السبت 9 ربيع الأول 1440 هـ الموافق 17 نوفمبر 2018 م
ثماني سنوات على طريق الحرية والتغيير
الأربعاء 22 صفر 1440 هـ الموافق 31 أكتوبر 2018 م
عدد الزيارات : 109

 

الثورة السورية.. ثماني سنوات على طريق الحرية والتغيير


تحتاج الأفكار السامية والرؤى الإيجابية إلى قابليَّة إنسانيَّة تماثلها في الرقي والسمو كي تتبنَّاها للعمل، لأنَّ الأهداف الكبيرة كلما علَت مكانتها صعب الوصول إليها، وطلبت الكثير من الجهد والوقت والتعب والتضحية، وما ابتغت إلا من يستحق أن يستظلَّ بأفيائها، ويتنعَّمَ بالارتواءِ من سلْسبيلِ ينابيعها، وفي ذلك يقول أبو تمام للخليفة المعتصم الذي لبّى نداء امرأة مسلمة وفتحَ عمّورية:

بصُرْتَ بالرَّاحةِ الكُبرى فلمْ ترها         تُنالُ إلاَّ على جسرٍ منَ التَّعبِ

ولو أردنا أن نتعرَّف إلى تلك السُنَّة الكونية عمليًا من خلال استقراء الثورات والتاريخ انبثقت أمامنا العديد من النماذج، فلم تصل الحركات الإصلاحية والثورات إلى أهدافها إلا بعد رحلة متعبة مملوءة بالأشواك والكلوم والدماء والآلام، ذلك لأن للباطل صبرا كبيرا، ولأن السنن تقول إن الحق لا ينتصر لأنه الحق فقط، بل لا بد من أن يعمل ويضحي ويقدم كل ما في يديه، وأن يبذل وقتا طويلا قبل أن يصل إلى هدفه. وإنَّ لنا أيضًا دروسًا في سير الأنبياء، فكم من نبيٍّ لبث في قومه مئات السنين يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فأعرضوا مستكبرين! ولم يستجب له إلا القليل، بل إنهم رموه بالجنون وألبوا عليه غوغاءهم ومجرميهم، لكنه لم ييئَس ولم يعجَل، وهذا نبيُّ الله نوح ظلَّ يدعو إلى كلمة الحق ألف سنة إلا قليلًا {وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}.
ومن التاريخ نستعرض ثورة الشعبِ الليبي بقيادة عمر المختار على الاحتلال الإيطالي عام 1911م، فقد وقفت في وجه المحتل بأسلحة بدائية، وواجهت الدبابة بالحصان والمدفع بالبندقية القديمة، وخاضت معارك عديدة، وقدمت شهداء كثر، وظل عمر المختار في الجبل الأخضر يقاوم الطليان، ويذود عن دينه وعرضه ووطنه على الرغم من الصعوبات الجسيمة التي كانت تحيط به وبرجاله، حتى تمكنت القوات الإيطالية من أسره وإعدامه سنة 1931م.
لم يتمكن عمر المختار ورفاقه من رؤية وطنهم محررا من الاحتلال، وظل الشعب الليبي يقدم فاتورة تحرره من معاناته ودمائه حتى تمكنت أحلام أولئك الثوار من إيجادِ طريقها إلى الواقع الذي طلبوه، وذلك لم يحدث بينَ ليلةٍ وضحاها، وإنما بالعمل المستمر الصابر الذي لا كللَ يصيبُه ولا ملل.
وثورة الشامِ اليوم لا تقل كفاحًا عن غيرِها من الثورات، فقد خلفت وراءَها ثماني سنوات أرت العالمَ الكثير من الصمود والثبات والدروس التي ستبقى للأجيال اللاحقة، نزلتْ عليها الحادثات الصعاب فما أرعبت الهمم، بل أشعلَتها، وما حرَّكت أفعال المنافقينَ إلا تربة الإخلاص الطيبة في نفوس أبنائها الصادقين، فبقيت تحارب المرض، تعطي وتعمل، تصيب أحيانا وتخطئ أحيانا أخرى، وتضحي في سبيل ما تطمح إليه، وهي في ذلك تعلم أن عظم التحديات وتعقيداتُها يدل على عظم النتائج والمكافآت التي ستُحْصَد.
لقد وصلت الثورة السورية بعد ثماني سنوات من الألم والتضحية إلى مراحل عصيبة ومعقدة، تجعلنا نقف على أخطائها الماضية لتلافيها، وعلى منجزاتها لتكون حافزا على استمرارها، وفي هذا العدد من مجلة نور الشام نفتح ملف فرصة التغيير الحقيقي في سورية وإمكانية بناء مرجعية سياسية جديدة والاهتمام بالجيل الثاني من الكوادر الثورية الشبابية.