الأربعاء 20 رجب 1440 هـ الموافق 27 مارس 2019 م
الشباب هموم وطموح
الخميس 9 جمادى الآخر 1440 هـ الموافق 14 فبراير 2019 م
عدد الزيارات : 186

 

الشباب هموم وطموح

 

تعتبر الثروة البشرية هي المكون الأهم بين الثروات التي تمتلكها الأمم، بل إن حالة المجتمعات هي انعكاس لحال أفراد المجتمع تقدما أو تخلفا، ودون تهوين أو تقليل من شأن وأهمية مختلف المراحل العمرية، يعتبر الشباب هم الشريحة الأهم بين مختلف شرائح المجتمع، نظرا لما يتمتعون به من خصائص تجعلهم محط آمال الأمم والشعوب، وقادة ورجالات المستقبل، وحلقة الوصل بين حاضرهم ومستقبلهم القريب.

الشباب مرآة المجتمع

الشباب هم مرآة المجتمع وانعكاس لحالته، فحركة تطور المجتمعات وتقدمها صعودا على مدارج الحضارة، أو هبوطا في دركات التخلف، ترتبط بالحالة التي عليها الشباب، فالشباب هم عماد أي مشروع حضاري، فعندما تنظر في الحال التي يكون عليها شباب أي مجتمع من المجتمعات عقديا وقيميا وفكريا وعلميا، تستطيع أن تتوقع مستقبل هذا المجتمع، في القريب المنظور.

وبالنسبة لشباب المسلمين، فإن حالة الغالبية منهم لا تنبئ بخير! وهذا ليس من قبيل اليأس والقنوط، فهذا ليس من خلق المسلم { إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } (يوسف:87)، ولكنه من قبيل التبصير بأحوال شبابنا واستشعارا لما عليه الكثيرون منهم من خطر، ومحاولة لتصحيح الأوضاع وإعادتهم إلى جادة الصواب، فما يعانيه الكثير منهم اليوم من اضطراب فكري، وتفلت أخلاقي ناجم في المقام الأول عن غربتهم عن دينهم واتباع سنن الأمم الأخرى والاقتداء بهم، في المعتقدات والقيم والمظهر، قال تعالى: { كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } (التوبة:69).

وجاء في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال ومن الناس إلا أولئك".

ومن منطلق أن الشباب مرآة المجتمع، فإن المجتمع الإسلامي في عهد النبوة، وما تلاه من عصور الخلافة الراشدة، ثم دول الإسلام العظيمة الزاهرة، نجد أن شباب المسلمين في هذه العصور كانوا خير شباب علما وعملا، فما كان لدولة الإسلام أن تقوم ويشتد ساعدها، وما كان للإسلام أن ينتشر ويسود خلال هذه العصور لولا جهود هذه العصبة المؤمنة من شباب المسلمين التي كانت نسيج وحدها، وعلما مميزا بذواتهم.

وقد حفظت لنا كتب السير والتاريخ، إسهامات جيل الصحابة رضوان الله عليهم في خدمة الإسلام والمسلمين في حياة النبي وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، والمقام يضيق عن ذكرهم جميعا ويعجز عن حصر مواقفهم.

الإسلام حاضنة الشباب

يعتمد الكثير من المتخصصين في العلوم الإنسانية، في دراسة مرحلة الشباب وما يمرون به من تغيرات، على مجموعة من النظريات التي تصور لنا بأن هناك صراعا يعانيه الشباب مع الأنظمة الاجتماعية القائمة في المجتمع، ومع الأسرة، والوالدين، وكل ما يمثل بالنسبة لهم سلطة بصفة عامة، نتيجة لاختلاف الاتجاهات ووجهات النظر بين جيل الشباب وجيل الآباء، مما ينتج عن هذه الحالة من الصراع اضطراب العلاقات وتفككها، وشيوع مشاعر عدم الرضا المتبادل بين أبناء الجيلين، ومن ثم فهم يؤصلون لتمرد الشباب ويغذونه في نفوسهم كحق فطري، فيعيش الشباب حالة صراع قد يطول أمده مخلفا أمراضا اجتماعية ونفسية، تؤثر بالقطع على حالة المجتمع ككل، إن لم يحسن التعامل معه واستيعابه.

