السبت 17 ذو القعدة 1445 هـ الموافق 25 مايو 2024 م
السياسة الشرعية ( 3 ) حول الدولة الحديثة
الأربعاء 4 جمادى الأول 1438 هـ الموافق 1 فبراير 2017 م
عدد الزيارات : 20621

 

السياسة الشرعية ( 3 ) حول الدولة الحديثة
د. عمار العيسى - عضو المكتب العلمي بهيئة الشام الإسلامية 

 

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، مشاهدينا الكرام، هذا هو اللقاء الثالث من سلسلة حلقات صناعة الوعي التي خصصناها لمناقشة مفاهيم السياسة الشرعية مع الباحث في هذا الشأن فضيلة الدكتور عمار العيسى عضو المكتب العلمي بهيئة الشام الإسلامية والمدرس في كلية المسجد النبوي في المدينة المنورة.
تشريع الأحكام يعتبر حقًّا من حقوق الله عز وجل لا يحقُّ لأحدٍ أن ينازعه فيه، وقد جعله الله أساسًا للحكم، فهو نظامٌ ربانيٌّ شاملٌ ينظِّم حياة الناس وأمورهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، ولكن البعض فَهِمَ الحكم بما أنزل الله أنه تطبيق للحدود فقط، الأمر الذي ترتّب عليه حرف هذا المصطلح عن مساره.
حول هذا الموضوع سيدور حوارنا في هذه الحلقة مع فضيلة الشيخ عمار العيسى.

أ. تمام: حياكم الله.

د. عمار العيسى: أهلاً وسهلاً بكم.

أ. تمام: دكتور، بما أننا نناقش موضوع الحكم بما أنزل الله، لو بدأنا بتعريف هذا المصطلح الذي اختلط على البعض.

د. عمار العيسى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولم يكن له ولد، والصلاة والسلام على خير الأنام محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد..
إنَّ الحكم بما أنزل الله ركنٌ أصيلٌ من أركان الدولة الإسلامية، ولا تكون الدولة إسلاميةً إلا إذا كان أساسها شرعيًّا يحقِّق المقصود من تلك الدولة في حراسة الدين و سياسة الدنيا به،  ويُراد بالحكم بما أنزل الله أن تكون الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي المصدر والمنطلق لجميع تصرفات الإنسان، وأن تكون المرجع والموئل، وأن يكون التحاكم إليها في حال وقوع النزاع والخلاف، وهذا في طبيعة الحال يشمل جميع مناحي الحياة، لقوله سبحانه و تعالى :{وما اختلفتم من شيء فحكمه إلى الله فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول}
فالشريعة جاءت عقيدة وعبادة ومعاملة وغير ذلك من مناحي الحياة، فكل ذلك يجب أن يكون مرجعه والحكم فيه إلى شريعة ربِّ العالمين.

أ. تمام: إذًا، هو أعمُّ من قضية الحدود؟

د. عمار العيسى:  لا شكَّ أنَّ حصر الشريعة الإسلامية بالحدود هو إخراجٌ لها عن عمومها وشمولها الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أنَّ تطبيق الحدود ليس لازمًا في كل حال،  فقد يكون من الشريعة أحيانًا تعطيل بعض الحدود إذا ترتَّبَ على تطبيقها في بعض الأحوال مفسدة تفوق المصلحة الشرعية المعتبرة أو المرادة من تحقيق تلك الحدود أو تطبيقها، فيكون تطبيق الشريعة في تعطيل ذلك الحدّ في تلك الواقعة، وقد تُعَطَّلُ الحدود عند اختلال بعض الشروط والموانع التي تمنع من تطبيقها، فتطبيق الشريعة أعمّ من ذلك بكثير، وتطبيق الحدود جزءٌ من تطبيق الشريعة، بل في الشريعة الإسلامية ما هو أهمّ من الحدود، كتصحيح عقيدة الناس وعلاقتهم بربهم سبحانه وتعالى، وكذلك تصحيح عبادتهم لله سبحانه وتعالى.
ثمّة أمورٌ كثيرةٌ في الشريعة مُقَدَّمة على قضية الحدود، وإن كان للحدود أهميتها كذلك.

