السبت 14 محرّم 1446 هـ الموافق 20 يوليو 2024 م
التقرير الإعلامي الثامن عشر - 10 يناير/كانون الثاني 2012
الثلاثاء 16 صفر 1433 هـ الموافق 10 يناير 2012 م
عدد الزيارات : 2855
التقرير الإعلامي الثامن عشر - 10 يناير/كانون الثاني 2012
تردد الجامعة العربية يضعف موقفها إزاء الشأن السوري
الأزمة السورية المستمرة وتحذير الجامعة العربية الأخير للنظام السوري
رؤى الكتاب والمفكرين
1ـ توصيف المشهد السوري بعد مرور 10 أشهر على الأزمة(1):
2ـ وساطة "حماس" تعكس فشل وضعف الجامعة العربية وأمينها العام(2):
3ـ الرهان على قدرة الجامعة العربية على معالجة الأزمة السورية فاشل(3):
4ـ أسباب تحول دون "تدويل الأزمة" ناحية مجلس الأمن(4):
5ـ السيناريو المرجح.. التدخل الدولي باستخدام القوة العسكرية(6):

 

تردد الجامعة العربية يضعف موقفها إزاء الشأن السوري

نشرت صحيفة الفاينانشال تايمز البريطانية (10/1/2012) مقالاً ً لرولا خلف ألقت فيه الضوء على حالة التردد التي بدت عليها الجامعة العربية مؤخَّرا، والتي أحالت ما بدا قبل أيام شبه إجماع عربي على محاصرة النظام السوري إلى طوق نجاة قد يسهم بإخراج دمشق من محنتها، حيث إنه بإمكان الرئيس السوري بشار الأسد أن يزعم أنه قد سجَّل بعض النقاط في محاولته الدؤوبة للإبقاء على نظامه الذي يواجه انتفاضة شعبية منذ قرابة العام، وذلك من خلال نجاحه بكسر الإجماع الذي عملت كلٌّ من قطر (بشكل علني) والسعودية (بشكل أكثر هدوءاً) على تحقيقه بغية الإطاحة بنظامه.

وأضافت الصحيفة قائلة أنَّ مردَّ تلك الحالة هو الخلاف الحاد بشأن بعثة المراقبين العرب التي بدأت عملها في سورية في الأيام الأخيرة من العام الماضي، فالأمر على مدار الوقت يتحوَّل إلى مجرَّد صمت ولحظات انتظار، فالنظام السوري لم يستفد فقط من الانقسام الحاصل في المواقف داخل الجامعة العربية، بل استفاد بالمقدار ذاته من تشتُّت المعارضة السورية نفسها،  لذا فالأزمة السورية قد باتت الآن أكثر تعقيدا من ذي قبل.

أما الصحف العربية فقد اهتمت بالشأن السوري، في ظل التطورات المتسارعة الذي يشهدها هذا الملف، حيث قالت صحيفة الأخبار اللبنانية  (10/1/2012) إن خطاب الرئيس السوري "بشار الأسد"، والذي من المتوقع أن يلقيه اليوم، سوف يكون مفصلياً في الأزمة السوري، لأنه سيكون إعلان لموقف الحكومة السورية من بعثة المراقبين العرب، وسيظهر مستقبل المرحلة القادمة، والتي لن تكون سهلة، أو بسيطة –وفق الصحيفة- بل يستشهد تصعيداً على كافة المستويات.

ورأت صحيفة القدس العربي  (10/1/2012) أن خطاب الرئيس "بشار الأسد" يأتي بعد يومين من صدور تقرير المراقبين العرب، والذي منح نصراً جزئياً محدوداً للنظام السوري، من خلال الاعتراف بوجود عناصر مسلحة، واتهام بعض الفضائيات العربية بالمبالغة في تصوير الأحداث في سوريا. وتشير الصحيفة إلى أن تقرير بعثة المراقبين قد زاد من مخاوف المعارضة السورية من أن البعثة  تتجه إلى تبرئة النظام السوري مما تعتبره جرائم ارتكبها النظام بحق المحتجين، وأنها تهدف لإنقاذ النظام بدلاً من إدانة انتهاكاته بحق المدنيين.

وتضيف الصحيفة أن تقرير وفد المراقبين العرب جعل الجامعة العربية تحيد عن تلويحها بسيف التدويل في ظل أزمة تصفها بأنها بالغة التعقيد داخلياً وإقليمياً، وفي ظل عدم رغبة أو قدرة الدول الغربية على التدخل في الوضع السوري، والمعارضة الشرسة لروسيا والصين لأي تحويل للملف السوري في مجلس الأمن.

