الأحد 15 ربيع الأول 1442 هـ الموافق 1 نوفمبر 2020 م
مصابيح الأقلام *
الأربعاء 17 ربيع الآخر 1437 هـ الموافق 27 يناير 2016 م
عدد الزيارات : 12272

 

إن القلم هو منارة الأمم، وسلاحها الحاد، وصِمَام أمانها وسلامها، وعنوان وحدتها، ولمكانته العظيمة أقسم الله به فقال تعالى: ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ [القلم: 1، 2]، تشريفًا لحامله، وإلزامًا بحفظ أمانته، وتكليفًا بالصدق في تبليغ رسالته، والاضطلاع بدعوة الإسلام الشريفة، والنهوض بواجب الاستخلاف، تحقيقًا لسلطان الحق والعدل، وتمكينًا لشريعة الله في الأرض.
1- الأقلام..روح الصدق والأمانة:
إن أقلام الأمجاد هي روح الصدق والإخلاص، ولها رسالة نبيلة وقيمة وفضيلة، تخلد تاريخًا عتيدًا منقوشًا على جبين الحياة بما تحمله من معانٍ حِسان وألفاظ عِذاب.
ولا تكون الأقلام صانعةً للأمجاد إلا إذا أخلصت في أداء الحق والواجب المنوط بها، ولا يتحقق الإخلاص إلا إذا تحرَّى الكاتب الصدق في كتاباته، والأمانة في نشر أفكاره على أساس واضح المعالم، وتحرَّى النزاهة في تبليغ أفكاره، ووجَّهها لخدمة الغايات النبيلة، والارتقاء بالعقل والفكر والحس والوجدان.
ولا تكون الأقلام صانعة للأمجاد إلا إذا جاهدت في الله حق الجهاد؛ اقتداءً بمنحى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة والتبليغ، وحِفظ الأمانة العظمى.
2- الأقلام قناديل نورانية:
إن أقلام الأمجاد هي قناديل نورانية، تنشر السلام والعدل والإصلاح، وتصُون العِرْض والشرف، والفضيلة والكرامة، وتسمو بالقيم والأخلاق، وتشيع العلوم والمعارف، وتملأ القلوب والعقول بمشارق الأنوار الساطعة، وتلبس النفوس حللًا قشيبة من الحُسن والنضرة والجمال.
ولو تدبَّر الكاتب معاني ومقاصد وجوده في هذه الحياة، لأدرك بفهمه العميق معنى الالتزام بمسؤولية رعاية القلم، وأن هذا الالتزام ليس قيدًا لحريته في التعبير، بل هو تنظيم لمنهج الكتابة الناجحة وفق الحدود التي تضمن له شروط السلامة والصيانة.
3- الأقلام..تحاكي العقل والوجدان:
إن القلم الصادق..كالبلبل الشادي يغرد في كل الفصول، ولا تحاصره جغرافية المكان ولا حدود الزمان، فيحط تارةً على الغصن الرطيب، وتارةً يحط على الغصن الجاف..
ليس تمثالًا صخريًّا ثابتًا في مكانه على صورة واحدة، بل هو نسيج الحياة الإنسانية بكل ألوانها المختلفة ومشاعرها المتقلبة، وقصصها وحكاياتها، وألوان الطبيعة الجميلة والكئيبة..
والقلم الصادق..يلامس الشعور، ويحرك خفقان النبض، ويطرق الصدر، ويضمها عقد الكتابة مرصعًا بالمعاني الساطعة، فترحل خارج حصار السطور، وتخلع عنها القيود، وتنتقل من عالم الضيق إلى عالم السعة والانعتاق..
4- الأقلام..لها بصمة ورسالة:
إن من البصمات ما لها أثر خالد وإشراق ساطع يسري إلى الأرواح سريان الأريج الفواح، فمن رام بلوغ المعالي خلد أثرًا طيبًا به يعرف بين العالمين، ويُذكَر في عِلِّيين؛ فهو الإرث الخالد، والفرع الذي يمتد امتداد الأصل الثابت، ويصل القلوب بميثاق الوفاء..
والكاتب الصادق..له بصمة ووهجٌ مشرق، وبريقٌ ساطع يجذب إليه القارئ، ولحروفه وكلماته قوة ودفء يصهر صقيع المشاعر، ولأسلوبه الفصيح البليغ سحرٌ وجمال، وروحٌ تعبر بصدقٍ وعذوبة وانسياب، تبعث الذكريات القديمة والتاريخ المنسي، وتحرِّك مخاض المعاني، وتوقظ نبضاتها الخاملة في قلب القارئ وعقله..
والكاتب الصادق..يحمل غاياتٍ نبيلة ومقاصد سامية توجه قلمه وفكرته وأسلوبه ورسالته، ومن فقد ذاك المعنى والجوهر فقَدَ هيبة قلمه ووقاره، وخلع عنه مسحة الحياء والاستقامة، وأراق ماء وجهه، وارتدى لباس الخلاعة، وانحنى قلمه صاغرًا ذليلًا مهيض الجناح، لا يحرك ريشة في محبرة، ولا يقيم أصلًا ولا فرعًا ثابتًا، ولا فكرة صائبة، ولا قاعدة شامخة، ولا يذكر بين العالمين بسمتٍ حسن، ولا علم نافع، ولا أثر طيب ذي مهابة وجلالة..
وفي الختام..
أوقد هذه المصابيح المنيرة في طريق حملة الأقلام فأقول:
دع قلمك..يكتبك نقشًا على صفحات العمر، ووشمًا على الصدر يشرق، ونبضًا خافقًا يهتف للوجود، وبالحق يصدع..
دع قلمك حرًّا طليقًا، يصل إلى أبعد مكان، ويمتد امتداد الفروع عن الأصول، فتزهر أفكارك كما النبات الطيب يهيج ويخضر، وكما السراج المنير يسطع ويتلألأ..
وأطلق سراح الكلمات..بلا قيود تصهرها في زمن القيظ والقحط، واكسر الطوق لتبصر النور حين يتوهج بلا حجبٍ كثاف ولا ظلال، وبلا منفى خارج الحدود، فتحيا غريبًا تبحث عن بقايا وطن مخلع، وكلام سائبٍ مرتجل، منطوقٍ بلسان أعجمي بلا عنوان ولا تاريخ ولا هوية..
وتذوَّقْ حلاوة التعبير بلسان عربي أصيل غير منتحل، كبلبل يشدو ويغرد ويتهادى مزهوًّا بأريج الزهور وعطر الياسمين والنرجس..
فأنت بدون عطر السلام لن تكون شادن الأرواح ذا بهجةٍ على الثغر باسمًا..
------------
(*) باختصار