الأحد 24 ذو الحجة 1440 هـ الموافق 25 أغسطس 2019 م
التقرير الإستراتيجي (21) [ 1-13 سبتمبر 2012 ]
الخميس 26 شوّال 1433 هـ الموافق 13 سبتمبر 2012 م
عدد الزيارات : 3320
التقرير الإستراتيجي (21) [ 1-13 سبتمبر 2012 ]
أولاً: تردد الدول الغربية في دعم المعارضة وكتائب الجيش الحر
ثانياً: الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية
ثالثاً: تصلب بشار، وصعوبة الموقف الإيراني

تقرير نصف شهري تعدّه وحدة الرّصد بالمكتب السياسي في هيئة الشام الإسلامية، يتضمن معلومات مفصلة عن التطورات العسكرية والمواقف الدولية من الأحداث الجارية في سوريا، ويعتمد على تقارير عسكرية غربية، ودراسات مراكز الفكر، وغيرها من المواد التي لا تنشر في وسائل الإعلام

أولاً: تردد الدول الغربية في دعم المعارضة وكتائب الجيش الحر

تزايدت وتيرة النشاط الاستخباراتي الغربي بصورة كبيرة منذ مطلع شهر سبتمبر؛ حيث اعترفت الإدارة الأمريكية رسمياً بوجود نشاط لأجهزتها في الدول المجاورة لسوريا في 8 سبتمبر، وتبع ذلك تصريحات فرنسية وبريطانية بإسهام أجهزتها الأمنية في مراقبة أضاع المنطقة، حيث تجمع بريطانيا معلومات حساسة حول تحركات جيش النظام عبر قاعدتين عسكريتين لها في قبرص وتنقل المعلومات إلى قواعد أخرى أرضية في جنوب تركيا، كما تقوم الاستخبارات الألمانية بجمع معلوماتها عبر سفن منتشرة قبالة السواحل السورية، مستعينة بتكنولوجيا تسمح لهم بمراقبة حركة القوات النظامية حتى عمق 600 كلم داخل الأراضي السورية، وتهدف هذه الأنشطة إلى منع امتداد الأزمة إلى الدول المجاورة، وحماية تل أبيب بصفة خاصة.

وعلى إثر تردد الأنباء بأن الاستخبارات التركية قد بدأت بالفعل في تقديم دعم نوعي لجهات مقاتلة داخل سوريا من خلال قاعدة عسكرية في غازي عنتاب؛ بادر رئيس جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية الجنرال ديفيد باتريوس إلى مخاطبة الأتراك مباشرة بهذا الشأن، والتعبير عن قلق واشنطن من نتائج أي تدخل عسكري خارجي في الصراع، وحذر باتريوس الأتراك من إمكانية قيام إيران و"حزب الله" بردود أفعال لا يمكن التنبؤ بها أو السيطرة عليها. 

ودفعت تلك التحركات بأنقرة للتأكيد على أنها تتفق مع الدول الغربية بأن عملية تأمين المناطق الآمنة يجب أن توكل إلى الجيش الحر، وأن لا تكون هناك أي مشاركة خارجية في العمليات العسكرية والقتال مع قوات النظام.

تأتي تلك الأنباء مع تسرب معلومات عن وجود خلافات في الإدارة الأمريكية حول موقف واشنطن إزاء الأزمة في سوريا، حيث يواجه أوباما ضغوطاً متصاعدة للقيام بإجراءات جادة تستهدف إزاحة بشار عن الحكم، عوضاً عن سياسة عدم التدخل التي أصبحت مصدر إحراج للحزب الديمقراطي في حملته الانتخابية.

أما على الصعيد الميداني فإن التقارير تشير إلى تصاعد التذمر والانزعاج من النفاق الغربي، وخاصة من المعلومات المضللة التي تبثها الصحافة الأمريكية حول إرسال مساعدات لوجستية وأجهزة اتصالات للجيش الحر، دون أن يصل أي من تلك المساعدات إلى الكتائب الرئيسة المقاتلة. 

فقد اقتصر رد فعل وزارة الخارجية الأمريكية إزاء المجازر المروعة التي ترتكبها المقاتلات السورية خلال الأسابيع الماضية على ادعاءها بتزويد المعارضة بتسعمائة هاتف جوال تبلغ قيمة الواحد منها نحو ألف دولار!

