الخميس 14 ذو الحجة 1445 هـ الموافق 20 يونيو 2024 م
بين الهدم والبناء
الكاتب : سها فتال
الأحد 20 جمادى الآخر 1435 هـ الموافق 20 أبريل 2014 م
عدد الزيارات : 5817

 

دخل أحد العمال متجرًا لبيع الأدوات المستعملة، ليشتري معولاً يعينه في العمل.
وقف أمام رف فيه عدد من المعاول، ليختار أحدها، فسمع حوارًا بين معولين فأنصت إليهما.
قال أحدهما للآخر: ما اسمك؟ فأجاب الثاني: اسمي معول بناء، وماذا عنك؟ رد الأول: أنا معول هدم.
معول البناء: أعوذ بالله! ما هذا الاسم ؟ معول هدم! كيف اكتسبت هذا الاسم؟
معول الهدم: اكتسبته من الذين امتلكوني، فلم يحملني شخص إلا وعمل بي في الهدم.
معول البناء: لاحول ولا قوة إل بالله.
معول الهد : وماذا عنك كيف اكتسبت اسمك؟ ما رأيك أن نقطع الوقت في الحديث عن حياتنا وما مرَّ بنا من أشخاص حملونا، وكيف اكتسبنا هذه الأسماء؟
معول البناء : فكرة ممتازة،  لنبدأ على بركة الله هات ما عندك أسمعنا.
معول الهدم: امتلكني ذات مرة موظف بإحدى الشركات, كان في مركز صغير، حيث إنه في بداية حياته العملية, لكنه كان يطمح للوصول إلى أعلى المراتب في الشركة، والجلوس على أرفع الكراسي منصبًا.
حاول في البداية أن يعمل ويجتهد، لكنه وجد الأمر متعبًا, فأحب أن يصل دون تعب.
لجأ إلى وسائل أخرى علها تعينه على تحقيق هدفه بأقصى سرعة, فبدل أن يركز في عمله بدأ يتصيد أخطاء زملائه الموظفين، وكلما وقع أحدهم في خطأ قام بتضخيمه وتكبيره أمام رؤسائه ومديريه، بحجة أنه غيور على مصلحة الشركة, ثم أخذ يشهِّر بهؤلاء المساكين في كل قسم من أقسام الشركة, وبدأ يتملق مديريه ويمدحهم بما ليس فيهم، ويوزِّع خدماته المجانية عليهم, ولضعف نفوس البعض منهم أعجبهم ذلك فقربوه منهم, وردًا لخدماتهم أصبح ينال الترقيات منهم بلا حساب أو عدد, حتى وصل إلى المنصب الذي يحلم به, وشعر أنه قد بلغ غاية مناه, وبدا له الكرسي لامعًا براقًا، وظن أنه سيبقى فيه إلى نهاية المطاف, ولم يدر بخلده أن غيره سيصل إليه كما وصل هو.
 وفي طريق الوصول هذا كان قد هدم كل جسور الأخوة والمحبة بينه وبين زملائه, وبما أن دوام الحال من المحال، وكلٌّ يحصد ما زرع, فقد كان نتيجة جهله بعمله الذي لم يتقن أقل مفرداته ،ولعدم وجود جسور التعاون والإخاء بينه وبين زملائه، أن سقط صريعًا في فخ الغرور والجهل، فمسيرة العمل لا تحتمل وجود مثل هؤلاء الوصوليين, فكانت النتيجة أن خسر عمله وأصدقاءه .
معول البناء: حسبنا الله ونعم الوكيل, قصة محزنة بالفعل.
أما أنا يا صديقي، فسأحدثك عن شخص امتلكني, كان يعمل في إحدى المدارس معلمًا, التزم الأدب والخلق والنظام, كان يراعي مواعيد الدوام والوقت المخصص للحصص, يعطي طلابه كل ما يملك من علم ومعرفة, ولكن سنة الله تقضي أن ينبت حول كل زهرة جميلة أشواك مؤلمة, ظهر حوله أمثال صاحبك هذا ممن كان يحمل معول الهدم, فعندما برز صاحبي بخلقه والتزامه بعمله, عرَّى حالة من استخف بالعمل وقوانينه، وكشف من يتهرب من المسؤولية في عمله, فبدؤوا يكيدون له، ويهدمون حوله الجسور, ولكنه كان يمسك بي بثقة تفوق الحدود؛ لأنه كان يبني جسور الود والإخاء, كان يبني أعظم جسر في العالم, جسر الإخلاص لله, أوقف عمله لله، وجعله خالصًا لوجهه الكريم, لم ينتظر كلمة شكر ولا كتاب تقدير، ولا برقية ترقية, كان همه الأكبر بناء جيل يحمل راية الإسلام, ويدافع عن مقدساته، وينشر تعاليم الواحد القهار, فلم يُعر معاول الهدم أي اهتمام.
 كانت تلك المعاول تحاول هدم قواعد الجسر من حوله, ولكن هيهات أن تؤثر المعاول الحاقدة في جسر الإخلاص, لن يتأتَّى لها ذلك أبدًا. بقي الجسر منتصبًا، ومرت عليه الأجيال، وستمر عليه أجيال أخرى، ترفع راية الدين ومعها راية العلم.
سالت دمعة حزينة من عيني معول الهدم وقال لصاحبه: شتان بين مالكينا, كم أتمنى أن أصبح مثلك معول بناء يُبنى بي صرح الأمة من جديد، لا أن يهدم بي صرحًا بناه الأجداد بدمائهم وأرواحهم, ليت كل من يمتلكنا يبني بنا جسر الإخلاص ، فهو الجسر الذي لا ينهدم، ولا تفتُّ في عضده كل معاول الهدم.
وهنا أخذ صاحبنا العامل يفكر: أي المعولين سيختار؟ معول الهدم أم معول البناء؟
وقال لنفسه بعد هنيهة من التأمل: ترى , هل العلة في المعول؟ أم فيمن يحمل المعول؟