى جانب التأكيد على عدم سرد القصص المزعجة للطفل قبل النوم.
وختامًا، إذا لم يستطع الوالدان مساعدة الطفل على التغلب على قلقه ومخاوفه يصبح من الضروري مراجعة الطبيب النفسي.