السبت 15 شعبان 1440 هـ الموافق 20 أبريل 2019 م
متاهات المفاوضات
الأحد 10 صفر 1437 هـ الموافق 22 نوفمبر 2015 م
عدد الزيارات : 1317

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد شرع الله -تعالى- الجهاد في سبيله لمقصدٍ عظيمٍ وهو أن يكون الدين لله، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193].
وقد جعل لهذا الجهاد أسبابًا عديدة، من أهمها: استنقاذ المستضعفين ودفع العدوان على الأنفس والأعراض والأموال، والدفع عن فتنة الناس في دينهم، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75].
وكثيرًا ما يعترض المسلم أثناء جهاده مفاوضات وطلب هدن ومصالحات، تارةً لحاجته لذلك، وتارة بطلبٍ من الأعداء، والمفاوضات نوعٌ من الجهاد، ما لم يأخذها المجاهد بحقها فإنها ستقوده لمزالق قد تقضي على جهاده وتفسده.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد جاهد في الله حق جهاده، ولما عجز المشركون الناس عن صرف الناس عن دعوة الإسلام جربوا أسلوباً آخر يجمع بين الترغيب والترهيب، بمفاوضته على مواقفه ومبادئه، وتفريغ دعوته من مضونها.
فقد فاوضته قريش على ترك الدعوة مقابل شيء من متاع الدنيا من مال أو زوجة أو مُلك، فصدع بالحق مبينًا دعوته ورسالته: {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَنَذِيراً..} [فصلت: 1-3].
ثم لما رأت صلابته واستمرار تعاظم قوة المسلمين فاوضته على حل وسط، يحفظ نظامها ومجتمعها من الانهيار بدمج جزء منه في مجتمع المسلمين، فقالت: "هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه".
فكان الرد قاطعًا برفض أنصاف الحلول، أو إنقاذ نظام الكفر من السقوط؛ إذ لا لقاء بين الحق والباطل، ولا اجتماع بين النور والظلام، ونزل قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} إلى آخر سورة الكافرون.
لكن حين ضعف المشركون، أو كان في هذه المفاوضات تحصيل نفعٍ كبيرٍ للمسلمين، نظر النبي صلى الله عليه وسلم لما فيها من مصالح ومفاسد ومآلات، ولم يتوقف عند بعض الأضرار التي تقع على المسلمين، أو المصالح التي يحصل عليها المشركون إذا كان في هذه المفاوضات نفع أكبر لصالح المسلمين.
فقد فاوض مشركي غطفان على أن يدفع لهم ثلث ثمار المدينة لتحييدهم عن المعركة مع قريش.
وفاوض قريش عام الحديبية على هدنة يتوقف فيها القتال، ويتاح للمسلمين فيها الدعوة للإسلام بين القبائل، ولم يتوقف عند بعض الألفاظ التي لا تؤثر في حقيقة الاتفاق، بل إنه قبل بما كان في ظاهره ضرر على المسلمين من إعادة من أسلم إلى المشركين، أو تأجيل بعض ما كان يرغب فيه المسلمون كدخول بيت الله الحرام وأداء العمرة، في مقابل الفوائد العظيمة للمسلمين، حتى إن الله –تعالى- وصف هذا الصلح بالفتح، فقال: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح: 1].
إن المفاوضات والاتفاقيات حين كانت مضرتها أعظم من ضررها، أو كانت تؤدي إلى إفسادٍ ولو بعد حين قابلها الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفض والمنع، لكنها حين كانت في صالح المسلمين، أو تؤدي إلى خير لاحقٍ قَبِل العمل والأخذ بها.
فما أحوج المجاهدين -والمسلمين عمومًا- لتعلم أحكام المعاهدات والمفاوضات، كما يتعلمون أحكام الجهاد والقتال؛ لئلا تزل بهم قدم الاتفاقيات والضغوطات، وألا يقدموا عليها إلا مجتمعين، وعن أحكام الشرع في هذه الأمور صادرين، وبالنظر للمآلات والعواقب ناظرين.
والحمد لله رب العالمين