أ. تمام: فضيلة الشيخ، هناك الكثير من الأمور والمسائل المدنية التي تهتم بمصالح الناس وتسهيل أمور حياتهم، خصوصًا في هذا العصر الذي تعدَّدت فيه الدول.
هل تدخل هذه الأمور والمسائل المدنية في تسهيل أحوال الناس ضمن الحكم بما أنزل الله أو أنها تُعتبر خارج هذا الإطار؟

د. عمار العيسى: تعتبر داخل هذا الإطار، لأنه كما ذكرنا، ما أنزله الله سبحانه جاء شاملًا لكلّ شيء، ولا توجد حادثة ما عند الناس ليس لها حكم في الشريعة، كما قال سبحانه وتعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب تبيانًا لكلِّ شيء} فجاء هذا الكتاب مبيّنًا لكلِّ شيء.
و قال تعالى: {وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}
هذه الآية تجعل المسائل الواقعة بين الناس تقسم إلى قسمين: مسائل مُجْمَعٌ عليها، ومسائل مُخْتَلَفٌ فيها.
المسائل المجمع عليها: تندرج تحت دليل الإجماع وهو من الشريعة.
المسائل المختلف فيها: مردُّها إلى الشريعة، فعُلِمَ أنَّ كلّ ما يقع في الناس وكلَّ ما يمكن أن يقع فيه النزاع أو الاتفاق مردّه إلى الشريعة، لكن هذا لا يعني أنَّ كلَّ واقعةٍ لها حكم منصوص بعينه في النصوص الشرعية، لكن الشريعة بها حكم في هذا الشيء
قد تشمله بالنص الخاص.
قد يندرج تحت النص العام.
قد يتعدى الحكم إليها بالقياس من خلال معرفة المعنى المناسب لتشريع الحكم.
قد يندرج تحت القواعد الشرعية والمقاصد المرعية.

أ. تمام: طيب، فضيلة الشيخ في ظلِّ ظهور الكثير من الجماعات والأحزاب السياسية التي ترفع شعارات مختلفة في هذا العصر، ما رؤية الشرع لهذه الأحزاب والجماعات السياسية؟

د. عمار العيسى: هذه القضية كبيرة ومن المسائل المتعلقة بالسياسة الشرعية، وقد بحثها الباحثون كثيرًا، وتكلم عليها الفقهاء وأصدروا فيها فتاوى بذلك.  ومن ذلك قضية تعدّد الجماعات أو الأحزاب في الدولة الإسلامية، لأن هناك فرقًا كبيرًا بين وجود الأحزاب في دولة غير إسلامية أصلًا، قد يشارك فيها المسلم لرعاية مصلحة أو غير ذلك، وبين وجودها في دولة إسلامية.
لكن بما أننا نتحدث عن النظام السياسي الإسلامي وعن الدولة في الإسلام، فنتناول هذه المسألة في الدولة الإسلامية أو الدولة التي قامت على أساس شرعي، وهذه المسألة اختلف فيها الباحثون،  فمن الباحثين من منعها مطلقًا لاعتبارات ولأدلة كثيرة تناولوها واستدلوا بها على منع التعددية السياسية، ومن أهل العلم والباحثين مَنْ أجازها، لكن تحت سلطان الشريعة والضوابط الشرعية، ووُجد فريق من الباحثين أجازها مطلقًا، بمعنى أنه يجوز أن يكون في الدولة الإسلامية أحزاب تقوم على أساس معادٍ للإسلام كالأحزاب[ الماركسية _العلمانية_  اليهودية_ النصرانية ]

والحقيقة لابد من التفريق بين الخلاف بين الفريقين الأولين وبين الفريق الثالث، لذلك فإن عامة الباحثين وأهل العلم المتكلمين في مسائل السياسة الشرعية قد استنكروا هذا الأساس الثالث بكثير من الثوابت والأدلة الشرعية القطعية.

