الأربعاء 21 ذو القعدة 1445 هـ الموافق 29 مايو 2024 م
الوصايا العشر في التعامل مع الحوادث والنوازل
الخميس 1 ذو الحجة 1435 هـ الموافق 25 سبتمبر 2014 م
عدد الزيارات : 2768

 

الوصايا العشر في التعامل مع الحوادث والنوازل (*) 

 

هذه بعض الوصايا التي أوصي بها نفسي وإخواني المسلمين، لا سيما الدعاة والمجاهدين منهم، وذلك في خضم هذه الحوادث الكبيرة والنوازل المتسارعة والمتلاحقة التي يشهدها واقعنا اليوم:
 

الوصية الأولى:

اللجوء إلى الله عز وجل ودعاؤه والتضرع بين يديه وسؤاله الهداية للحق؛ لأنه سبحانه هو وحده الهادي والموفق للحق والثبات عليه، قال الله عز وجل: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]، وقال عن دعاء خليله إبراهيم عليه السلام: {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: ٧٧].
ولو تأملنا أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رسول الهداية، لرأينا كثيرًا منها في الثبات على الدين والهداية إلى الحق.
وأكتفي بالدعاء العظيم الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحافظ عليه في كل ليلة في استفتاح صلاة التهجد، ألا وهو قوله: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض. عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
وإذا علم الله عز وجل صدق عبده وتوكله عليه، وفّقه للأسباب التي يهديه بها إلى الحق والسداد، أما إذا نسي العبد هذا الأمر وقلّ دعاؤه وسؤاله لربه عز وجل وأُعجب بنفسه وبرأيه؛ فإن الله عز وجل يكله إلى نفسه ويتخلى عنه، ومن تخلى الله عز وجل عنه فلا تسأل عن خيبته وضلاله وخسرانه.
 

الوصية الثانية:

الحذر من الهوى ودخول حظ النفس في تفسير الأحداث والمواقف منها؛ لأن الهوى وحظ النفس يقودان صاحبهما إلى التعصب والتحزب لهذه الطائفة أو تلك، أو لهذا الموقف أو ذاك، وهذا من ضعف التجرد لله عز وجل في طلب الحق، وكأن هذا المقلد يدّعي العصمة لمن قلده، وهذا يتنافى مع منهج أهل السنة والجماعة، الذين شعارهم قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: (وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا).
لذا يرفعون شعار (اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال)، وشعار (اقبل الحق ممن أتى به ولو كان بغيضًا)، ويرفضون وينبذون شعار (من لم يكن معي فهو ضدي).
 

الوصية الثالثة:

حُسن الظن بالله عز وجل وأنه سبحانه حكيم لطيف عدل في قضائه وقدره، وأن رحمته في قضائه للمسلم قد سبقت غضبه. ومن ذلك ما قدره سبحانه على الأمة من نوازل وحوادث، حيث إنها مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وله الحكمة البالغة في ذلك.
وتأتي أهمية هذه الوصية في أثرها على اطمئنان القلوب ورد الوساوس الشيطانية التي تبث اليأس والإحباط والشبهات في النفوس، واليقين بأن العاقبة للمتقين.
 

الوصية الرابعة:

ضرورة العلم بالشرع والبصيرة في الدين والوعي بالواقع وأثر ذلك في معرفة الحق والسداد في المواقف، فبالعلم تزول الشبهات التي تغطي على الحق، وغالب من لم يوفق للحق الجهلة من الناس، سواء كان هذا الجهل في الدين وأصوله وأحكامه، أو في الواقع وفهمه والوعي بسبيل المجرمين.
وإن من أهم ما ينبغي العناية به العلم بالقواعد الشرعية وأدلتها ودورها في فقه الموازنات والتعارضات التي تظهر عادة في الحوادث والنوازل.
وفي هديه صلى الله عليه وسلم مواقف كثيرة من هذا، من ذلك: تركه قتل بعض من أظهر نفاقه كراهة أن يقال إنه يقتل أصحابه، وتركه إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام لأن قريشًا كانوا في أول إسلامهم؛ فخشي من الفتنة، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن إقامة الحدود في الغزو وفي البلاد الحربية؟!
 

الوصية الخامسة:

التثبت التثبت: 
إن مما يسهم اليوم في مجانبة الحق والصواب في المواقف: المسارعة في نقل وتداول الأخبار ونقل الأحداث دون توثيق وتثبت منها، ومن ثم تتخذ المواقف والأحكام المتسرعة على أساسها، ما ينجم عنه الأحكام والمواقف الجائرة التي قد يندم صاحبها عليها، لكن حين لا ينفع الندم.
فالتثبّت من كل خبر ومن كل ظاهرة قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم ومنهج الإسلام القويم، ومتى استقام القلب واللسان على هذا المنهج لم يبقَ مجال للظن والشبهة في عالم المواقف والأحكام. والتثبت المنشود هنا يعني نوعين من التثبت:
•  التثبت من صحة الخبر المسموع أو المقروء أو المشاهد، والتوثق التام من صحته والاطمئنان إلى صدقه.
•  إذا تبيّن صحة الخبر المنقول فلا يسوغ بناء الأحكام والمواقف منه حتى يقف وقفة أخرى من التثبت، ألا وهي التثبت من خلفيات الخبر والملابسات التي أحاطت به؛ حتى يحصل وضع الحكم والموقف منه في حجمه الطبيعي دون جور أو عدوان، وقد يظهر فيه عذر ومبرر شرعي لأصحابه.
وهذا النوع من التثبت هو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في مواقفه من الأخبار، فقد تكرر في مواقف كثيرة وقبل أن يتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم موقفًا من صاحب الخطأ، أن يقول لصاحب الخطأ: (ما حملك على ما صنعت) وهذا تثبت منه صلى الله عليه وسلم من أسباب وملابسات الوقوع في الأخطاء.
 