ويكتب "الياس حرفوش" في صحيفة الحياة اللندنية(10/1/2012)، قائلاً إن حل المراقبين العرب كان الأنسب أمام النظام السوري والجامعة العربية معاً. ويرى الكاتب أن الاعتماد على الجامعة العربية لا جدوى منه، وأنها لا تحقق للشعوب حريتها، ولا تنتقم لهم من جلاديهم. ويتابع الكاتب أنه لو اعتمد معارضو النظام العراقي السابق، والثوار الليبين، والحركة الاحتجاجية في تونس ومصر على الجامعة العربية، لكان الرؤساء "صدام حسين" و"زين العابدين بن علي" و"معمر القذافي" و"حسني مبارك" مازالوا في سدة الحكم حتى اليوم.

ويشير الكاتب إلى أن المبادرة العربية جاءت لانقاذ النظام، وإخراجه من ورطته، وهو ما أدركه الرئيس السوري، والتقطه سريعاً، وقبل بالمبادرة، لأنها تساعده. ويضيف الكاتب إن الدرس الذي كان يجب ان تتعلمه المعارضة السورية، وهي التي تحدد هدفها بإسقاط النظام في دمشق، هو أن بعثة المراقبين العرب لا طائل منها، وأن المراقبين العرب لا يسقطون أنظمة، ولا يصلحون أنظمة، ولا ينقذون شعوباً.

أما "عريب الرنتاوي" في صحيفة الدستور الأردنية (10/1/2012) فيتحدث عن ازدواجية عربية، ظهرت بشكل واضح في الاجتماع الأخير للجنة الوزارية العربية الخاصة بسوريا، والذي خرج "ببيانين ختاميين" –وفق الكاتب. ويشير الكاتب إلى البيان الأول الذي وزّع على الصحفيين، وفيه حديث عن تعاون سوري كامل مع بعثة المراقبين العرب، وعن عنف ثنائي من قبل النظام و"الجماعات المسلحة" معاً، ويضج بعبارات الثناء والتأييد والتمديد لمهمة المراقبين العرب.

أما البيان الثاني، والذي وضع على موقع الجامعة العربية الالكتروني، بمطالبات للنظام حصراً بوقف القتل والعنف، وتأييد مشروط لبعثة المراقبين، وإشارة موجهة إلى تعاون جزئي أبداه النظام مع مهمة البعثة العربية. ويضيف الكاتب أن هذين البيانين يكشفان عن التناقض في موقف الجامعة العربية تجاه الأزمة السوري، وعدم قدرتها على اتخاذ موقف واضح من الأزمة السورية.

الأزمة السورية المستمرة وتحذير الجامعة العربية الأخير للنظام السوري

قالت صحيفة الأهرام المصرية (10/1/2012) أن مراقبين عرب أجمعوا علي أن الجامعة العربية وجهت‏‏ عبر اللجنة الوزارية المعنية بالأزمة السورية في اجتماعها الذي اختتم مساء أمس الأول ما يمكن اعتباره التحذير الأخير لحكومة دمشق إذا لم تستجب لمحددات بنود برتوكول بعثة المراقبين، وتنفذ ما تعهدت به والمتمثل بشكل أساسي في وقف قتل المحتجين وإطلاق سراح المعتقلين وسحب الآليات العسكرية من المدن ومناطق التوتر وهو ما لم يتحقق حتى الآن علي النحو الذي يرضي الجامعة العربية ومراقبيها ودوائر المعارضة وثوار سوريا أنفسهم.

وأضافت الصحيفة، قائلة أن هذا التحذير تجلي في أكثر من مستوي:

·        الأول: فيما انطوي عليه البيان الختامي من لهجة متشددة نوعا ما من خلال تشديدها علي أن استمرارية عمل بعثة مراقبي الجامعة العربية مرهون بتنفيذ الحكومة السورية الكامل والفوري لتعهداتها.

·        الثاني: ما جاء علي لسان الشيخ حمد بن جاسم نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري والذي أكد أنه في حال رفض دمشق التجاوب مع خطة العمل العربية فإن مجلس الجامعة العربية علي مستوي وزراء الخارجية والذي من المقرر أن يجتمع في التاسع عشر أو العشرين من يناير الحالي سيضطر الي اتخاذ قرارات حاسمة ضدها.

بما يعني ذلك فتح كل السيناريوهات حيال الموقف السوري، ومن ضمنها تدخل مجلس الأمن في الأزمة السورية.

