الاثنين 17 محرّم 1441 هـ الموافق 16 سبتمبر 2019 م
جاءت تسأل ..
الثلاثاء 1 صفر 1438 هـ الموافق 1 نوفمبر 2016 م
عدد الزيارات : 1215

 

 جاءت تسأل ..

جاءت تسأل عن مكان ابنها بعد مقتله، في الجنة أم النار!


ولقد ذكرتني قصتها بمئات آلاف المرابطين في حلب والغوطة وريف دمشق والموصل..

هؤلاء الذين يكتبون التاريخ اليوم، ويرسمون طريقهم إلى الخلد في الجنان إن شاء الله، بصبرهم الجميل على آلام الجوع والخوف والقتل، ويستشعرون دورهم الكبير في صدّ مشروع النفاق الإيراني الأكبر، المدعوم من قوى الصليب والإلحاد. 

نور الشام هي تلك الدماء الطاهرة والنفوس الصابرة، دماء الشهداء والأطفال، وصبر الأمهات والأبطال. 

هذا شاب  اسمه (حارثة بن سراقة رضي الله عنه) شهد غزوة بدر مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يؤذن له بالقتال لصغر سنه، فكان مع الشباب في خدمة المجاهدين الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بالحراسة والسقاية وغيرها، كما كان الشباب والشيب يجمعون الإطارات لقطع الطرق على العدو، في معركة فك حصار حلب، ثبتها الله ونصرها.  كان حارثة على حوض الماء، فجاءه سهم في حنجرته فقتله، رضي الله عنه.  جاءت أمـه تذكر شـدة محبتهـا لابنهـا، وتقـول للنبـي صلـى الله عليه وسـلم:  "يا رسول الله، قد عرفت منزلة (حارثة) مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتســب، وإن تكن الأخــرى تَرَ ما أصـنع، فقال: "ويحك، أوَهَبِلْتِ! أوَجنة واحدة هي؟ إنها جنــان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس".  عجيب! ما أقدرها على ضبط مشاعرها، رغم تعلقها بابنها الذي كان ينسـب إليها أحيانا، فيقـــال: حارثة بن الربيِّـــع. وهي الربيِّع بنت النضر، عمة أنس بن مالك، رضي الله عنهم

الموجِّه لمشاعرها والقائد لوجدانها هو النتيجة الأخرويــة. تريد النوح عليه (وهذا قبل تحريم النياحة)، لكنها مستعدة لكبح جماح نفسها وضبط مشــاعرها حين تعلــم أن ابنهــا حقق المطلوب في الآخرة.  اليقين والعلم الحيّ يحيي صاحبـــه وينعـــش حياتـــه. العلـــم بالله تعالى وحكمته ورحمتـه ولطفـــه وقدرتـــه، والعلــم بمغــزى الحيــاة الدنيــا، والعلــم بجـزاء المرابطيــن والمجاهدين والصابرين، وعاقبة المكذبين الظالمين المستبدين.  إنه الإيمان واليقين والعلـم النافـع صـانع المشـاعر والتصـرفات، وملاذ الإنسان عند المصائب والنكبات.  المخاطر والتحديات في سوريا كلها اليوم تهدّ الجبال، لكن أمثال (الربيّع أم حارثة بن سراقة) لا تحركها الأحداث الخارجية، بل جعلت (بوصلتها) داخلية، تنميها بالمعلومات اليقينيـة والموثوقــة، فتوجه تلك المعارف مشاعرها ووجدانها نحو الســلوك والفعل الأفضــل.  إنها تذكرني بقانون (90/10) وتأثيره العجيب، وهو يحتـاج إلى شـرح في مقالــة قادمــة إن شاء الله تعالى.