الثلاثاء 4 ذو القعدة 1439 هـ الموافق 17 يوليو 2018 م
الابتلاء من محركات العمل
السبت 19 ربيع الآخر 1439 هـ الموافق 6 يناير 2018 م
عدد الزيارات : 407

 

الابتلاء من محركات العمل


وضع الله سبحانه وتعالى سننًا في هذه الحياة لا تتبدّل ولا تتغيّر، منها أنّ المؤمن معرض للتمحيص والابتلاء على مستوى الفرد والجماعة، وقد جعل الله في هذا الابتلاء حكمة بالغة، فبه تتمايز الصفوف وتنكشف الوجوه، وبه يُعرف المؤمن من المنافق، وصاحب المنهج الذي يبتغي وجه الله وخدمة دينه وأمته، من صاحب الهوى الذي يريد بناء مجده الشخصي ومستعمراته على حساب الآخرين، وبه يتميز المجاهدون الذين يُضحّون ويبذلون النفوس عن الملثّمين الذين امتطوا شعارات الجهاد لإفساده وجمع الفلوس، فالصفّ القويم لا يمكن أن يستمر في السير وهو في حالة الخلط بين الحق والباطل، بين الأسود والأبيض، ولا بدّ من أن ينكشف الستار في مسرح الحياة، ولا بدّ من أن تنكشف النوايا والمخططات.
ويكون هذا التمييز بالتفريق بين ما هو متشابه في الظاهر، متباين في الباطن والجوهر والحقيقة، فيقع الفرز بعد الملمّات والخطوب والنّوب، وتسقط الأقنعة عن الوجوه وتنكشف السوءات، وتتحرك المياه التي كانت راكدة، ليتبين الصافي من العكر، وقد قدّر الله سبحانه وتعالى ألا يكون الفرز والتمييز إلا بعد أن تقع الشدة وتبلغ القلوب الحناجر، لا يكون ذلك إلا بعد أن يتابع المؤمنون السير في الطريق الذي اختاروه لأنفسهم، فتزداد المحن كلّما تمسكوا بمنهجهم، واتجهوا بكليتهم إلى هدفهم، {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ}، وعلى قدر الحبّ والإخلاص يكون الابتلاء والاختبار.
وإنّ هذه المحن المتلاحقة من السنن الربانية في إظهار معادن النفوس، فكما أنّ الذهب لا يتميّز خالصه من الشوائب والمعادن الأخرى إلا بعد أن يتعرض إلى النار التي تحرقه، فالشدة والضغطان النفسي والجسدي عوامل تخرج مضمورات النفس البشرية ومكنوناتها، وتكشف عما يعتمل في بواطنها وأسرارها. وهذه الأحداث الساخنة التي تمر بها أمتنا تنفي الخبث عن صفوف المؤمنين الذين يرددون: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}.
إنّ غاية الابتلاء هي حثّ المؤمنين على العمل والصبر والمصابرة والجهاد، لا الجلوس وانتظار الكرامات والمعجزات، ولذلك فإنه درس عملي يربّي النفوس ويدفع إلى النشاط، وهو الاختبار الذي يدفع أهل الحق إلى التمسك بمنهجهم مهما اشتدّ الابتلاء وطالت سنين التمحيص، ويدفعهم إلى مواجهة الباطل بجميع الوسائل المتاحة مهما اشتدّت قوته وكثرت أنصاره، فهم على يقين بأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.