وبالنسبة للإسلام فإن نظرته للشباب تختلف عن نظرة العلوم الإنسانية، فالإسلام بتشريعاته وتعاليمه أوجد البيئة الربانية، الحاضنة والمربية لشباب المسلمين، من خلال إحاطتهم بمجموعة من القواعد الهادية والمرشدة لكيفية إعداد وتربية الشباب وتوظيف طاقاتهم وقدراتهم لخدمة الإسلام والمسلمين، ونهضة أمتهم وتقدمها.

أولا: المسؤولية

المسؤولية عن الشباب في المقام الأول، تقع على عاتق من يلي أمرهم من الآباء، والمربين، وأولياء الأمور من الحكام والمسؤولين.. وقد جاء في الحديث: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، -قال: وحسبت أن قد قال: والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته- وكلكم راع ومسؤول عن رعيته" (متفق عليه).

ولأهمية المسؤولية عن الأبناء فإنها قائمة وممتدة مع الآباء حتى في لحظات النزع الأخير وقبل أن تبلغ الروح الحلقوم، قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا} (النساء:9). وقد ذكر ابن كثير، رحمه الله، في تفسيره قول ابن عباس، رضي الله عنهما، هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة.

ويقع في نطاق المسؤولية عن الشباب، حث الآباء على الاستقامة والصلاح، لأن أثرهما يتعدى صاحبهما إلى أبنائه من بعده، قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف:82).

ثانيا: تهيئة البيئة الصالحة لتنشئة الشباب تنشئة صالحة

تساعد البيئة الصالحة على توفير الظروف والأسباب اللازمة لتربية وتنشئة الشباب تنشئة إسلامية سليمة، والبيئة الصالحة يتطلب وجودها عددا من الشروط، منها:

أ - اختيار الأم الصالحة، ذات الدين، ففي الحديث، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (مسلم).

فالأم الصالحة مدرسة تربوية تساعد في تخريج أجيال صالحين نافعين لأنفسهم ولدينهم ولأمتهم.

وكذلك يجب الحرص من جانب البنت وولي أمرها على اختيار الزوج الصالح الذي سيكون أبا لأبنائها، ففي الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" (الترمذي).

ب - تحصين الذرية من الشيطان وذلك بالاستعاذة عند الجماع، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا» (متفق عليه).

جـ - اختيار الاسم الحسن: فهو الذي ينادى به في الدنيا وفي الآخرة، وقد حض الإسلام على ذلك ففي الحديث: عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحب أسمائكم إلى الله، عبد الله وعبد الرحمن" (مسلم).

د - تعليمهم أمور الدين: وأولها العقيدة السليمة، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } (لقمان:13) وتعليمهم القرآن الكريم، وعلوم السنة، جاء في الحديث: عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (البخاري)، ثم حضه على اكتساب ما يحسن من علوم دنيوية أو أعمال وحرف تساعده مواهبه على النجاح فيها.

هـ - تعهدهم بالنصح والإرشاد: بلين ورفق يحببهم في الاستماع للنصيحة وتقبلها وتنفيذها أمرا أو نهيا، ففي الحديث: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، قلت يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا" (متفق عليه).

ثالثا: تعظيم أمر الشباب

إذا كانت هناك مسؤولية تقع على عاتق الأفراد والجماعات تجاه الشباب، فإن الشباب أيضا مسؤولون عن أنفسهم أمام الله، ففي الحديث عن ابن مسعود: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وماذا عمل فيما عمل" (الترمذي وصححه الألباني).

ومسؤولية الشباب عن شبابهم يجب أن تدفعهم إلى الإيجابية في استثمارها بكل ما فيه النفع والصلاح في الدين والدنيا.

رابعا: احتواء الشباب وتفهم مشكلاتهم

تتميز مرحلة الشباب بمجموعة من الخصائص التي تطبع سلوكياتهم بطابع خاص قد يغلب عليه الحدة أو الاندفاع، مما يجعل التعامل معهم ومع مشكلاتهم يتطلب معاملة خاصة، تساعد على احتوائهم وتقبلهم وغمرهم بمشاعر الحب والرحمة، وتفهم ما يمرون به من تغيرات.

ومن أمثلة هذه المشكلات:

أ- الغلو والتشدد

حماسة الشباب وحرصهم على الطاعة والالتزام دون علم شرعي قد تؤدي بهم إلى الفهم المغلوط لحقائق الدين والتشدد في التطبيق الذي يبطل عبادتهم، ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (متفق عليه).

