الأحد 13 شوّال 1440 هـ الموافق 16 يونيو 2019 م
من الفصائلية إلى بناء الدولة
الاثنين 24 جمادى الآخر 1436 هـ الموافق 13 أبريل 2015 م
عدد الزيارات : 1133


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإنَّ الثورة في سوريا لما قامت لم يكن لها تنظيم معين، ولا قيادة موحدة، كغيرها من الثورات الشعبية العامة التي تنطلق بعفوية دون تخطيط أو تنظيم مسبق.

 


وقد كانت هذه العشوائية مصدر قوة للثورة في بدايتها السلمية، ثم في عملها المسلح؛ بحيث عجز النظام عن احتوائها، أو القضاء عليها، أو تحجيمها، عبر القضاء على قيادتها، فاستمرت وانتشرت في جميع المناطق، وبين جميع الفئات.

اهتمت الثورة في بداية أمرها بتأمين المشاركين فيها، وضرب النظام في مفاصل قوته العسكرية، والبشرية، فاستطاعت تدمير عدد من مطاراته ومراكزه العسكرية الهامة التي كانت منطلقًا لهجماته الإجرامية على المدنيين والآمنين، والتخلص من أهم قياداته المجرمة، وهي إنجازات ضخمة ولا شك، بالإضافة لتحرير مناطق شاسعة من البلاد.
وانهمكت الفصائل المسلحة فيما بعد بإدارة شؤون المناطق المحررة بجميع تفاصيلها اليومية، من الطعام، والدواء، والنظافة، إلى غير ذلك، وتشعبت أعمالها حتى دخلت في الجوانب الخدمية، والقضائية، والإدارية، مما شكل ضغطًا وأعباء إدارية ومالية ضخمة على الفصائل، إلى جانب قيامها بالعمل العسكري المرهق والمكلف.
كما أدى ذلك إلى اتجاه العمل الإداري للمناطق المحررة، والشؤون العامة إلى النزعة العسكرية، والتي تؤثر بطبيعتها على كافة المنظومة الفكرية، والثقافية، والإدارية، وتفقد مؤسسات المجتمع دورها وقوتها أمام سطوة القوة العسكرية.
بل أدى هذا –مع عوامل أخرى عديدة- إلى تعثر مشاريع الوحدة أو الاندماج بين تلك الفصائل؛ لتشعب الملفات التي ينبغي العمل عليها، ونزعة الشك والرغبة في القيادة، والتي تورثها العقلية العسكرية.
إن ظهور هذه الآثار السلبية في الثورة أدى إلى العديد من السلبيات والمشاكل في المناطق المحررة، على المستوى القيادي والإداري، وعلى المستوى الخدمي لعامة الناس، حتى بدى التذمر يظهر في أوساط العامة.
ومع مزيد من التقدم والتوسع في تحرير مناطق أخرى من سوريا، وتحقيق ضربات نوعية في جسم النظام المجرم، إلا أن الإشكالات السابقة لا تزال ماثلة أمام العيان.
وقد استفاد النظام المجرم وخوارج تنظيم (الدولة) من هذه السلبيات في محاولة زعزعة أمن المناطق المحررة، واختراقها بالعمليات الأمنية لاغتيال عدد من قادتها، وإظهار فشل هذه المكونات في إدارة المناطق المحررة، بل وقدرتها على الاستمرار في الثورة، فضلاً عن مصداقيتها في أنها جهات ثورية.
لعل المرحلة السابقة بإيجابياتها، وسلبياتها، ومراحلها كانت من طبيعة تلك المرحلة، بل كانت في بعض الأوقات عامل قوة، أصبحت هذه الحالة الآن عامل ضعف، وتفرقة، وخصام.
فإذا أردنا للثورة الانتصار والتقدم، وتبَنّي الناس لها، فلا بد من الانتقال بالثورة من حال الثورة والفصائلية إلى حال الدولة، وما يعنيه ذلك من:
1- التوجه إلى دمج الفصائل العسكرية، ووضعها تحت قيادة موحدة، يكون لها خطة عمل واضحة الملامح والخطوات.
2- توزيع الأعباء الإدارية على الجهات المتخصصة بها، كالخدمات، والإدارات المحلية، ونحو ذلك.
3- العمل على وضع رؤية سياسية للمرحلة القادمة، بما فيها جميع الاحتمالات.
4- السعي الجاد إلى استقطاب الخبرات والكفاءات الموجودة في المناطق المحررة، أو التي ما زالت تحت سلطة النظام.
وبذلك يمكن توفير بيئة أقرب إلى الدولة الطبيعية على الرغم من ظروف القصف والحصار، والانتقال بها من مرحلة الفصائلية إلى بداية مرحلة الاستقرار، وبناء الدولة، بمشيئة الله تعالى.