أ. تمام: حتى لو خضعت هذه الأحزاب لحكم وسلطان الدولة التي تحكم بالشريعة؟

د. عمار العيسى: هذا الكلام، لأن الدولة الإسلامية لابد من أن يكون أساسها الشرع، فكل من يسعى للحكم لا بد من أن يكون خاضعًا للشريعة الإسلامية، فمثل الأحزاب العلمانية أو الماركسية وغيرها لا يمكن أن تخضع لهذا الأمر، لذلك فإن السماح لمثل هذه الأحزاب بمزاولة نشاطها في الدولة معناه أن تضع برنامجًا سياسيًّا تسعى من خلاله لحكم المسلمين، وهذا يؤدي بأن يُناط بهؤلاء القيام بمصالح الدولة الإسلامية التي تهدف إلى حراسة الدين وسياسة الدنيا به، فكيف يكون حارسًا للدين مَنْ هو عدو له؟
هذا غير متصوَّر.

أ. تمام: هل أفهم من ذلك أنَّه لا بأس بوجود أحزاب إسلامية ليست علمانية ولا ماركسية؟

د. عمار العيسى: الذي ذكرته أولًا حول الخلاف بين الفريق الأول من الباحثين والفريق الثاني يتعلق بهذا، وهو أن جمعًا من الباحثين أجاز وجود التعددية السياسية لكن في ضوء أصول الإسلام والضوابط الشرعية، والخلاف قائم بين الفريقين، وقد يرجح أحد الباحثين أحد القولين، ولكن تبقى المسألة في دائرة الخلاف القابل للأخذ والرد.

تمام: ونحن نتحدث عن الدولة في المنظور الإسلامي نذكر أن هناك أحكامًا تم إغفالها، منها ما يتعلق بأهل الذمة المقيمين في ديار المسلمين.
في ظل غياب الدولة في سورية اليوم على سبيل المثال، هل يعامل أهل الذمة بنفس الأحكام أو أن تطبيقها منوط بقيام دولة إسلامية حقيقية، خصوصًا وأن كثيرًا من الجماعات التي ادعت قيام دولة إسلامية فرضت على هؤلاء الجزية أو القتال.

د. عمار العيسى: أهل الذمة يراد بهم أهل العهد وأهل الأمان، وهذا اللفظ الذي قد يتضايق أو يتحسس منه بعض الناس هو في الحقيقة ليس فيه شيء، ويراد به  الأمان والحفظ لهم وصيانة الحقوق، فأهل الذمة هم غير المسلمين الذين يقيمون إقامة دائمة في البلد الإسلامي، والأحكام التي جاءت وتتعلق بالشريعة لأهل الذمة متعددة، فمنها أحكام ثابتة دائمًا لا ترتبط بنفس الدولة، مثل رعاية الحقوق وحفظ دمائهم وأموالهم وأعراضهم ومزاولة نشاطهم، فسواء وجدت الدولة أم لم توجد هم معصومون ودماؤهم معصومة وحقوقهم محفوظة، لكن ثمة أمور أخرى سلطانية،  تتعلق بوجود السلطان وقيام الدولة، فهذه لابد من وجود الدولة الإسلامية الممكنة ووجود الحاكم الأعظم.

أ. تمام: مثل ماذا؟

د. عمار العيسى: مثل قضية الجزية والحكم بانتقاض الذمة وما يتعلق بذلك، فهذه كلها أحكام سلطانية، نصَّ أهل العلم على أنَّ الجزية وعقد الذمة إنما يقوم بها السلطان أو الإمام أو نائبه، ولا ينوب أفراد الرعية، لذلك فإن هذه الجماعات الجهادية لا يمكن أن تطالب هؤلاء: إمّا أن تسلموا أو تدفعوا الجزية. فليس من حقوقها المطالبة بهذه الأحكام.