فحماسة هؤلاء دفعتهم إلى أن يبتدعوا في دين الله ما ليس فيه وأن يخالفوا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان الأمر في ظاهره الاجتهاد في العبادة، وهي أمور لم يقرهم عليها النبي صلى الله عليه وسلم وإنما بين ووضح لهم المفهوم الصحيح للعبادة.

ب- الانحرافات الجنسية

يتعرض الشباب لمجموعة من التغيرات الجنسية الشديدة والمتلاحقة التي قد تؤدي لمشكلات نفسية واجتماعية في حالة انحرافها عن مسارها الذي خلقت من أجله، ونظرة الإسلام للغريزة الجنسية نظرة معتدلة بلا إفراط أو تفريط، فالغريزة الجنسية غريزة فطرية فطر الله الإنسان عليها، وقد حدد الإسلام مسارا شرعيا لإشباعها وهو الزواج الشرعي، وفي حالة عدم استطاعة الزواج فعلى الشباب غض البصر والإكثار من الصيام إخمادا لشهوة الجنس وحماية من آثارها السيئة.

وتحصينا للمسلم من الوقوع في ذنب الزنا فإن الله سبحانه وتعالى نهانا عن مخالطة واقتراف الأسباب الموصلة للوقوع في الزنا، وجاء الأمر بغض البصر باعتباره إحدى الطرق الموصلة للزنا.

وقد جاء شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم استحكمت فيه شهوة الجنس وملكت عليه أمره، طالبا منه الرخصة والتصريح بالزنا، وقد غضب الصحابة من طلب الشاب ومجاهرته بالفاحشة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا منهج التعامل مع مثل هذه الحالات بمراعاة الضغوط النفسية والجسدية التي تحدث نتيجة لإثارة الحاجات الجنسية عند الشباب التي لا يجدي معها التعامل العنيف والازدراء والتوبيخ، فراعى النبي صلى الله عليه وسلم حالته وتعامل معه برفق ولين، وبعد أن أجلسه حاوره وبين له حرمة هذا الفعل، ثم دعا له مبديا له حرصه عليه ورغبته في هدايته واستقامته، وهكذا يجب أن يكون التعامل مع الشباب في مثل هذه المواقف.

جـ - البطالة

البطالة من المشكلات المزمنة التي يعاني منها الشباب، ويترتب عليها آثار خطيرة، ولذلك عمل الإسلام على وضع الحلول لها، فشجع الشباب على العمل وحببهم فيه، وبغضهم في المسألة والتسول، كما حثهم أيضا على توظيف ما لديهم من طاقات وما يمتلكونه من إمكانات حتى ولو كانت قليلة، من أجل إيجاد فرصة عمل، تساعدهم على نفع أنفسهم وذويهم ومجتمعهم.

ففي الحديث عن المقدام بن معدي كرب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده»، قال: «وكان داود لا يأكل إلا من عمل يده» (البخاري).

خامسا: تمكينهم من المشاركة في إدارة شؤون بلدانهم

ما أكثر الحديث اليوم، بحق يراد به حق، أو بحق يراد به باطل!، عن تمكين الشباب والاستعانة بهم في إدارة شؤون بلادهم، وقد سبق الإسلام في تمكين الشباب وإشراكهم في إدارة أمور البلاد، هذا في الوقت الذي كان يحكم فيه العالم بحكم ظالم مستبد يمتلك البلاد ويستعبد العباد.

فعلى عهد النبوة كان للشباب نصيب وافر في إدارة شؤون الدولة الإسلامية على كافة الأصعدة الدعوية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وبالفعل كانوا على قدر المسؤولية، وأنجزوا ما كلفهم به النبي صلى الله عليه وسلم، وليكونوا هم قادة الأمة ورجالها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

فها هو الصحابي الشاب مصعب بن عمير رضي الله عنه يكلفه النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الدعوة ونشر الإسلام وتعليمه لأهل يثرب قبل أن يهاجر إليها، وهو أمر في غاية الأهمية من ناحية نشر الإسلام وكون يثرب ستكون دار الهجرة ومقر القيادة النبوية ونواة الدولة الإسلامية التي سيهاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم.

وليس أدل على تمكين الإسلام للشباب من تأمير النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الشاب أسامة بن زيد، رضي الله عنهما، على الجيش الغازي لقتال الروم.

