السبت 9 ربيع الأول 1440 هـ الموافق 17 نوفمبر 2018 م
الباحث المحقِّق والداعية المصلح عبده كوشك (1374-1436هـ / 1954-2015م)
الخميس 23 صفر 1440 هـ الموافق 1 نوفمبر 2018 م
عدد الزيارات : 60

 

الباحث المحقِّق والداعية المصلح عبده كوشك (1374-1436هـ / 1954-2015م)
 

هو عَبدُه بن عليِّ بن مصطفى كُوشَك الدَّاراني، وُلد بدارَيَّا دمشق (دارَيَّا الكبرى) عام 1374هـ (1/11/ 1954م)، تخرَّج في كليَّة الاقتصاد والتجارة بجامعة دمشق، عام 1981م. وعمل لسنوات طويلة مفتِّشًا في الجهاز الماليِّ للرَّقابة والتفتيش، ثم استقالَ للتفرُّغ للعمل العلميِّ والتعليميِّ والدعوة والإصلاح.
طلب العلم الشرعيَّ في مسجد زيد بن ثابت الأنصاريِّ بدمشق، بين عامي 1972 و1980م، فدرس الفقه الشافعيَّ وأصولَ الفقه والتفسيرَ وعلوم القرآن، وفي جامع المِنبَر في دارَيَّا الذي كان يحضُر إليه للتدريس شيخُنا محمد سعيد كوكي رحمه الله، وتخرَّج في علم الحديث والتحقيق على يد عمِّه الشيخ أبي سليم حسين سليم أسد، وتأثَّر بشيخنا المحدِّث عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله وأفاد منه.
من مشايخه:
- رائد النهضة المسجدية بدمشق الشيخ عبد الكريم الرفاعي رحمه الله.
- الشيخ محمَّد عوض رحمه الله.
- الشيخ شوكت الجِبالي رحمه الله.
- الشيخ عبد الفتَّاح السيِّد حفظه الله.
- الشيخ جمال الدين السَّيرَوان حفظه الله.
- شيخنا أسامة بن عبد الكريم الرفاعي حفظه الله.
- شيخنا محمَّد سعيد كوكي رحمه الله.
- شيخنا المحدِّث عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله.
- الشيخ المحقِّق حسين سليم أسد الدَّاراني حفظه الله.
- وأفاد من صحبة العالم والمؤرِّخ الموسوعيِّ الفلسطينيِّ الأستاذ محمَّد محمَّد حسن شُرَّاب نزيل دارَيَّا رحمه الله، وقرأ عليه كتاب (الكامل) للمبرِّد وغيره.
في مَيدان الدعوة والإصلاح:
تولَّى خِطابة (جامع المصطفى) بدارَيَّا منذ تأسيسه مدَّة عشرين سنة، وكان مديرًا للمعهد الشرعيِّ فيه لتحفيظ القرآن الكريم، ومن ثمرات رعايته للطلبة تخريجُ أجيال من حفَّاظ كتاب الله كلَّ عام.
وكانت له يدٌ طُولى في الإصلاح والعمل الخيريِّ بدارَيَّا، من ذلك:
- أسهم في بناء عدد غير قليل من المساجد فيها، مثل: جامع نور الدين الشهيد، وجامع التوبة، وجامع حُذيفة بن اليَمان، وجامع السَّمْح بن مالك الخَولاني، وجامع الحسن والحسين.
- أسهم في إنشاء (جمعيَّة الشِّفاء الخيرية) و(مشروع كفالة اليتيم) فيها.
- أسهم في إنشاء أكبر مكتبة في دارَيَّا بجامع المصطفى.
- أسهم في (العُرس الجماعيِّ) الذي زُوِّج فيه قُرابة خمسين شابًّا من أبنائها.
وله نشاط دائب في حلِّ مشكلات الأهالي، والسَّعي في حوائجهم، وكان بيته مقصِدًا لليَتامى والأرامل والمساكين.
من شمائله:
عُرف من وقت مبكِّر من حياته بالجِدِّية والعصاميَّة، فأشرف على تربية إخوته بعد وفاة أبيه، وتنشئتهم التنشئةَ السويَّة، جامعًا بين الدراسة والعمل، لضيق ذات اليد. واتَّصف بشدَّة الحرص على وقته، فكان ينكبُّ على الكتب؛ قراءةً ودراسةً وتحقيقًا، بما لا يقلُّ عن 17 ساعة يوميًّا، لا يصرفه عن الكتاب إلا السعيُ في شؤون المحتاجين والمُعوِزين القاصدين مساعدتَه.