أ. تمام: لأنه ليس لها دولة الآن؟

د. عمار العيسى: نعم هذه الجماعات الجهادية ليس لها دولة الآن.

أ. تمام: ذكرت في الحلقة السابقة أن من أركان الدولة أو الإقليم وجود الدار، ما المقصود بدار الإسلام؟
هل هي الدار التي يقيم بها المسلمون أو هي الدار التي تُحكم بالشريعة الإسلامية؟

د. عمار العيسى: دار الإسلام مصطلح تحدث عنه أهل العلم وبيّنه الفقهاء، ويعني الدار التي سكنها المسلمون وحكموها بحكمهم، فكما يقول (ابن القيم): "فمن لم يحكم في الإسلام فليس بدار الإسلام و إن جاورها، و إن كان غالبية أهلها مسلمين" وبالمقابل إن كانت الغلبة للمسلمين و معظم أهلها من غير ذلك فهي دار إسلام، فالنظر ليس لغالبية السكان وإنما للغلبة.

أ. تمام: لنظام الحكم؟

د. عمار العيسى: لظهور الأحكام، والنظر هنا ليس إلى تفصيل الأحكام، بل إلى الشرائع الظاهرة والأحكام الكلية، وليس في تفاصيل الأحكام، ويشترط في هذا أن يكون ظهور هذه الأحكام ليس بإذن من الكفار، وإنما بسلطة المسلمين وغلبتهم، إذًا فالاعتبار بالغلبة، غلبة المسلمين وظهورهم على هذه البلاد وظهور الأحكام الكلية، أمّا قضية الأحكام الجزئية فهذه تختلف من زمن إلى زمن آخر.

أ. تمام: عفوًا فضيلة الشيخ، لكن هذا يفتح الأبواب لبعض المتشددين الذين يعتبرون كل بلاد المسلمين اليوم ليست بدار إسلام، لأن الأنظمة التي تحكمها على حدِّ قولهم ليست أنظمة إسلامية.

د. عمار العيسى: أنا ذكرت هذا، تحرزت مما يذهب إليه هؤلاء بقولي الأحكام الكلية والشرائع الظاهرة، لأن هذه البلاد وإن حُكمت في بعض الجوانب بغير الشريعة، تجد المسلمين فيها يمارسون حياتهم ويقومون بالشعائر، وينادى بالأذان من غير إذن من الكفار، وكذلك يوجد التوحيد والعقيدة وأمور كثيرة، فالاعتبار بالأحكام الكلية لا بالأحكام التفصيلية، الحكم بالشريعة مهم بالدولة الإسلامية، لكن البلد الإسلامي أو دار الإسلام لا تتحول إلى دار كفر بزوال شيء من تطبيق الشريعة.

أ. تمام: طيب، إذا ما انتقلنا إلى محور هام أيضًا في السياسة الشرعية وهو ما يتعلق بالشورى والانتخابات والحريات.
ما المقصود بالشورى في الإسلام ومَنْ هم أهلها وهل تنحصر الشورى في أمور الدين فقط؟

د. عمار العيسى:  الشورى يُراد بها مداولة الآراء للوصول بها إلى الرأي الأصوب والأقرب إلى الحق، وهي أصل شرعي وقاعدة مهمة من قواعد النظام الإسلامي السياسي، أمر بها الله سبحانه و تعالى وأثنى على المؤمنين بها فقال:{وأمرهم شورى بينهم}، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم {وشاورهم في الأمر} الشورى أصل مهم، فلا بد للحاكم و مَنْ وَلِيَ ولايةً من أمور المسلمين أن يلجأ إلى مشاورة الناس لمعرفة الأصل، وقد قال الإمام البخاري في صحيحه: "كان الولاة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح لهم الكتاب والسنة لم يجاوزوا إلى غيره اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم" فالشورى في الإسلام لها غاية معينة ولها هدف وهو الوصول إلى الحق وإلى الأفضل والأصوب لتحقيق المصلحة، وهذا يقتضي بأن الذين يشاورون هم الذين يحققون هذا الهدف،  لذلك فإن للشورى أهلًا لابد من توافر الصفات فيهم لتحقيق هذا.

