السبت 7 ذو الحجة 1439 هـ الموافق 18 أغسطس 2018 م
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
الثلاثاء 1 شعبان 1439 هـ الموافق 17 أبريل 2018 م
عدد الزيارات : 279

 

إن أكرمكم عند الله أتقاكم


هيمنت العصبية على الحياة الاجتماعية في العصور القديمة، فكرست الظلم والبغضاء، والكبر والحسد، وبثّت روح العنصرية المنتنة داخل الطبقات المتصارعة، واتخذت أشكالًا عدوانية، فتسببت بحروب كثيرة وكوارث عظيمة، حتى أصبحت المعيارَ الذي يفرز الناسَ ويصنفهم، والأساسَ الذي يقوم عليه التباهي والتفاخر، وأغمضت عين الإنسان وطمست على قلبه، وأصبحت ثقافةً قطيعيّةً مترسخةً تتحكم بالأقوال والأفعال والمشاعر، لا يتحرك المنتمي إليها إلا من أجل القبيلة والعشيرة والعرق، ولا يهمه إن كان ذلك في سبيل حقّ أو باطل، وفي ذلك قال الشاعر الجاهلي دريد بن الصمّة (ت8 هـ):

 

وما أنا إلا من غزيّةَ إنْ غوتْ             غويتُ وإنْ ترشدْ غزيّةُ أرشدِ


وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم خطورة هذا الداء على الفرد والمجتمع، وعلم أن النظم القبلية والعرقية التي تقوم على مبدأ العنصرية تتناقض مع نظام الدولة الإسلامية، وأنه لا يمكن تشييد دولة معززة الجانب متينة البنيان في ظل الجاهلية ورواسبها، فوضع للمسلمين قواعد بناء الأمة المتماسكة القادرة على النمو والتطور، وقواعدَ بناء الحضارة المتسامحة والمدنية المتحضرة، فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس منَّا مَن دعا إلى عصبيةٍ، وليس منَّا مَن قاتلَ على عصبيةٍ، وليس منَّا مَن ماتَ على عصبيةٍ" (رواه أبو داود في سننه) ، وعدَّ التفاخرَ بالنسب والعرق من أمور الجاهلية المنتنة حين قال لأبي ذر الذي عيّر رجلا بأمه الأعجمية : "إنك امرؤ فيك جاهلية".
فكانت رسالة الإسلام نظامًا جديدًا يعيد إلى المجتمع الإنساني توازنه ويرفع الظلم والجور عن الخلق، فضرب على يد الظالم وأخذ بيد المظلوم، واستبدل أخوة الإسلام بالروابط القبلية والعرقية، وجعل الناسَ سواسيةً كأسنان المشط، لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ ولا أبيضَ على أسودَ، فالناس كلُّهم عيال الله، وإنما معيار التفاضل هو التقوى، قال جلَّ وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13 الحجرات)
من أجل ذلك كان الخطاب الإسلامي خطاب أمة، تعزز الروابط العقائدية، وتتسع أفقيًّا لتشمل الأعراق والأجناس على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم وقومياتهم، وتتسع عموديًا لتواكب جميع العصور وتطور الحضارات على مرّ التاريخ، قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (92 الأنبياء).
لقد قدمت الحضارة الإسلامية عبر عصورها المختلفة نماذج عملية لأُخوّة الإسلام ووحدة الانتماء، وجمعت عظماء من مختلف الأعراق والأجناس، تحت راية واحدة من أجل رسالة عالمية واحدة عاشوا عليها وقضوا من أجلها، فحريٌ بنا اليوم أن تستذكر ونتمثل سير أبي بكر العربي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي وطارق بن زياد البربري ويوسف بن تاشفين الأمازيغي وصلاح الدين الكردي ومحمد الفاتح التركي، وغيرهم.