وفي الشأن ذاته قالت صحيفة الدستور الأردنية(10/1/2012)أن  الأحداث والوقائع المتسارعة على الساحة السورية والإقليمية والدولية، تثبت بان لا حل للازمة السورية الا الحل العربي فهو كفيل اذا خلصت النوايا بإغلاق الباب نهائيا أمام التدخلات الخارجية وأمام الحرب الأهلية، التي باتت نذرها المشئومة ترتسم في أفق الشام، حيث لم يعد أمام النظام السوري والمعارضة السورية إلا التسليم بالحل العربي كسبيل وحيد لإنقاذ القطر من الأخطار المحدقة التي تهدده، وأخطرها الحرب الأهلية، والتدخل الأجنبي.

وقالت صحيفة الراية القطرية(10/1/2012)أنه بات من الواضح أن النظام السوري قد اتخذ قراراً لا رجعة فيه باستخدام كل الطرق الممكنة لإجهاض الثورة السورية المطالبة بالحرية والديمقراطية والتغيير وأن قبوله المبادرة العربية وتوقيعه على البروتوكول الخاص ببعثة المراقبين العرب كان لكسب الوقت ومحاولة إجهاض الثورة من خلال القتل والعنف وقصف المدن والبلدات السورية، فالنظام في سورية الذي يعلم أن الشعب السوري قد اتخذ قراراً لا رجعة فيه بالتغيير يدرك جيداً أن قمع المظاهرات السلمية المطالبة بالتغيير بالرصاص وقتل المطالبين بالحرية هو ما أبقاه في السلطة حتى الآن وأن عدم التعرض للمظاهرات السلمية يعني نزول الشعب السوري بأكمله إلى الشارع وهو ما يعني سقوط النظام، إن الجامعة العربية تعطي النظام في سوريا الفرصة الأخيرة ليراجع سياسته وأساليبه وليطبق ما تعهد بتطبيقه في وثيقة البروتوكول، ولذا فإن المسؤولية الدينية والقومية والأخلاقية تقع الآن على عاتق الجامعة العربية وعلى اللجنة الوزارية العربية المعنية بالأزمة السورية باتخاذ مواقف واضحة لا لبس فيها تجاه القتل الذي يستهدف المدنيين في سورية والذي لم يتوقف واستمر في ظل وجود بعثة المراقبين العرب.

وقالت صحيفة النهار اللبنانية(10/1/2012)في مقال لساطع نور الدين، قال فيه أن التقييم الأولي الذي أجرته اللجنة الوزارية المنبثقة عن الجامعة العربية لمهمة المراقبة في سوريا كان بمثابة إنذار مبكر الى النظام السوري ومعارضيه، والى فريق المراقبين العرب نفسه الذي لم يكن في مستوى الآمال والطموحات من المهمة التي بدأت للتوّ وليس لها بديل الآن ولا في المستقبل، فما جرى في اجتماع القاهرة هو تعبير أولي عن جدية الجامعة في التعاطي مع مهمة طارئة تستمد مصداقيتها الوحيدة حتى الآن من كونها تتعرض لانتقادات من السلطة ومن المعارضة في آن معاً، كما تستمد جديتها الوحيدة من كونها الخيار الوحيد المتاح بالنسبة الى جميع الدول المعنية بالأزمة السورية، التي لا ترغب في رؤية سفك الدماء، لكنها لا تستطيع حقنها، إن ما أنجز حتى الآن كان متواضعاً جداً بالقياس الى تفاقم الأزمة، لكنه كان كافياً للمضي قدماً نحو تحقيق هذا الهدف، ومن هذا فالأزمة في سوريا ليست موقفاً يحتاج الى المشاهدة والاستكانة، بل التحرك الفوري لمنع خطر قد يطال أطراف كثيرة.

رؤى الكتاب والمفكرين
1ـ توصيف المشهد السوري بعد مرور 10 أشهر على الأزمة(1):

ـ نظام يترنح ويصر على البقاء بأي ثمن إنفاذًا لكامل مواصفات الحل الأمن، ولا خيار أمامه سوى الانتصار في هذه المعركة، وإلا فالنهاية الأخرى معلومة. في المقابل، معارضة تحولت إلى معارضات في الداخل والخارج غير متفقة على الأهداف النهائية، وبعد كل الذي جرى ليس في إمكان المعارضين ولا المعارضات التوقف هنا من دون بلوغ نتائج واضحة أو محددة. وتكمن المفاجآت في الكثير من المواقف، فلا النظام توقع أن يُواجه بالذي يواجه به، وفي المقابل لم يتوقع الثائرون على النظام أن يبقى صامدًا، بقطع النظر عن الخسائر من أي نوع ولون.

ـ آخر فصول ما يجري في سوريا، وجود عدد من المراقبين العرب في مختلف المدن والمحافظات للاطلاع على ما يجري ميدانيًا، أو لوجستيًا بلغة العسكريين. لكن مهمة المراقبين العرب بالغة الصعوبة من حيث الوقوف بدقة على حقائق الأمور، ولرفع تقرير إلى الجامعة العربية.