الوصية السادسة:

الرفق والحلم والأناة والاستخارة والاستشارة
إن من أخطر الأمور على المسلم أيام الحوادث والنوازل، عجلته وتسرّعه فيها، وتركه الرفق والأناة، فكم من الذين تسرعوا وتورطوا في الفتن قد أقروا بندمهم على عجلتهم في أمر كان لهم فيه أناة؟
والحلم والتأني عواقبهما محمودة والخطأ فيهما أهون بكثير من الخطأ في التسرع والعجلة. ولا تعني الدعوة إلى الحلم والأناة في المواقف أن لا يكون للمسلم موقف، أو أن تفوت الفرص النافعة، وإنما المقصود أن يعطي المسلم نفسه وقتًا كافيًا يتأمل فيه ويتثبّت فيه من الأمور، وألا ينفرد برأيه فيها، بل يستشير فيها أهل العلم والحكمة والدين والتجربة، ويستخير ربه فيما هو قادم عليه؛ لأنه سبحانه هو وحده العالم بمآلات الأمور وعواقبها؛ ولذلك شرع لنا دعاء الاستخارة.
ومما يدخل في العجلة أمام النوازل والفتن، التسرع في تطبيق بعض أحاديث الفتن في آخر الزمان على واقعة بعينها أو شخص بعينه، وبناء على ذلك تتخذ المواقف، ويحصل من ذلك فتن وبلايا، والسلف علمونا أن أحاديث الفتن لا تنزل على واقع حاضر، وإنما يظهر صدق النبي صلى الله عليه وسلم بما أخبر به من حدوث الفتن بعد وقوعها وانقضائها بعد ظهور أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم لها وما آلت اليه.
ومن العجلة المذمومة التسرع في التكفير لمعين من المسلمين لأدنى شبهة لم تستكمل شروط التكفير وانتفاء موانعه.
 

الوصية السابعة:

ترك الانشغال بحوادث لم تقع والبحث عن الموقف منها
ومن ذلك كراهية السلف التعجل في إفتاء الناس في قضايا لم تقع بعد؛ ذلك لأن الوقائع والأحداث تختلف في وصفها وتصورها قبل الوقوع عنها بعد الوقوع؛ وذلك لما يظهر فيها بعد وقوعها من الملابسات والأحوال ما لم يكن معروفًا قبل الوقوع. وظهور هذه الملابسات للمفتي يعينه على تصور الواقعة من جميع جوانبها، ومن ثم الوصول إلى الصواب في الحكم عليها والموقف منها.
ومن مخاطر ذلك ما ينجم عن بعض المتحمسين للدعوة والجهاد من افتراض أمور ووقائع لم تقع بعد، ثم يختلفون فيها وفي الموقف منها لو وقعت، وقد ينتهي الحال بالمختلفين في هذا الأمر الذي لم يقع إلى الافتراق والهجر، بل التبديع والتكفير، وهذا من عمل الشيطان ونقصان العقل.
 

الوصية الثامنة:

لزوم الجماعة وتآلف القلوب ونبذ الفرقة
فالجماعة أصل، ولا يجوز بحال أن يضيع الأصل للمحافظة على الفرع، كما هو الحال اليوم عند كثير من المختلفين، حيث تجدهم يختلفون في فرع أو جزئية، فيتسبب هذا في افتراقهم وتخاصمهم، وهذا من الجهل، وقد يكون من الهوى، ولم يكن هذا هو هدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد كانوا يحرصون على الجماعة، ومن أجلها كانوا يتركون بعض السنن، فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما أتم عثمان رضي الله عنه الصلاة بالناس في منى أتم معه الصلاة مع رأيه أن ذلك خلاف السنة، ولما قيل لعبد الله بن مسعود: "عبت على عثمان ثم صليت أربعًا. قال: الخلاف شر"، وفي ذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة".
وإن مما يعين على جمع القلوب وتآلفها إحياء صفة التراحم والتغافر بين المسلمين والعمل بقوله تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، فعلينا أن ننمّي وننشر الرحمة بيننا مهما حصل من الخلاف، وعلينا بناء على ذلك أن نضفي شعور الولاء والمودة والإخاء وحسن الظن.
 

الوصية التاسعة:

تقوى الله عز وجل والعمل الصالح والإكثار من العبادات
فكلما كان العبد متقيًا لله عز وجل، قائمًا بالأوامر، تاركًا للنواهي؛ كلما كان أسعد بالموقف الحق عند النوازل، قال الله عز وجل: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: ٢].
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).
ومن الأعمال الفاضلة التي يوفق الله العبد بها للحق: كثرة الاستغفار والتوبة إلى الله عز وجل والإنابة إليه، وكثرة ذكر الله تعالى.
 

الوصية العاشرة:

الحذر من إرجاف المنافقين وتخذليهم
أيام النوازل والفتن يشرئب النفاق وأهله ويظهرون بقرونهم، ويسعون جاهدين لإثارة الوساوس والشبهات والشهوات في مجتمعات المسلمين، مما قد ينخدع بمكرهم فئام من الناس؛ ولذا وجب على الدعاة وأهل العلم التصدي لهؤلاء المنافقين، ورد شبهاتهم، وفضحهم، وتحذير الأمة مما يقومون به عند النوازل من إثارة الخوف والإرجاف والتخذيل والإحباط وبث اليأس في قلوب المسلمين. وهذا من جهادهم الذي أمر الله عز وجل به رسوله، وأمته تبعٌ له في ذلك: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْـمَصِيرُ} [التحريم: ٩].
 
-------------------------------------------------
(*) باختصار