الأحد 8 ذو الحجة 1439 هـ الموافق 19 أغسطس 2018 م
آليات الاستفادة من جنيف لتصحيح المسار التفاوضي
الخميس 24 ربيع الآخر 1439 هـ الموافق 11 يناير 2018 م
عدد الزيارات : 642

 

آليات الاستفادة من جنيف

لتصحيح المسار التفاوضي 


أعلن المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا (26 أكتوبر 2017) أن مباحثات جنيف 8 ستركز على نقطتين أساسيتين هما: التحضير للدستور الجديد، وإجراءات عقد انتخابات تحت إشراف ورعاية الأمم المتحدة.
وكانت الأجندة التي تبنتها الوساطة الأممية قد فرضت تحولاُ عن المسار الذي نصّ عليه بيان جنيف 1 عبر تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية، تتولى إصدار إعلان دستوري يدشّن لمرحلة انتقالية يتمّ من خلالها صياغة دستور جديد.
تعمد هذه الورقة إلى تقدير الموقف الناتج عن تحول العملية التفاوضية من مسارها السابق الذي ارتكز على إنشاء هيئة حكم انتقالي تصدر إعلانا دستوريا مدمجا في اتفاق تسوية شامل وفق بيان جنيف 1 وقرار مجلس الأمن 2254/2015 حيث تمثل انحراف الوساطة الأممية في تبني أجندة تتماهى مع الموقف الروسي الدافع باتجاه حصر العملية السياسية.
وتكمن خطورة هذا التحول في أن جميع سيناريوهات تطبيق المقاربة الأممية الجديدة تصب لزاماً في تنفيذ هذه المهمة تحت مظلة النظام الذي سيستعيض عن "هيئة الحكم الانتقالي" بتشكل حكومة وحدة وطنية تضم عناصر منتقاة من المعارضة، وسيمكنه ذلك من الإشراف على عملية صياغة الدستور وعلى تنظيم الانتخابات البلدية والنيابية ومن ثم الرئاسية في غضون أربع سنوات.
سيناريوهات " الإصلاح الدستوري" المطروحة على مائدة المفاوضات:
وضع مكتب المبعوث الأممي الخاص لسوريا خمس مقاربات لجسر الهوة بين دستور النظام 2012، وبين مقتضيات الانتقال السياسي، وذلك خلال المحادثات الفنية التي عُقدت بجنيف في شهر يونيو 2017، وهي:
1- الإبقاء على دستور2012 حتى صياغة دستور بديل، وهو غير شرعي وغير قانوني، إذ إن عملية صياغته واعتماده لم تتم بطريقة صحيحة عام 2012، وقد استغلها بشار الأسد لتعزيز الصلاحيات الواسعة دون ضوابط على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، من ذلك إعطاؤه حق حلّ مجلس الشعب، وإعلان حالة الطوارئ، وحقّ ترؤس المجلس الأعلى للقضاء وتعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا.
علماً بأن دستور 2012 يفتقد بنوداً أساسية حول حماية الحقوق والحريات السياسية للشعب السوري، ويتعارض مع بيان جنيف 1 وقرار مجلس الأمن 2254/2015.
2- تعديل دستور 2012، وتكمن خطورة هذا الخيار في إلزام المعارضة بإقرار شرعية دستور 2012، بالإضافة إلى تعارضه مع بيان جنيف 1 وقرار مجلس الأمن 2254/2015، اللذين يشترطان إجراء التعديلات من خلال إعلان دستوري مؤقت ضمن عملية انتقال سياسي تنص على إنشاء هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية.
3- صياغة دستور جديد، وينطوي هذا الخيار على خطر كبير إذا جرت عملية الصياغة دون تحديد فترة إنجاز محددة، إذ إنه سيتيح للنظام فرصة إطالة وقت المفاوضات ويمنحه الصلاحيات الكافية لعرقلة سبل التوافق عليه، بهدف الإبقاء على دستور 2012 نافذاً لفترة قد تمتد لسنوات.
4- الإبقاء على دستور2012 مع إصدار إعلان دستوري، يضع استدراكات على دستور النظام، بحيث يلغي النصوص المُشلكة، بالتزامن مع العمل بدستور 2012، الأمر الذي من شأنه إضفاء الشرعية عليه، خاصة أنه سيبقى سارياً في المسائل التي لا يتناولها الإعلان الدستوري.