وعلى الرغم من أن هذه المساعدة المتواضعة لا تحمي الأرواح والممتلكات، ولا تساعد في إيقاف نزيف الدم السوري، إلا أن أطياف المعارضة تؤكد أن هذه الهواتف لم تصل إلى أي من الكتائب الفاعلة على الأرض، وتؤكد مصادر مطلعة أن الهدف من بث مثل تلك المعلومات المضللة في وسائل الإعلام هو التغطية على ضعف مواقف إدارة أوباما، والتغطية على رغبتها في الإبقاء على قوات النظام متماسكة للاستفادة منها في المرحلة القادمة.

وأكدت تقارير غربية انتشار حالة التذمر في صفوف المعارضة السياسية والكتائب المقاتلة السورية من توجه الإدارة الأمريكية لدعم أطراف خارج المعادلة السياسية أو العسكرية بهدف التلاعب في بنية المعارضة، وإضعاف بعض الجهات (ذات التوجه الديني) التي لا ترغب أمريكا في ظهورها، فضلاً عن محاولة واشنطن فرض أجندتها وتصوراتها بصورة لا تتناسب مع حجم الخسائر التي يتكبدها الشعب السوري والتضحيات التي تقدمها كتائب الجيش الحر.

وبدلاً من دعم القوى الفاعلة والمؤثرة ميدانياً؛ تقوم أجهزة الأمن الأمريكية والفرنسية بدعم شخصيات يتم انتقاؤها وفق معايير محددة، ثم تؤمن إخراجهم من البلاد لاختيار الأنسب منهم وتقديم الدعم الإعلامي لهم ومنحهم معدات اتصال تعمل عبر الأقمار الصناعية وأجهزة كمبيوتر حتى يتسنى لهم تأسيس مراكز تعمل على ربط عناصر محلية مع الخارج وتشكيل خلايا نشطة، ويجري تدريب هؤلاء المعارضين في منطقة في إسطنبول تضم العديد من الوحدات السكنية، وتشير المصادر إلى أن عملية إخراج مناف طلاس قد أتت ضمن هذه الأنشطة النوعية التي تنفذها الاستخبارات الفرنسية بين الفينة والأخرى.

أما على الصعيد الميداني فقد أعلنت القوى الغربية رفضها لتبني بعض الخطط العسكرية التي أوصت بضرورة استهداف مبنى قيادة الأركان والفرقتين المدرعتين الرابعة والتاسعة بقصف جوي لشل قدرات النظام.

لكن كتائب الجيش الحر قد نجحت من خلال توظيف: قدراتها الذاتية، وشجاعة مقاتليها، وقدراتها الفائقة على اختراق النظام، في استهداف المقرات العسكرية الرئيسة، حيث نجحت في غضون الأسابيع الماضية في توجيه ضربات نوعية ضد مطارات عسكرية، ومخازن للدفاع الجوي، وتدمير عدد من المقاتلات والمروحيات، إضافة إلى تنفيذ عمليات تفجير في مبنى الأركان وفي بعض المراكز التي تستخدمها الفرق الرابعة والتاسعة بمختلف المحافظات.

ثانياً: الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية

وفي مقابل تردد القوى الغربية وإحجامها عن المشاركة في العمليات العسكرية أو تقديم الدعم المباشر للجيش الحر، تشير المصادر إلى وجود اتفاق ضمني بين واشنطن وموسكو لتخفيف الاحتقان والتوتر الإقليمي، وذلك من خلال وقف المساعدات العسكرية للنظام والمعارضة تمهيداً للجهود الديبلوماسية يقوم بها الإبراهيمي في الفترة الحالية، حيث بادرت روسيا بسحب جميع قطعاتها الحربية من ميناء طرطوس، وأوقفت المساعدات العسكرية لنظام دمشق بصورة مفاجئة، مما يؤكد وجود توجهات لدى موسكو بإقصاء نفسها عن الصراع العسكري المتفاقم، والتعبير عن رغبتها في التهدئة مقابل تحريك الورقة السياسية التي من شأنها إنقاذ النظام، إذ إن مصادر الاستخبارات العسكرية الروسية تؤكد بأن استعادة سيطرة بشار على كامل الأراضي السورية بات مستحيلاً.

