الثلاثاء 8 رمضان 1442 هـ الموافق 20 أبريل 2021 م
كيف يُردُّ رأسُ مالِ المضاربة مع تغيُّر قيمة العملة؟
رقم الفتوى : 198
الثلاثاء 3 شعبان 1442 هـ الموافق 16 مارس 2021 م
عدد الزيارات : 2201

كيف يُردُّ رأسُ مالِ المضاربة مع تغيُّر قيمة العملة؟

السؤال:

شخصٌ أعطى آخرَ مالًا ليشغّله له في التجارة مِن سنوات، والآن يريد إنهاء الشراكة واستعادة رأس المال.. وعند تصفية الموجودات كان المبلغ الموجود أقل من قيمة رأس المال المدفوع وذلك بسبب انخفاض العملة، فهل يلزم رد رأس المال بحسب قيمته قبل انهيار العملة أو يردُّه كما هو؟

الجواب:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. 

أما بعد:

فإذا تشارك اثنان في تجارة (المالُ مِن أحدهما ومِن الثاني العمل)، فهذا العقد يُسمَّى في الفقه: "المضاربة" أو "القِراض"، والشريكُ المضاربُ (العامل) لا يتحمَّل شيئًا من الخسارة إذا لم يقع منه تعدٍّ أو تفريط، ولا يتحمل شيئًا من الخسارة الناتجة عن انخفاض قيمة العملة، لكن في حال وجود أرباح يُجبر نقص رأس المال وانخفاض قيمته منها، وبيان ذلك:

أولًا: إذا تمَّ تصفية الشركة وكان الناتج المالي لا يساوي قيمة رأس المال المدفوع وقت بدء الشراكة، فليس لصاحب المال إلا القدر المتبقي من رأس المال، ولا يتحمل التاجر (الشريك المضارب) هذا النقص والخسارة، وذلك لأمور:

1- أنَّ رأسَ المال المدفوع للشركة باقٍ على مِلك صاحبه، وأيُّ نقصٍ فيه يتحمّله هو، والشريكُ الآخر إنما يتصرّف برأس المال لكونه وكيلًا عنه.

قال ابن مودود الموصلي في الاختيار لتعليل المختار: "فإذا سلَّم رأس المال إليه، فهو أمانة؛ لأنه قبضه بإذن المالك، فإذا تصرف فيه فهو وكيل؛ لأنه تصرف فيه بأمره".

وقال البهوتي في كشاف القناع: "وهي -أي المضاربة-: أمانةٌ ووكالةٌ؛ لأنه متصرفٌ لغيره بإذنه".

2- أنّ رأسَ المال الذي قبضه الشريك المضارب أمانةٌ في يده لا يضمنه إلا بالتعدي أو التفريط، فهو كالوديعة، والوديعةُ تُردُّ كما هي مهما تغيرت قيمتُها.

والنقصُ الحاصل في رأس المال بسبب تغيّر قيمة العملة ليس سببُه تقصيرَ الشريك أو تفريطَه في التجارة المأذون فيها، بل لعواملَ خارجةٍ عن إرادة الطرفين.

قال ابن الهمام في فتح القدير: "المدفوعُ إلى المضاربِ أمانةٌ في يدهِ؛ لأنّهُ قبضَه بأمرِ مالِكِه لا على وجهِ البدلِ والوثيقةِ".

وورد في مجلة الأحكام العدلية في المادة (1413): "المضاربُ أمينٌ، ورأسُ المال في يدِه في حكم الوديعة".

وذكرت المجلة في حكم الوديعة، المادة (777) أنها: "إذا هلكتْ أو فُقدتْ بدون صنع المستودَع وتعدّيه وتقصيره في الحفظ: لا يلزم الضمان".

3-تغيّر قيمة العملة إلى النقصان نوعٌ من الخسارة، واتفق العلماءُ على أنّ الخسارة في رأس مال المضاربة يتحمّلها صاحبُ المال دون الشريك المضارب.

قال الباجي في المنتقى: "مِن سنَّة القِراض أنَّ العامل يأخذ مالَ القِراض ويعمل فيه، ولا يكون عليه الضمان، وإنما هو مِن ضمان ربِّ المال، ولا خلاف في ذلك".

وقال ابن قدامة رحمه الله في المغني: "والوضيعة في المضاربة على المال خاصة، ليس على العامل منها شيء؛ لأنَّ الوضيعةَ عبارةٌ عن نقصان رأس المال، وهو مختصٌّ بمِلك ربِّه، لا شيءَ للعامل فيه، فيكون نقصُه مِن مالِه دون غيره".

4-يختلف رأس مال المضاربة عن القرض، بأن المقترض يمتلك المال ويردّ مِثلَه، فهو في ضمانه، فتنطبق عليه فتوى تغير قيمة العملة المشار إليها (هنا)، بينما رأسُ مال المضاربة ليس تمليكًا فلا تنطبق عليه الفتوى.

ثانيًا: إذا صُفِّيت الشركة مع ظهور الأرباح، فالواجب أولًا ردُّ رأس المال لصاحبه، وما زاد بعد ذلك يكون أرباحًا تُوزع بين الطرفين حسب نصيبهما من الربح.

وفي حال حدوث انخفاض كبير في قيمة العملة يجب تعويض رأس المال من هذه الأرباح قبل قسمتها، وذلك لأن:

1-انهيار العملة نوعٌ من الخسارة في رأس المال، والخسارة يتم جبرها من الأرباح.

2-أن جزءًا من هذه الأرباح نتج بسبب تغير قيمة العملة وانهيارها، فهي ليست حقيقية.

قال تقي الدين الحصني في كفاية الأخيار: "القاعدة المقررة في القِراض: أن الربح وقايةٌ لرأس المال".

وقال النووي في منهاج الطالبين: "والنقصُ الحاصلُ بالرُّخص: محسوبٌ من الربح ما أمكن، ومجبورٌ به".

وفي كشاف القناع: " "وإن تلف رأس المال، أو تلف بعضه بعد تصرفه، أو تعيب رأس المال، أو خسر رأس المال، أو نزل السعر: جُبرت الوضيعة من ربح باقيه قبل قسمته؛ لأنها مضاربة واحدة، فلا شيء للعامل إلا بعد كمال رأس المال"، انتهى بتصرف واختصار.

وقال ابن قدامة في المغني: "ومتى كان في المال خسران وربح: جُبرت الوضيعة من الربح...، ولا نعلم في هذا خلافًا".

وأخيرًا:

فالواجبُ عند انتهاء الشركة تقويمُ الممتلكات المادية والمعنوية، ثم ردُّ رأس المال المدفوع للشركة لصاحبه بحسب قيمة العملة وقت بدء الشراكة، وما زاد يكون أرباحًا تُوزع بين الطرفين حسب نصيبهما من الربح.

وننصح الشركاء بتقوى الله في رعاية حقوق بعضهم بعضًا، ونذكّرهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم (رَحِمَ اللّهُ رَجُلًا سَمحًا إذا باعَ، وإِذا اشْترَى، وإذا اقتَضى)، رواه البخاري.

والله تعالى أعلم.