ـ لوحظ بوضوح أن الوضع الأمني شهد تصعيدًا كبيرًا منذ وصول طليعة المراقبين، وهذا التصعيد أتى من جانبين: جانب السلطة لإظهار فداحة وفظاعة ما يرتكبه الثوار، وجانب المعارضين الناقمين على النظام، لإظهاره في موقع المعتدي. وبقطع النظر عن النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها المراقبون، فليس هناك من آمال كبيرة أو عريضة مرتقبة لعمل المراقبين. لماذا؟ لأكثر من سبب وفي الطليعة أن ما كُتب قد كُتب وأن الأطراف التي قدمت المظلة العربية لأي عمل خارجي تعلم جيدًا ما هو المطلوب منها وفقًا للسيناريو المعد والذي يقضي بـ "إنهاء خدمات" النظام السوري مهما كلف الأمر من تضحيات مقابل النظام الذي يخوض معركة تنازع البقاء وهدفه شديد الوضوح وهو تغيير نظام "بشار الأسد" بأي ثمن.

ـ لا يمكن ما يحدث أن يتوقف عند هذا الحد، أي العمل على بقاء النظام الحالي مع انفتاح على المعارضة، بل المعارضات والتي تنقسم إلى فروع وتوجهات عدة، منها المحلي ومنها الإقليمي ومنها الدولي. بل إن مَن خطط لهذه الأحداث ماضٍ في تحقيق أهدافه حتى النهاية وفي الطليعة اقتلاع نظام الرئيس "بشار الأسد". والبقية تأتي في وقت لاحق. ولعل سوء التقدير للموقف العام أوصل الوضع السوري إلى ما هو عليه. وبناءً على ما تقدم لا يمكن تصور نهاية وشيكة للنزيف الكبير القائم.

ـ بدا واضحًا أن الجامعة العربية، أو ما تبقى منها، تؤمن المظلة لأي دخول إقليمي ودولي على خط الحلول. ومواقف الدول تؤكد ذلك وسط حال الانقسام القائمة: فريق يريد منح النظام فرصة أخيرة للحل، فيما فريق آخر ماضٍ في مخططه القاضي بإسقاط النظام السوري ورموزه. وتقود هذا الفريق قطر عبر رئيس الحكومة ووزير الخارجية الشيخ "حمد بن جبر آل ثاني"، والذي تبدو على ملامحه آثار عدم الاقتناع بما يجري، وهو يتلو بيانات الجامعة العربية.

ـ أما الجامعة فلم يبقَ منها إلا التسمية المستمدّة من اسم وكنية أمينها العام "نبيل العربي" والذي يبدو أنه يقف في منطقة وسطى تطلق عليه النار في غير اتجاه. يُضاف إلى ذلك التخبط في المواقف والتصريحات التي تصدر عن هذا الطرف أو ذاك. وفي إطار تسجيل بعض المتغيرات يُلاحظ بعض الهدوء النسبي في موقف تركيا، حيث يبدو أن التدخل الإيراني نجح، نسبيًا، في تخفيف بعض الأعباء عن سوريا من طريق إحياء التعاون الإقليمي بين إيران وتركيا، في ضوء المتغير الجديد الذي يتجلى بانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وما ينطوي على هذا التطور من صراعات إقليمية ضمن إطار مَن يملأ الفراغ الأمريكي.

ـ إن أنهار الدماء التي سالت ولا تزال على الأراضي السورية من موالين ومعارضين لا يمكن أن تستمر في هذا الشكل وسط كل هذه الأجواء البركانية السائدة في المنطقة، إذ تحولت المواجهات بشتى أنواع الأسلحة إلى حرب استنزاف يتحمل تبعاتها أبناء الشعب السوري بقطع النظر عن ولائهم ومواقعهم في هذه الفترات المفصلية في تاريخ المنطقة.

2ـ وساطة "حماس" تعكس فشل وضعف الجامعة العربية وأمينها العام(2):

ـ أن تستعين الجامعة العربية، وأمينها العام "نبيل العربي"، بحركة "حماس" الإخوانية لإيصال رسالة مع "خالد مشعل" إلى "بشار الأسد" من أجل إقناعه بضرورة وقف العنف ضد السوريين العزل، فإن ذلك يعني، وبكل بساطة، أمرين:

·         الأول:أن نظام "بشار الأسد" بات مرعوبًا فعلاً من اقتراب لحظة سقوطه.

·         الثاني: فشل الجامعة العربية، وأمينها نفسه، وبشكل واضح.