وكان منظَّمًا في شؤونه وأعماله، لكلِّ مهمَّة في جدوله وقتٌ معلوم، حتى وجَبات الطعام لها وقتٌ محدَّد لا يحيد عنه.
ولم يكن يبالي بالدنيا أقبلت أو أدبرت، يميل إلى الزهد والتواضُع، ولا يهتمُّ بما يوضَع له من طعام، فحسبُه أن يتناولَ منه ما يقيم أوَده ويعينه على أداء رسالته.
ولا يكاد يشغله همٌّ عن حال الأمَّة والنهوض بها وبشبابها؛ رجالِ المستقبل وبُناته. مع حرص شديد على رفع مستوى أبناء بلدته دارَيَّا علميًّا وفكريًّا وسلوكيًّا. وكان سَمحًا سهلاً، يؤثر العفوَ عن المسيء، وجمعَ الكلمة ونبذَ الفرقة.
وكان رحمه الله رقيقَ الحاشية سريعَ العَبرة، قلَّما ذكر الله إلا فاضت عيناه خشيةً وإخباتًا، ومذ توفِّيَت أمُّه قبل عشرين عامًا لم يذكرها مرَّة إلا سبقته الدموع، حزنًا على فقدها.
ولبناته لديه منزلةٌ ومحبَّة خاصَّة، ما إن تدخل إحداهنَّ المنزل حتى يسارعَ إليها لاستقبالها والترحيب بها، بحنان غامر.
تحقيقاته العلميَّة:
- الشمائل المحمَّدية، للإمام الترمذي (279هـ).
- طبقات الأسماء المفردة من الصحابة والتابعين وأصحاب الحديث، لأبي بكر البَرْديجي (301هـ(
- جزء الحافظ محمَّد بن بشَّار فيما رواه عن شيوخه، برواية أبي يعلى المَوصلي (307هـ)، من سلسلة لقاء العشر الأواخر.
- الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عِياض (544هـ(
- تهذيب الأسماء واللغات، للإمام النووي (676هـ)، في 4 مجلَّدات.
- روضة الطالبين وعُمدة المفتين، للإمام النووي، في 8 مجلَّدات.
- التِّبيان في آداب حمَلة القرآن، للإمام النووي.
- رياض الصالحين، للإمام النووي.
- الأذكار، للإمام النووي.
- الكبائر وتبيين المحارم، للحافظ الذهبي (748هـ(
- تحفة المودود بأحكام المولود، للإمام ابن قيِّم الجَوزية (751هـ(
- بلوغ المرام من أدلَّة الأحكام، للحافظ ابن حجَر (852هـ(
- الروضة الريَّا فيمن دُفن بدارَيَّا، لعبد الرحمن العِمادي (1051هـ(
- نور اليقين في سيرة سيِّد المرسَلين، لمحمَّد الخُضَري (1345هـ(
- محاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميَّة الدولة الأموية، لمحمَّد الخُضَري.
- محاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميَّة الدولة العباسيَّة، لمحمَّد الخُضَري.
- إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء، لمحمَّد الخُضَري. 
وله في التأليف:
- المقصِد الأعلى في تقريب أحاديث الحافظ أبي يعلى (وهو ترتيبٌ لأحاديث مسند أبي يعلى المَوصلي على أبواب الفقه)، في 3 مجلَّدات.
- رَوض الخمائل على الشَّمائل.
-  دنيا النساء الصالحات، كلمات ومواقف.
- أنيس الأخيار في المواعظ والأخبار.
- صفَحات مشرقة من تاريخ أعلام الأمَّة.
وشارك عمَّه الأستاذ حسين أسد في إخراج عدد من الكتب، منها:
- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبَّان، للحافظ الهيثمي (707هـ)
- معجم شيوخ أبي يعلى المَوصلى.
أمَّا آخر ما حقَّق فكتاب (جامع العلوم والحِكَم) لابن رجب الحنبلي (795هـ).