أ. تمام: كما أشرت هم أهل الحل والعقد.

د. عمار العيسى: هذه المؤسسات إنما وضعت لتحقيق الهدف، فتعتبر الصفات المؤدية والضامنة لتحقيق هذا الهدف للمنتمين إلى هذه المؤسسة.

أ. تمام: ماذا عن الشورى العامة؟ وأقصد بها الانتخابات. البعض يرى أن الانتخابات الشرعية لتولية حاكم أو لانتخاب مجلس النواب أو مجلس الشعب تُعتبر من الشورى، هل هي كذلك؟

د. عمار العيسى: قبل ذلك أريد أن أبين بعض الصفات التي لابد من توافرها في أهل الشورى، بما أنهم سيختارون الأفضل والأكمل فلابد من أن يكون عندهم خبرة في هذا الأمر الذي سيتشاورون فيه، لذلك فإن دوائر الشورى تختلف بحسب الاختصاص، ويجب أن يكون عندهم خبرة وعلم وأمانة ليشوروا بالأفضل والأكمل.
حقيقةً هذه الانتخابات آلية معاصرة وإن وُجد لها بعض الشبه في بعض التطبيقات التاريخية، فهذه الانتخابات التي يعنى بها جمع الأصوات لاختيار شخص معين لولاية معينة أو منصب معين،  تختلف عن الشورى، ليست شورى، لأن الشورى نظام ديني قررته الشريعة، أما الانتخابات فنظام وضعه الناس تحقيقًا لرغباتهم ومصالحهم، وهناك فرق بين هذا وذاك من عدة وجوه من الفروق بين الشورى والانتخابات.
الشورى لها أهل معينون، وأمّا الانتخابات عامة لكل أحد، وربما يشارك فيها المجرمون والمجانين والصغار والكبار.

أ. تمام: والمسلم وغير المسلم أيضًا.

د. عمار العيسى: نعم،  المسلم وغير المسلم أيضًا، هذا من الفروق، ومن الفروق كذلك الشورى لا يُنظر فيها إلى قضية الأكثر أو الأقل، إنما ينظر إلى الأصوب،  تُتداول الآراء ويُبحث عن الأفضل، أما في الانتخابات فيقاس الأكثر بغضّ النظر هل هو موافق للحق أو غير ذلك، كذلك الشورى لها حدود، ولا تتجاوز حدود الشريعة وأصول الدين، أما الانتخابات فهي عامة، ومع ذلك لا يعني منع الانتخابات لوجه، فالانتخابات إذا كانت للترجيح بين المتساوين بالصفات فلا بأس، والشورى تستخدم الآن في المجامع الفقهية في هيئة كبار العلماء، فهي بين الخاصة لا بأس بها، لمجلس علمي أو لرابطة من روابط العلماء ونحو ذلك، بين المتكافئين بالصفات أو المتقاربين فيها، وأما الانتخابات العامة فقد يترتب عليها مفاسد، وتؤثر فيها وسائل الإعلام ويُلجأ إليها إذا احتاجها الناس ولم يكن هناك طريق آخر للترجيح بعد اعتبار الصفات التي لابد منها فيمن يُنتخب أو يُختار لهذه المناصب، فيلجؤون إليها من باب أنه لابد من هذا الإجراء أو التدبير.

أ. تمام: إذاً، لا نرفضها كما يرفضها بعض الجماعات.

د. عمار العيسى: لا نرفضها مطلقًا ولا نقول إنها أساس ويجب أن ينظر في كل الحالات.