ـ عندما نقول إن "الأسد" بات مرعوبًا من مآل الثورة السورية، التي أصبح من الواضح أنها تؤدي إلى تصدع كيانه الداخلي، فلذلك أسباب يعرفها جل المعنيين بالملف السوري من المسؤولين العرب، وخاصة من زاروا دمشق أول أيام الثورة، ففي ذلك الوقت تبرعت قيادة "حماس" بعرض إمكانية توسطها بين الإخوان المسلمين في سوريا والنظام "الأسدي" الذي، وقتها، جُن جنونه من تجرؤ وتطاول قيادة "حماس" على تقديم مثل ذلك العرض، بل إن ردة فعله بلغت حينها حد المرارة، وكانت القيادة الأسدية تروي قصة عرض "حماس" لزوارها، من باب "هل تصدقون هذه الوقاحة؟!"، لكن ما حدث اليوم هو أن هذا النظام نفسه قَبِل بتلك الوساطة، وهذا يعني أن نظام "بشار الأسد" بات في ورطة وضعف، ورعب كذلك، مما جعله يقبل بوساطة شخص مثل "خالد مشعل" الذي كان، وإلى العام الماضي، ورقة من ضمن أوراق اللعب بيد "بشار الأسد" نفسه!

ـ وساطة "حماس" تعني وبكل وضوح، فشل الجامعة العربية وأمينها العام، كما أن تلك الوساطة تعد بمثابة خيبة أمل حقيقية لكل من اعتقد، مخطئًا، بأن الجامعة العربية باتت تحاول العمل وفق مفهوم الدول والمؤسسات، وليس مفهوم الاستعانة بـ"خالد مشعل" الذي تموَّل حركته من قبل إيران، مما يجعل "حماس" مثلها مثل العميل الإيراني الآخر "حزب الله"، حيث يعدان حليفين لطهران، التي تعلن دعمها للنظام الأسدي، بل إن إيران تقول بأن دعمها للأسد أمر لا يقبل المساومة.. فكيف بعد كل ذلك تستعين الجامعة العربية بحماس، أو خالد مشعل، من أجل إقناع الأسد بوقف العنف؟

ـ أمر لا يصدق بالطبع، ودليل واضح، وفاضح، على فشل الجامعة العربية، وأمينها العام. فهل يعقل، وبعد كل التصريحات الصادرة من الجامعة، وأمينها، ورئيس اللجنة الوزارية المعنية بسوريا الشيخ "حمد بن جاسم"، أن ينتهي الأمر بأن تلجأ الجامعة العربية لخالد مشعل من أجل إقناع الأسد بوقف العنف؟ وعليه، وطالما أن هذا هو مستوى الجامعة العربية، وهذه هي العقلية التي تدار بها، فعلينا ألا نفاجأ غدًا في حال استعانت بزعيم "حزب الله" "حسن نصر الله" من أجل إقناع إيران بعدم إغلاق مضيق "هرمز"! حقًا إنه أمر محزن، ومعيب.

3ـ الرهان على قدرة الجامعة العربية على معالجة الأزمة السورية فاشل(3):

ـ الرهان على قدرة النظام العربي على معالجة الأزمات الإقليمية غباء مطبق.. يوازي غباء تصديق شعارات الرئيس "بشار الأسد" عن الإصلاح، والوثوق بتوقيعه على بروتوكول المبادرة العربية؛ فجامعة الدول العربية تفتقر أولاً إلى آليات الإلزام والتنفيذ، وثانيًا إلى القيادات الرؤيوية والمستقلة القادرة على استنباط استراتيجيات ناجحة.

ـ منذ تولّى "العربي" الجامعة التعامل مع الأزمة السورية، وهو ينتقل من خطأ إلى خطيئة.. وبالعكس. ومنذ زيارته الأولى إلى دمشق بعيد تفجر الانتفاضة صدمت تصريحاته ومواقفه المفرطة في "طيبتها" متابعي الشأن السوري وفاهميه.

ـ ورط "العربي" الجامعة بمسار متردد الخطى، وضعيف المضمون، ومبهم الغايات. وكانت الحصيلة أنه أتاح للنظام السوري استعادة زمام المبادرة وتسجيل النقطة تلو النقطة، مستقويًا بتواطؤ جيرانه المباشرين من الحكومات التابعة إقليميًا.