وعلى الرغم من تأكيد وزير الخارجية الروسي لافروف، وعدد من الجنرالات الروسي بعدم وجود أي تغيير في الموقف الروسي؛ إلا أن مصادر دبلوماسية غربية تشير إلى أن تناقض تصريحات المسؤولين الروس في موسكو، وفي أروقة الأمم المتحدة وفي بعض السفارات الغربية، يؤكد وجود خلافات عميقة بين المسؤولين الروس إزاء التعامل مع الأزمة السورية وطرق حلها، فقد بادرت القيادة العسكرية الروسية إلى سحب جميع القطعات التابعة لأسطولي "البلطيق" و"البحر الأسود" من ميناء طرطوس، وإلغاء المناورات العسكرية "القوقاز 2012" التي كان من المفترض إجراؤها قبالة السواحل السورية في غضون الأيام الماضية.

كما أرسلت القيادة الروسية إلى بشار رسالة مفادها أن شحنات الأسلحة الروسية ستتوقف، إلا أن التعاون الاستخباراتي وأعمال الصيانة وتبادل المعلومات ستستمر بين البلدين.

وكانت مصادر دبلوماسية قد أكدت أن العمل على إيجاد مخرج للأزمة السورية بالسبل الديبلوماسية يجري إنضاجه بهدوء بين روسيا والدول الغربية وبموافقة إيران ودول الخليج وتركيا، وتقضي تلك الخطة بتأمين ممر آمن لبشار أسد كي يغادر السلطة، على أن يضمن المرحلة الانتقالية جيش قوي موحد متماسك يُعاد تنظيمه من الموجود حالياً عبر قيادات لم تتلطخ أياديها بالدم مع إعادة دمج الضباط والجنود المنشقين، ويمكن تنفيذ تلك الخطة وفق الترتيبات التالية:

  1.  خروج بشار من الحكم: حيث باتت أكثر الدول قرباً من النظام -وعلى رأسها إيران وروسيا والصين- مقتنعة بأن النظام السوري انتهى، وأن بقاءه في السلطة بات مستحيلاً، لكنها تحتاج إلى ضمانات في مرحلة ما بعد الإعلان عن سقوط النظام، ولا تجد ذلك إلا في بقاء دور قوي للمؤسسة العسكرية خلال مرحلة انتقالية، فهذا الدور يخفف من هواجس "حزب الله" اللبناني وإيران، خاصة أن نقاشاً مستفيضاً دار في طهران حول انعكاسات سقوط بشار على ما يسمى بمحور الممانعة ودراسة سبل التخفيف من الانعكاسات السلبية لذلك السقوط.
  2.  بقاء جيش النظام وتوليه عملية انتقالية سياسية، وهي مسألة يركز عليها الغرب بصورة كبيرة، فواشنطن ومنذ اللحظة الأولى للثورة السورية لم تخف رغبتها في رؤية مجموعة من الضباط من رتب عالية ومن مختلف الطوائف تدخل إلى القصر الجمهوري في سوريا وتطلب من بشار التنحي، وذلك لقناعتها بأن المحافظة على بنية الجيش تشكل ضمانة للحدود السورية مع "إسرائيل"، كما أنه يساعد في منع قيام مجموعات "متطرفة" تعمل خارج إطار السلطة المركزية بتهديد حالة الاستقرار القائمة منذ عقود في منطقة الجولان. أما روسيا والصين فبقاء دور لجيش موحد أكثر من ضروري لهما نظراً للاتفاقيات والمعاهدات ونوعية الأسلحة التي يعتمد عليها جيش النظام.
ثالثاً: تصلب بشار، وصعوبة الموقف الإيراني

تكمن المشكلة الرئيسة في عرقلة الجهود الدبلوماسية بتصلب بشار وإصراره على التمسك في السلطة، حيث يتمتع بدعم بعض الجهات المتشددة في كل من طهران وموسكو والتي تتخوف من إمكانية انهيار النظام (الذي يقوم على دائرة عشائرية مغلقة) في حال مغادرة بشار، وترى هذه المجموعات المتشددة أن جميع هذه الترتيبات ستنهار بانهيار الدائرة المقربة من بشار والتي تمسك بأزمة النظامين الأمني والعسكري في الفترة الحالية.