أ. تمام: إذا كان هذا هو المعمول به اليوم على مستوى دولي في اختيار الحكام، فأين الحرج أو الضير في حال كان المرشحون من أهل الحكم ومن أهل الإمامة؟

د. عمار العيسى: أنا ذكرت هذا، وهو من باب الترجيح فيمن توافرت فيهم الصفات.

أ. تمام: لكن ألا يشترط أن تتوافر الصفات في كل المنتخبين؟

د. عمار العيسى: لا يشترط توافرها في المنتخبين، ولكن لهم أيضًا صفات يُنظر إليها ويحددها من له الشأن في هذا الأمر.
ذكرنا سابقًا في قضية اختيارهم أنَّ مَنْ يختارهم هم أهل الحل والعقد إذا اختارهم الناس لينوبوا عنهم، فأهل الحل والعقد يكون لهم نظر ومعرفة، فيقومون باختيار الإمام الذي يناسب الناس.

أ. تمام: ربما يرتبط هذا بموضوع آخر وهو مصطلح الحريات.
موضوع الحرية الآن انتشر بكثرة وربما قامت ثورات، والثورة السورية منها، رفعت شعار الحرية والكرامة وما إلى ذلك.
ما المقصود بالحرية في الشرع وما حدودها؟

د. عمار العيسى: لا شك أن كلمة الحرية تطرب لها الأسماع و تأنس بها القلوب، وتطلق الحرية كما أشرت في الكلام السابق على ما يقابل الرّق والذل، وقد يكون هذا المراد هنا، فالمقصود بالحرية في النظام الإسلامي السياسي هو خلوص الإنسان من تقييد تصرفاته بغير حق، أما إذا كان التقييد بحق فهذا لابد منه، لأن كلمة الحرية صارت مصطلحًا عائمًا يراد به الحق أو الباطل،  فلابد من تقييد هذه الحرية، فالحرية موجودة في الإسلام بلا شك لكنها مقيدة بما لا يضر بالآخرين و بما لا يضر بالنفس أيضًا، لأنه لابد من المزاوجة والتناغم بين الحرية والمسؤولية،  فهناك مسؤولية على الفرد ومسؤولية على الجماعة، وكذلك تراعى الحرية، وهي ليست مطلقة،  بل إن الحرية لا توجد في أي بلد من بلاد العالم إلا بوجود قيود، وبما أن الدولة في الإسلام تقوم على الأصول الشرعية،  فإن تقييد هذه الحرية يكون بالأحكام الشرعية.

أ. تمام: لكن رفض هذا المصطلح كونه جاء من الغرب أو الشرق.

د. عمار العيسى: لا، الحرية موجودة حتى في التراث الإسلامي، وعبر عنها الكثير من المفكرين الإسلاميين والباحثين من أهل العلم.

أ. تمام: فهو مطلب مشروع ضمن حدود الشريعة.

د. عمار العيسى: بلا شك

أ. تمام: بهذا مشاهدينا الكرام نطوي ملف السياسية الشرعية، ونأمل أن نكون قد أتينا على أهم الجوانب في هذا الباب، وأسهمنا في صناعة الوعي بهذا المفهوم وما يتعلق به من أحكام.
في ختام هذه السلسلة من حلقات السياسة الشرعية لم يتبق لنا إلا أن نشكر ضيفنا في هذه الحلقات فضيلة الشيخ الدكتور عمار العيسى عضو المكتب العلمي بهيئة الشام الإسلامية، الباحث في السياسة الشرعية، المدرس في كلية المسجد النبوي في المدينة المنورة.
شكرًا لك دكتور على هذا الحضور.

د. عمار العيسى: بارك الله فيكم وجزاكم خيرًا.

أ. تمام: وأنتم مشاهدينا الكرام نلتقيكم بمشيئة الله تعالى في حلقات قادمة وملفات جديدة مهمة.
حتى ذلكم الحين نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.