ـ كان أسوأ ما تفتق عنه ذهن الأمين العام، أخيرًا، تكليف "خالد مشعل"، قائد حركة "حماس"، بتسليم رسالة إلى النظام السوري! أصلاً، ما هو الهدف المتوخى من إرسال مزيد من الرسائل؟ وماذا يُنتظَر منها؟ وإذا كانت الرسائل ما زالت مطلوبة فلماذا لا يحملها الدكتور "العربي" نفسه؟.. أو ليس هو ـ بحكم منصبه ـ وسيط كل العرب مع بعضهم البعض؟

ـ ثم ألا يلحظ الدكتور "العربي" أن وجود "مشعل" في دمشق بصفة لاجئ يقلّص كثيرًا قدرته على التأثير على النظام السوري؟ وهذا كله من دون أن ننسى أن مشعل عاجز أصلاً عن انتقاد النظام السوري على تخوينه "إخوانه" في العقيدة وإهداره دماءهم؟ هل غفل الأمين العام عن حقيقة أن حركة "حماس" هي الجناح الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين التي يتهمها حكام دمشق بأنها أساس الفتنة والطابور الخامس لـ"الهجمة الأمريكية الصهيونية" على مواقف سوريا الممانعة والمقاومة؟!

4ـ أسباب تحول دون "تدويل الأزمة" ناحية مجلس الأمن(4):

* كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن تدويل الحالة السورية نتيجة لفظاعة الجرائم والتكلفة البشرية لمحاولة تغيير النظام هناك، ولم يسأل أحد ما هي إمكانية ذلك، قبل مضيعة الوقت في تحبير الصفحات. في اعتقادي أن تدويل الشأن السوري أمر صعب، ولو حدث فلن يحدث هذا العام، ولي في ذلك بعض الأسباب أسوقها ليس تمسكا بها، ولكن بهدف أخذ النقاش في المنحى الواقعي وبعيدًا عن المثالية في التحليل، منها:

ـ انسحاب القوات الأمريكية من العراق له تأثير كبير على حوار التدويل في الغرب فيما يتعلق بالحالة السورية، وهذا الحوار يمكن قراءته من زاويتين أو من الممكن أن يأخذ أكثر من منحى في حوارات الغرف المغلقة عند صانعي القرار في الغرب المخول بالتدويل إذا حدث ويمكن للمرء تخيل هذا الحوار من طرفي نقيض، الرؤية الأولى أو الفرضية الأولى التي سينطلق منها الحوار على طاولة النقاش تقول بأن سحب القوات من العراق يعني أن هذه القوات لن تكون رهينة لدى سوريا وإيران حالة وقوع حرب، وأن سحبها هو الحل الأمثل لتجنب أي خسائر بشرية في القوات الأميركية حتى لا يضعف التأييد الشعبي للتدخل الأجنبي في عام انتخابات رئاسية أمريكية. أما الرؤية الثانية المناقضة لهذه فستنطلق من فرضية أن خروج القوات الأمريكية من العراق يسبب فراغًا إقليميًا يصعب معه التعامل مع الحالة السورية بما لها من تبعات على الاستقرار في العراق وفي دول الخليج، وكذلك لما لها من تبعات على أمن إسرائيل.

والنقطة الأخيرة المتمثلة في تبعات ذلك على إسرائيل ستأخذ الجزء الأكبر من الحوار. أستطيع أن أتخيل أن أحد المحاورين سيستدعي قدرة أمريكا على منع إسرائيل من التدخل في الحرب يوم تحرير الكويت مما جنب أمريكا وحلفاءها العرب كثيرًا من الحرج، فهل تستطيع واشنطن هذه المرة إقناع إسرائيل بعدم التدخل، لاسيما في ظل القرب الجغرافي الحرج بين إسرائيل وسوريا؟ هذا أول محور من محاور الحديث عن التدويل.

ـ عدم وجود غطاء عربي حتى هذه اللحظة لفكرة التدويل، وفي هذا يختلف الأمر في كل من سوريا واليمن عن الوضع في ليبيا مثلاً، حيث جاء قرار الجامعة العربية واضحًا، ومغذيًا لما في الغرب من عداوة مسبقة لنظام القذافي. في الحالة السورية يبدو الأمر حتى هذه اللحظة ضبابيًا بالنسبة للموقف العربي.

ـ التعب أو الملل من التدخلات الخارجية، حيث إن الغرب ومنذ عام 2001 وبعد الحادي عشر من سبتمبر لم يتوقف عن التدخل وخسرت خزائنه الكثير، ولا يبدو أن الجمهور في الدول الرئيسية يفهم الشأن السوري بما فيه الكفاية أو متحمس له بما فيه الكفاية حتى يوافق على حرب ثانية بعد التدخل "الأطلسي" في ليبيا. شيطنة نظام القذافي وتحفيز الرأي العام ضده كان أمرًا سهلاً، لما للرجل من جرائم ضد الغرب من "ديسكو برلين" حتى "حادثة لوكربي" حتى دعم الإرهاب، كل ذلك جعل من القذافي الأقرب إلى شخصية "بن لادن" في المخيلة الغربية. وأيًا كان رأينا في نظام "الأسد" وما اقترف من جرائم ضد شعبه، إلا أن هذا ما زال محصورًا في الإعلام العربي ولم يكتسب الزخم الكافي في الإعلام الغربي كي يدفع الرأي العام لقبول فكرة التدويل. أعرف أن هذا لا يروق للكثيرين ممن يتصورون أن التدويل ممكن، وغدًا. ولكن الوقوف على الحقائق أهم من التحليل بالتمني، خاصة عندما يكون الثمن تلك التكلفة البشرية التي نشهدها كل يوم.