وتؤكد مصادر أمنية انزعاج الدول الغربية من عدم التزام كل من: إيران و"حزب الله" بجهود التهدئة وقيامهم بتصعيد الموقف العسكري، وتكثيف المساعدات إلى نظام دمشق، حيث وصلت في الآونة الأخيرة دفعات من قوات النخبة الإيرانية جواً إلى دمشق لتوفير الدعم اللوجستي في مجالات الاتصالات وقمع المظاهرات والقنص والعمليات النوعية الخاصة خلف خطوط الجيش الحر.

وعلى إثر ذلك بادرت مصادر غربية بنشر معلومات تفصيلية عن وصول دفعة جديدة تتكون من 150 مقاتلاً إيرانياً من الحرس الثوري في رحلة خاصة من طهران إلى دمشق في 7 سبتمبر، وقد تم الكشف عن ذلك من قبل الاستخبارات الغربية لتحذير النظامين السوري والإيراني بأن تحركاتهم باتت مكشوفة، وبأنه يتم رصد عملياتهم بدقة من قبل هذه الأجهزة، وخاصة منها التحركات التي تستهدف المناطق المتاخمة للحدود مع تركيا.

وتشير مصادر مطلعة أن إيران قد أرسلت في الأيام الماضية إلى دمشق المئات من عناصر الحرس الثوري والباسيج الذين ساهموا في قمع حركات التمرد في الأقاليم الأذرية والكردية، حيث يتمتعون بالخبرة في التعامل مع الأكراد بصورة خاصة، وذلك للمساهمة في تأمين استمرار ولاء القطاعات الشمالية في البلاد بعد انسحاب جيش النظام منها، ومنع تدفق السلاح إلى المعارضة، وتنفيذ عمليات نوعية ضد الجيش الحر.

ويتم تأمين المواصلات والتمويل والتموين لتلك المجموعات من خلال مكاتب سفريات عراقية تدعي أنها ترسل "الحجاج" الإيرانيين إلى "الأماكن المقدسة" في النجف وكربلاء.

إلا أن بعض التقارير الغربية قد أشارت إلى أن الانخراط الإيراني في سوريا على مدى الأشهر الستة الماضية قد كلف الميزانية الإيرانية مبالغ طائلة، إذ إن قيمة تلك المساعدات قد تجاوزت خمسة مليارات دولار أمريكي، بما في ذلك 500 مليون دولار أموال سائلة، ذهب جزء منها لدفع رواتب عناصر الجيش والأجهزة الاستخباراتية السورية، أما البقية فقد تم إنفاقها على شراء الأسلحة والذخائر والمركبات المدرعة وغير ذلك من المستلزمات العسكرية. ويتولى قائدا فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني "قاسم سليماني" و"حسين حمداني" مسؤولية تقديم الدعم الإيراني إلى نظام بشار.

وتؤكد هذه التقارير أن طهران باتت متقينة بعدم جدوى الاستمرار في تقديم المساعدات لنظام بشار، خاصة وأن جيش النظام قد فقد قدرته في تحريك ألوية المشاة التي باتت موزعة ومفرقة، ولم تعد فرق التموين والإسناد قادرة على الوصول إليها، مما يفسر لجوء النظام إلى استخدام المروحيات والمقاتلات بكثافة في الآونة الأخيرة.

ونظراً لصعوبة السيطرة على قواته؛ فقد أصدر النظام أوامر بإخلاء قطاعات بكاملها، حتى أن الجيش قد تخلى عن أجزاء من البلاد مثل المناطق الحدودية، متمركزاً في المناطق التي يستطيع تأمين تحركاته فيها، وعلى الرغم من المساعدات التي تقدمها طهران إلا أن مساعدتها تعتمد على العناصر النوعية، ومن غير المتصور أن تتمكن من تغطية النقص العددي في جيش النظام الذي يرفض فيه المجندون الانضمام للخدمة أو المرابطة في ثكناتهم.

كما أن استمرار طهران في تقديم المساعدات المالية مع تضييق الحصار الاقتصادي عليها بات أمراً صعباً للغاية، وذلك في الوقت الذي تتوقف فيه الإمدادات العسكرية الروسية، في حين يتقلص الدعم الروسي الذي بات يتركز في الآونة الأخيرة على التأييد السياسي في مجلس الأمن.