5- تعليق دستور 2012 واستبداله بإعلان دستوري جديد، وهي الصيغة الأكثر فاعلية للحدّ من تدخل النظام في عملية الإصلاح الدستوري، ولكي يتحقق ذلك لا بد من إجراء العملية تحت إشراف هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، لكن ذلك سيتطلب موافقة أطراف النزاع، وهو أمر غير متوقع من قبل النظام. إلا أن هذا السيناريو أصبح بحكم الماضي في دهاليز " الواقعية" التي يدعو المبعوث الأممي المعارضة للتحلي بها.
آليات الاستفادة من جنيف 8 لتصحيح المسار التفاوضي:
إن العملية السياسية في حد ذاتها تمثل شكلا آخر من أشكال النزاع، إذ يمكن اعتبار المفاوضات ساحة مواجهة بين قوتين وينطبق عليها ما ينطبق على استراتيجيات وتكتيكات العمليات الدائرة على الأرض.
ولذلك فإن الجهد الأكبر لمفاوضي جنيف يجب أن ينصب في إطاره القانوني على منع جميع التدخل الخارجي في صياغة الوثائق المتعلقة بمستقبل سوريا، والتأكيد على أن السوريين هم من يقررون هوية الدولة ونظام الحكم المستقبلي.
كما يتعين الوقوف بحزم أمام المحاولات التي تبذلها بعض القوى الانعزالية في الداخل السوري للتأثير على الهوية السورية الجامعة، بل يتعين اتخاذ القرارات الخاصة بمصير السوريين ومستقبل كيانهم السياسي وفق إجماع شعبي.
ولذلك فإن محاولة تحقيق إنجاز يذكر في جنيف 8 ستتطلب من الفريق المفاوض إدراك أن الهدف الفعلي من المباحثات هو استخدامها كحلقة من حلقات الصراع، بحيث تكسب الثورة مزيداً من نقاط القوة وتفقد النظام في الوقت نفسه أية مكاسب يمكن أن يحققها على الأرض.
ونظرا لأن الفريق المفاوض قد ركن إلى استبدال "التسوية السياسية" بمفهوم "الإصلاح الدستوري" فإن الوسيلة الأنجع للخروج من هذا المأزق هو الدفع بنصوص محكمة الإعداد لتثبيت مبادئ الثورة، والإصرار على منع التدخل الخارجي في عملية الصياغة، وعلى عدم شرعية التدخل الخارجي في تحديد هوية البلاد أو صياغة دستورها.
كما يتعين أن تطالب قوى الثورة والمعارضة بالتنفيذ الأمين لمقتضيات بيان جنيف1 والقرارات الأممية ذات الصلة، والتي تنص على إنشاء هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات للإشراف على العملية الانتقالية، وأن تبادر إلى اتخاذ إجراءات أحادية الجانب لتثبيت شرعية النص الوطني في الداخل السوري.
ولذلك فإنه يجب أن يرتكز الوفد المفاوض على تسجيل نقاط محورية تثبت مبادئ الثورة وتعززها في جنيف8 مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه المناورة هي محض إجراء مؤقت يهدف إلى الخروج من المأزق الذي وقعت فيه المعارضة جراء قصر الوساطة الأممية على عمليات الإصلاح الدستوري، ومن الضروري أن يتم وضع إستراتيجية للعودة بالعملية التفاوضية إلى مسارها فيما بعد.
وريثما يتم تحقيق ذلك فإنه لابد من صياغة بنود في النظام الانتخابي بمباحثات جنيف 8 تعالج أربع نقاط أساسية، هي:
1- تحديد من يحق لهم الترشح في الانتخابات الرئاسية، وذلك من خلال استحداث نصّ يمنع الترشح لمنصب الرئيس كل من ارتكب جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة، أو من تورط في ارتكاب جرائم بحق الشعب السوري، وإلحاق هذا البند بقائمة تحدد من يجب شطب أسمائهم من السجل الانتخابي وعدم إدراجهم في مثل هذه السجلات بحيث لا يكون لهم الحق في الترشح أو الانتخاب، وعلى رأسهم بشار الأسد وقادته الأمنيون والعسكريون الذين ثبت في حقهم ارتكاب جرائم ضد السوريين.