ـ سوريا ليست لديها فقط حدود مع إسرائيل ولكنها دولة مجاورة أو واقفة على خط التماس مع حلف الأطلسي الذي تعتبر تركيا جزءًا أصيلاً من ذلك الحلف، وتدويل الأمر في سوريا يحتاج إلى تفكير عميق فيما يخص الحدود الجيو ـ سياسية لحلف الأطلسي.

ـ مسألة تدويل الشأن السوري رغم أنها مطلوبة ومرغوبة عند البعض، فإن تدويل سوريا سيعني بالضرورة تدويل كل شيء في الشرق الأوسط بعد ذلك، أيًا كانت القوى التي فازت في الانتخابات أو التي حصدت مكاسب الثورات. التدويل بعيد، والتدويل أيضا خطر كبير، ليس على سوريا، التي يتغير نظامها كل يوم، أو في طريقه إلى التغيير، ولكن الأهم تأثير التدويل على المنطقة في المدى البعيد.

ـ الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي ليس خطوة مضمونة النتائج، فالصين وروسيا جاهزتان لمنع فرض أي عقوبات جديدة على سورية، واستخدمتا 'الفيتو' ضد مشروع مماثل تقدمت به كل من بريطانيا وفرنسا(5).

5ـ السيناريو المرجح.. التدخل الدولي باستخدام القوة العسكرية(6):

ـ المشهد في سوريا يبدو معقدًا ومتداخلاً ونهايته ملتبسة أو غير واضحة للعيان، لكن الأمر في حقيقته قد يبدو مختلفًا، والسيناريو الأقرب هو أن الحل سيكون عبر البوابة الأجنبية أي التدخل الدولي وباستخدام القوة العسكرية، بعد أن استنفدت كل الأوراق الإقليمية أغراضها، بل أكدت فشلها بسبب المواقف المتباعدة في سوريا بين طرفي الصراع (النظام والشارع أو المعارضة) جراء مراهنة كل جانب على رهان يراه هو الطريق إلى انتصاره:

·         فالنظام يراهن على يأس المتظاهرين وضعف تنظيمات المعارضة وانشقاقها، بجانب عدم القدرة على الصمود أمام الآلة الأمنية والعسكرية، وتأييد روسيا والصين، إضافة إلى اقتناعه بعدم وجود مساندة إقليمية أو دولية فاعلة للمعارضة كما يعتقد أن تقرير المراقبين العرب سيكون في صالحه.

·         في حين تراهن المعارضة على زيادة رقعة المظاهرات وانتشارها في كل أرجاء سوريا، خاصة عندما تمتد بشكل أوسع إلى دمشق وحلب، إضافة إلى المناطق التي تشهد حشودًا من المتظاهرين حاليًا وهي كثيرة، كما يمتد الرهان إلى توقع إنهاك الجيش وتفككه بزيادة الانشقاقات وخوف قادته من الإدانة بقتل الثوار وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، ومن ثم التخلي عن نظام "بشار الأسد" ما يقود إلى انهياره وسقوطه، وهناك أمل متصاعد بتدويل الصراع السوري ودخول مجلس الأمن الدولي كعامل لحماية الثورة.

ـ سيتطور سيناريو تدخل القوى الدولية أو تدويل الأزمة السورية من خلال عدة نقاط، منها:

o       عدم وجود خيار أمام النظام السوري إلا في استخدام الحل الأمني، فهو يعلم أن التخلي عن هذا الحل يعني انهياره سريعًا، ولكنه متأكد أن هذا الحل هو مؤقت وترقيعي بمعنى أنه يؤجل النهاية ولن يلغيها.

o       كما أن هناك أزمة ثقة بين النظام السوري ومحيطه الإقليمي باستثناء إيران، ثم العراق تحت التأثير الإيراني أيضًا، مما يؤدي لعدم وجود حلفاء من العرب للنظام السوري بعد رفضه لكل النصائح العربية.