وأمَّا آخر ما ألَّف، ووضع عنه القلمَ قبل يومين من وفاته فهو كتابٌ عن أعلام مدينة دارَيَّا، بعنوان (جَولةٌ مع شخصيَّات شاميَّة دارانيَّة) وكانت آخر ترجمة في الكتاب لأستاذه محمَّد محمَّد حسن شُرَّاب رحمه الله.
وصيَّته:
لشدَّة ولع الشيخ عبده كوشك بكتاب (الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى) صلَّى الله عليه وسلَّم، للقاضي عِياض، ودوام صُحبته له، أوصى أن يوضَعَ معه في قبره نسخةٌ من تحقيقه له، ليكونَ رفيقَه حيًّا ومَيتًا!
وقد أُنفذت وصيَّتُه، بوضع الكتاب عند رأسه يرحمه الله.
خاتمته:
كان امتُحن الأستاذ عبده كوشك رحمه الله في أحداث الثمانينيَّات الميلادية ولوحق وأوذي، ولكنَّ الله لطَف به وأنجاه.
ومع اندلاع الثورة الشعبيَّة في سوريا على الظُّلم والاستبداد، عام 2011م، وقف موقفًا جريئًا في نُصرة الحقِّ وأهله، وفي إثر خُطبة عصماء هاجم فيها الظلمَ والظلاَّم، عُزل عن الخِطابة، واقتُحم بيتُه، وسيق إلى المعتقَل، بيدَ أن لطف الله أحاط به مرَّة أخرى؛ إذ أُفرج عنه في اليوم التالي.
ثم اضطُرَّ مُكرهًا إلى الخروج من الشام مهاجرًا إلى الإسكندرية، في الشهر التاسع عام 2013م، عقب المجزرة المروِّعة بدارَيَّا، التي ذهب ضحيَّتَها زُهاء ألف بريء من الأهالي العُزْل، تقبَّلهم الله في الشهداء الأبرار.
ولم يكد يستقرُّ في مصرَ حتى ابتُلي بالقُلاب (داء القلب)، وأصيب بأزمة شديدة، أُجري له على إثرها جِراحةُ قلب مفتوح.
ولكنه مع ذلك لم يدَع القلم ولم يركن إلى الراحة، بل مضى على سنَّته في الشام يواصل الليلَ بالنهار في تحقيق كتب الحديث والعلم الشرعيِّ، شكر الله جهوده وكتب لها القَبول.
وفي الأشهر الأخيرة من حياته حُبِّب إليه قيامُ الليل ومناجاة الخالق سبحانه في السَّحَر، وبات يجد فيه أُنسَه وراحة باله وطُمأنينة فؤاده.
وفي الأيام الأخيرة من عمُره المبارك نشط مع عمِّه وأستاذه الشيخ حسين سليم أسد في زيارة بعض علماء مصرَ من المشتغلين بعلم الحديث، فكانت لهم زيارةٌ للشيخ المحدِّث أبي إسحاق الحُوَيني، وزيارة للشيخ مصطفى العدَوي في المنصورة، وعقب عودتهم إلى الإسكندرية من الزيارة الأخيرة وقع لهم الحادثُ المشؤوم؛ إذ دخل في سيارتهم (تراكتور) زراعي، أصاب الجالسين في الخلف إصابات بليغة، أدَّت إلى تهشُّم جُمجُمة الأستاذ ووفاته، أسبغ الباري عليه الرحَمات، وله الحمدُ دومًا على قضائه وقدَره.
ويذكُر أحد رُفقاء رحلته أن الشيخ كان مضطربًا في طريق العودة، يبدو عليه القلق وضيق الصدر، وقد طلب من الإخوة إغلاقَ النوافذ، وقال لهم: الأحسن إذا متنا أن تكونَ النوافذ مغلقة! فكأني به قد أحسَّ بدنوِّ الأجل وقرب لقاء ربِّه!
وأخبرهم المغسِّل: أنه حين أخرج جُثمانه من ثلاجة المشفى كان جسدُه على خلاف المعهود دافئًا وكأنه لم يوضَع فيها! وكان مُحيَّاه مشرقًا بابتسامة رضًا، يُرجى أن تكونَ بُشرى خير بحُسن الخاتمة.
وفي يوم الجمعة التالي لدفنه، جعل عددٌ من خُطباء الجمعة في مدينة بُرج العرب خُطبتهم عن الشيخ وعن جهوده العلميَّة، ودعَوا له بالرحمة والمغفرة.
نقلا عن موقع نور سورية- بتصرف