الأحد 20 جمادى الآخر 1443 هـ الموافق 23 يناير 2022 م
في جعبتي حكاية
الأحد 8 شعبان 1437 هـ الموافق 15 مايو 2016 م
عدد الزيارات :

 

قصة صالح عليه السلام


مرت سنواتٌ كثيرةٌ ،وجاءَ بعد قومِ نوحٍ أقوامٌ كثيرون، ومن هؤلاء الأقوام قوم عاد ، ثم جاء بعدهم قوم ثمود.
أنعم الله على ثمود كثيراً ،حتّى بنوا القصورَ العاليةَ الكبيرةَ وسطَ الجبالِ وبينَ الصّخورِ، واستفادوا من هذه النّعمِ كثيراً، ولكن يا للأسفِ! لم يكن عقلُهم بأحسن حظاً من عقول من سبقهم من الأمم الكافرةِ ، فهم لا يعبدون إلا الأوثان والأصنام، بعد أن نسوا أن الله عذب من قبلهم بسبب كفرهم ، ووصل بهم الجهل إلى أنهم طغوا وظنّوا أنّ الله ليس بقادرٍ أن يزيلهم من الوجود ِكما أزالَ من قبلَهُم ، ظنّوا أنّ الحجارةَ التي نحتوها ستنقِذُهُم ،وظنّوا أنّ القصورَ العالية ستمنعهم من الله، فكان من رحمة الله أن أرسل إليهم رجلاً من بينهم يسمّى صالح.
وكان صالحاً كما ترونَ من اسمه أيّها الأحبّة، له عقلٌ راجحٌ يفكّر في عبادة الله وحده ودعوة النّاس إليها .لكن، هل وجد آذاناً صاغيةً وقلوباً واعيةً وأعيناً مبصرةً؟
وقفَ يدعوهم فاستهزؤوا به وسخروا منه وقالوا: يا صالح، أنت العاقل الرّشيد تدعونا إلى أن نعبد الله وحده ! وأن نترك ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام والآلهة!! ولكنّ نبيّ الله صالحاً –عليه السّلام- صبر على سخريتِهِم ، واستخدم حكمته وقال: يا قوم، ما أقوله لكم هو الحقّ، إنّ الذي تعبدونَهُ من الحجارةِ والأصنامِ لا ينفعكم ،إنّي أخافُ عليكم عذاب الله، اشكروا الله الذي أعطاكم المال وأعطاكم القصور وأعطاكم البساتين وكلّ هذه النّعم، استغفروا الله، لا أريدُ منكم غير ذلك، لا أطلب منكم مالاً ولا رئاسةً، أريدكم فقط أن تهتدوا إلى الله، وتفكّروا بعقولكم  ، فإن أنتم استجبتم لدعوةِ الإيمان نجوتم ،وإلا فإن الله سيرسل عليكم عذاباً تستحقّونه بأنّكم كفرتم به.
آمن مع صالح قومٌ قليلون ،وأصرّ المستكبرون، وأخذوا يسخرون من المؤمنين القلّة ويؤذونهم. فصبرَ صالح وصبرَ القوم المؤمنونَ وتحمّلوا الكثير الكثير من الأذى والمكر.
لم يفلح مع قوم ثمود طريق النّصح ،وظنّ الكفّار أنّهم إذا طلبوا من صالح معجزةً سيعجزُ، وسيبتعد عنه المؤمنون الذين آمنوا معه، فأتوا إلى صالح -عليه الصّلاة و السّلام- وطلبوا منه أن يحقّق لهم هذا الشّيء الصّعب،ما هو يا ترى ؟
طلبوا معجزةً تدلّ على أنّه رسولٌ كما يقول، وقالوا: إذا أردتَ أن نؤمن بدعوتِكَ فهاتِ معجزةً لنصدقك، هاتِ آيةً معجزةً، وإن لم تأتِ بمعجزةٍ فإنّنا سنبقى على ما نحن عليه من عبادة الأصنام.
وفعلاً أرسل الله لهم ناقةً ، وكانت المعجزة أنّ هذه النّاقة تشربُ يوماً من نبع الماء يوماً ،وتمتنعُ عن الشّربِ يوماً آخر. وقال لهم سيدنا صالح -عليه السّلام- :هذه ناقة الله ،أرسلها الله معجزةً ، سيكونُ لها الشّربُ يوماً في كلِّ يومين، فإيّاكم أن تؤذوها ،وإيّاكم أن تغيّروا هذا النّظام، لا تمسّوها بسوءٍ فينزل عليكم عذاب الله.
ماذا فعل الكفّار بعد أن جاءتهُمُ المعجزةُ؟
فكّروا وقالوا: نحن طلبنا المعجزة وظننّا أن صالحاً سيعجز عن التّنفيذ،لكنّه أتى بالمعجزة، ماذا سنفعل !؟ لابد أن نتآمر على هذهِ الناقةِ ونقتلها، وفعلاً اتفقوا على أن يذهب بعضهم إلى المكانِ الذي تشرب منه النّاقة ويقتلوها وهي راجعةٌ من الشّرب. وخرجت الفئةُ الشّرّيرة كي تنفذ المؤامرة والجريمة، وبينما كانت النّاقة عائدةً نحروها، وعادوا إلى صالح مستهزئين ساخرين . يقولون له :هانحن قد قتلنا الناقة التي أرسلها ربك، فهات العذاب، ألم تقل أنّ الله سيعذبنا إذا نحن مسسنا هذه النّاقة بسوءٍ؟
فحزن صالح حزناً شديداً و قال لهم :تمتعوا ..قبل أن ينزل عليكم العذاب ،تمتّعوا فلقد حذّرتكم ولقد أسأتم بقتلكم الناقة فانتظروا عذابَ الله، إنّ وعدَ الله حقٌّ والعذابَ قريبٌ! سخروا أيضاً بشكلٍ أشدّ وأغرب، وسألوه أن يعجل العذاب.  
وفي اللّيل جاء وعيدُ الله وجاء العذاب ، وهبّت عاصفةٌ شديدةٌ، عظيمةُ الهول ،جعلت الكفّار جثثاً هامدةً لا تتحرك أبداً،وهكذا هلك الكفار من القوم ، واستيقظ صالح في الصّباح واستيقظ المؤمنون، فوجدوا كلّ الكافرين صرعى لا يتحركون، فقال صالح عليه السلام وهو ينظر إلى الكافرين: ((يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)).