o       مراهنة النظام السوري على مواقف وتأييد روسيا والصين سوف تنتهي إلى الفشل أيضا ولن يستمر دور موسكو وبكين المتعاطف إلى ما لانهاية، وبدأت التحركات الغربية تجدي مع موسكو التي تريد أن تقبض الثمن، وهذا عُرف مشروع في العلاقات الدولية بين القوى الكبرى أو ذات التأثير على مجريات الأحداث العالمية وسبق تطبيقه في أكثر من حالة كانت طرفها موسكو. فسوريا تعد آخر معقل للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط وواحدة من أكبر أسواق تجارة السلاح الروسي في المنطقة، ومن ثم لن تفرط موسكو في هذا المعقل أو تتخلى عنه إلا بثمن باهظ أو معقول على أقل تقدير، وهذا الثمن بدأ يلوح في الأفق ويتمثل في انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، وهو ما فشلت موسكو في تحقيقه طيلة 16 عامًا من المفاوضات المضنية، كما أن هناك دعمًا ماليًا ضخمًا من اليابان وكوريا الجنوبية لموسكو وهو ما يجري تحديد قيمته وتوقيت دفعه أو تسليمه الآن.

o       أما التدخل الإقليمي فلن يحقق شيئا في حل هذه الأزمة، فلا يوجد طرف يريد أو يستطيع أن يدخل في مواجهة عسكرية ويتورط في هذه الأزمة بعد أن باءت كل الجهود العربية بالفشل تقريبا باستثناء موقف جامعة الدول العربية الذي ينتظر تقرير المراقبين، والذي لن يجدي كثيرا على ما يبدو طبقًا للتقارير الواردة من دمشق والتناقض الذي يلوح في الأفق حول مضمون التقرير المرتقب، كما أن تركيا لن تستطيع التورط بمفردها لاعتبارات عديدة وكل ما تستطيع القيام به هو عدم خسارة الشارع السوري بعد أن يئست من التعويل على النظام في دمشق، وفي الوقت نفسه عينها مفتوحة على مستقبل تعاطي أكراد سوريا مع الوضع السوري الداخلي ومع الأكراد في دول الجوار ومن بينهم أكراد تركيا بعد انفراط عقد الدولة السورية الحالية.

 

ـ إذن.. لن يتبقى إلا الدور الدولي الذي بدأ يأخذ منحى جديدًا في مجلس الأمن الدولي من خلال مشروع القرار الذي تقدمت به فرنسا ويجد دعما أمريكيًا وغربيًا، مما يفتح الباب للتدخل الأجنبي تحت شعار التدخل العسكري الإنساني في المقام الأول كما حدث في ليبيا في العام الماضي وقبلها في العراق عام 1991 وكوسوفو عام 1999. وهذا التدخل سوف يسبقه تمهيد داخل أروقة مجلس الأمن الدولي وعبر الاتصالات السرية واجتماعات الغرف المغلقة وبتدخل أطراف متعددة منها الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، ودول الاتحاد الأوروبي، سوف يتمخض عنها وفاق دولي على حساب مقايضات مالية ومصالح استراتيجية، تقود في مجملها إلى رسم خريطة جديدة لمفهوم الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط سوف يمتد تأثيرها إلى دول أخرى، وإلى فترات مستقبلية بعيدة أو متوسطة المدى على الأقل.

ـ في مقدمة معالم مفهوم الأمن القومي في مرحلة ما بعد التدخل الدولي لإسقاط النظام السوري يأتي تحجيم الدور الإيراني ومحاصرته داخل إيران مستقبلاً والذي يمتد إلى العراق في المرحلة الحالية بناء على واقع تركيبة النظام السياسي الحاكم في بغداد وعلاقته الخاصة بطهران لاعتبارات عديدة وهي معروفة على ألا يخرج هذا الدور أو التأثير إلى دول إقليمية أخرى كما كانت تخطط وتسعى طهران منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، ثم بعد سقوط نظام صدام حسين في بغداد عام 2003.

ـ بالتبعية سوف تشهد مرحلة ما بعد التدخل الدولي لإسقاط النظام السوري إضعاف حزب الله اللبناني، أو تضييق الخناق عليه ما قد يفككه على المدى البعيد أو على أقل تقدير تحجيمه والتسريع بتنفيذ مطالب الدولة اللبنانية بتسليم سلاح الحزب ودمج عناصره - في حالة قبولهم - في الجيش اللبناني.

 (1) عادل مالك، الحياة، 7/1/2012.

(2) طارق الحميد، الشرق الأوسط، 9/1/2012.

(3) إياد أبو شقرا، الشرق الأوسط، 9/1/2012.

(4) مأمون فندي، الشرق الأوسط، 9/1/2012.

(5) رأي القدس العربي، 6/1/2012.

(6) عبد العزيز بن عثمان بن صقر، الشرق الأوسط، 9/1/2012.