وعلى هذا النهج سار الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فسير أبوبكر الصديق خليفة المسلمين بعث أسامة وأبقاه قائدا للجيش كما عينه النبي صلى الله عليه وسلم، كما كان للشباب حضور دائم في تقرير شؤون الخلافة الإسلامية.

ولم يقتصر تمكين الشباب على الرجال منهم فقط، وإنما مكن الإسلام أيضا للفتيات وأتاح لهن الفرصة للمشاركة في بناء الدولة، بحسب فطرتهن وطبقا للضوابط الشرعية المتعلقة بالنساء.

فقد شاركت أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، في حادثة الهجرة بنقل الطعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أبيها في الغار، ويشهد التاريخ لأم المؤمنين السيدة عائشة، رضي الله عنها، في حفظ السنة وتعليمها والإفتاء فيما يهم المسلمين، ومواقفها المشهودة في حفظ عقيدة الأمة، وغيرها من الأمثلة الكثير.

سادسا: الشباب ساحة صراع فكري

الشباب ساحة خصبة ومجال مفتوح لحرب العقائد والأفكار، بهدف تغيير الوعي واحتلال العقول مما يجعله تحديا كبيرا قد يفوق التحديات العسكرية، حيث أصبح الغزو الفكري بكل تبعاته، في كثير من الأحيان السلاح البديل لغزو الآخر وسحقه في عقر داره.

والأمة الإسلامية مستهدفة في عقيدتها، وذلك منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وجهره بالدعوة إلى الإسلام، حيث بدأ الصراع العقائدي بين الحق والباطل، فأخذ الكفار في إثارة الشبهات في وجه المسلمين حول شخص النبي صلى الله عليه وسلم، { كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } (الذاريات:52)، وفي القرآن الكريم: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } (الأنفال:31)، وفي عقيدة التوحيد: { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } (ص:5)، مع تنويع الشبهات وزيادتها بانتشار الإسلام واتساع رقعته، حتى خرج على حياة النبي صلى الله عليه وسلم من يدعي النبوة.

والصراع الفكري صراع ممتد وهو الآن على أشده، والأمة الإسلامية مستهدفة بقوة في شبابها لتضييع الفرصة عليها في استعادة سيادتها وريادتها للأمم، فأعداء الأمة يعملون جاهدين على استقطاب شباب المسلمين وترويج أفكار وفلسفات، تصطدم مع عقيدة التوحيد وتنافيها، بهدف القضاء على الإسلام، حتى وجد بيننا من يفاخر بعلمانيته أو ليبراليته، أو يجاهر بإلحاده.

ونلاحظ أن الصراع الفكري وإن تعددت وسائله وتنوعت أدواته ولغة خطابه، ودعاته فإنه لا يخرج عن هدف واحد وهو هدم الإسلام وفض الناس عنه بالتشكيك في العقيدة وثوابتها، والطعن في السنة، والطعن في الصحابة، رضي الله عنهم، بل والطعن في شخص النبي صلى الله عليه وسلم.

وبكل أسف فإن الصراع الفكري في غالبية عالمنا الإسلامي يحاك ويدار عبر مناهجنا التعليمية، ووسائل الإعلام الرسمية، ووزارات الثقافة، والعديد من منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية.

وعلى أية حال فإن ما نرجوه من خير وصلاح لشبابنا، وما نؤمله عليهم مستقبلا لن يكون إلا بمواجهة ما يعانيه الشباب من مشكلات في الحاضر، وليس من قبيل المبالغة القول بأن الشباب في وقتنا الراهن يمثلون همًا وحملا ثقيلا على الأمة، ولاسيما في ظل ثورة التقدم التكنولوجي التي أسقطت الحواجز وتخطت عامل المكان والزمان ـ همًا في تربيته هما في تعليمه، همًا في توجيهه، وهذا يتطلب العمل الجاد لوضع خطط وبرامج فعلية لإعداد أجيال من شبابنا معتزة بدينها ومتخلقة بأخلاقه، فالشباب هو الدرع الواقي للأمة.. في قوته قوة لها وفي ضعفه ضعف لها، وهم أمانة في أعناقنا يجب أن نؤديها بحقها لأن الله سائلنا عنهم.

 

نقلا عن مجلة الوعي الشبابي- بتصرف