2- التجريد المدني، بحيث يتم التأكيد على فقدان بشار وزمرته صلاحية التصويت واختيار من يمثله بطريقة ديمقراطية، أو أن يكون منتخباً، وأن يمارس حقّه في الترشح في الانتخابات وتمثيل الأمة أو فئة منها، وفقدان المناصب العليا أو المجالس المنتخبة، ومنعهم من الاستمرار في تمثيل الأمة أو فئة منها، وفقدان المناصب التي يتولونها، واللزوم بالمنع من الترشح أو بطلان الانتخاب، وذلك نتيجة لإدانتهم في ارتكاب جرائم جنائية تستوجب العقوبة، بما في ذلك القتل العمد، وخيانة الأمانة، واستغلال النفوذ، والتهديد وانتهاك الأعراض.
3- سقوط الشرعية، على ضوء الترتيبات المنقوصة التي تمّ بها إقرار دستور 2012، والانتخابات الشكلية التي تمّ عقدها عام 2014، يتعين تبني مناورة تفاوضية تدفع بإسقاط شرعية رئيس النظام باعتبار انقطاعه عن مزاولة مهامه بحكم القانون وذلك نظراً لفقدان الشرعية أو السيادة أو العمل بموجب دستور غير شرعي، بحيث يتم إقالته حكماً، وتجريده من مناصبه، وتوجيه الاتهام له بارتكاب جنايات بحقّ الشعب، ومن ذلك تورطه في ارتكاب جرائم القتل والتعذيب وهدر المال العام، والإخلال بالسير العادي لمصالح الأمة. وذلك بناءً على ما يطلق عليه في القانون الدستوري (المسؤولية المضاعفة) والتي تشمل:
أ‌- "مسؤوليه قانونية" تتمثل في تطبيق مقتضيات النصوص الدستورية والقوانين باعتبار أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وأن تطبيقه يعدّ أحد سبل إقرار دولة الحق والقانون والمؤسسات.
ب‌-  "مسؤولية سياسية" تتمثل في صيانة الأموال والأعراض والحقوق والحريات الأساسية وحماية المال العام من العبث والهدر.
4 – الحرمان من حقّ الترشح والتصويت، بحيث يتم تأكيد البنود المنصوص عليها في المادة 5 و 30 من قانون الانتخاب المعمول به حالياً في سوريا، والذي ينص على حرمان المتهمين بقضايا القتل العمد وارتكاب المجازر وانتهاك الحقوق الأساسية بحق السوريين، وارتكاب جنح وجنايات مخلة بالشرف والأمانة من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية أو أي منصب سيادي، وعلى الرغم من أن مثل هذه الإجراءات التي لا تتخذ إلا في من ثبتت إدانتهم، إلا أن هنالك نماذج من القوانين الانتخابية المعمول بها في بعض الدول والتي تشمل كذلك من وجهت إليهم تهم جنائية حتى وإن لم تصدر في حقهم أحكام نهائية، بحيث يتم استغلال هذه التطبيقات والدفع بها لتقييد حرية هذه الشخصيات وفق قائمة يتم إلحاقها بقانون الانتخاب وفق قرار سياسي يؤكد على تقييد حريتهم الانتخابية ومنعهم من الترشح لأي منصب عام ريثما  يتم البتّ بالتهم الموجهة إليهم، وإصدار الأحكام اللازمة بشأنهم، واعتبارهم في حكم المحبوسين احتياطياً
إلا أنه لابد من الإقرار بأن الإدارة الناجحة للعملية الدبلوماسية تتطلب توفر قدر من الأهلية والكفاءة لدى مفاوضي المعارضة على خوض اللعبة السياسية، ولا يتوقع أن يكتب للعملية التفاوضية تحقيق أي تقدم يُذكر إذا كان أعضاء الفريق المفاوض يميلون إلى التماهي مع المبادرة الأممية والمقاربة الروسية اللتين تدفعهما لعملية إصلاح دستوري تتضمن شرعنة دستور النظام والعمل تحت مظلته.