الخميس 7 ذو الحجة 1445 هـ الموافق 13 يونيو 2024 م
كلمة العدد الثالث والعشرون
الاثنين 6 ذو القعدة 1435 هـ الموافق 1 سبتمبر 2014 م
عدد الزيارات : 2442

 

سنة الاستبدال

 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن الله تعالى خلق الإنسان واستخلفه في الأرض؛ ليقوم بعبادته وتحقيق الغاية التي خلقها من أجلها أفرادًا وجماعات، قال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]. 
فإن قام الإنسان بهذه الأمانة، فقد حقق الاستخلاف، وقام بما عليه من واجب شرعي، ويختلف هذا الواجب من وقت ومكان لآخر، فقد يكون الواجب في وقت ومكان هو الجهاد في سبيل الله تعالى، ومحاربة الأعداء؛ لرفع راية الإسلام.
وقد يكون في مكان ووقت جهاد الخارجين  عن جماعة المسلمين من الفرق المنحرفة، أو الغالية.. وهكذا.
 
فإن قام المسلمون بواجبهم في رعاية هذه الأمانة، وقاموا بالأوامر والتشريعات، فأن الله تعالى نالوا وعد الله تعالى بالتمكين في الأرض: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} الْآيَةَ [النُّورِ: 65].
قال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره": " هذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بِأَنَّهُ سَيَجْعَلُ أُمَّتَهُ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ، أَيْ: أئمةَ النَّاسِ والولاةَ عَلَيْهِمْ، وَبِهِمْ تَصْلُحُ الْبِلَادُ، وَتَخْضَعُ لَهُمُ الْعِبَادُ، ولَيُبدلَنّ بَعْدَ خَوْفِهِمْ مِنَ النَّاسِ أَمْنًا وَحُكْمًا فِيهِمْ".
وحصلوا على بركات السماوات والأرض، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]، وقال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66].
 
قال في "الظلال" عن قوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ}: "فوعد الله المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره.. فمن هم هؤلاء الذين ينصرون الله، فيستحقون نصر الله، القوي العزيز الذي لا يهزم من يتولاه؟ إنهم هؤلاء:
{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ} .. فحققنا لهم النصر، وثبتنا لهم الأمر.. {أَقامُوا الصَّلاةَ} .. فعبدوا الله ووثقوا صلتهم به، واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين.. {وَآتَوُا الزَّكاةَ} .. فأدوا حق المال، وانتصروا على شح النفس، وتطهروا من الحرص، وغلبوا وسوسة الشيطان، وسدوا خلة الجماعة، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج، وحققوا لها صفة الجسم الحي- كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ..
 
{وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ} .. فدعوا إلى الخير والصلاح، ودفعوا إليه الناس.. {وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} .. فقاوموا الشر والفساد، وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقى على منكر وهي قادرة على تغييره، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه..
هؤلاء هم الذين ينصرون الله، إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة، معتزين بالله وحده دون سواه. وهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالنصر على وجه التحقيق واليقين.
فهو النصر القائم على أسبابه ومقتضياته. المشروط بتكاليفه وأعبائه.. والأمر بعد ذلك لله، يصرفه كيف يشاء، فيبدل الهزيمة نصرا، والنصر هزيمة، عند ما تختل القوائم، أو تهمل التكاليف: «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» ..
إنه النصر الذي يؤدي إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة. من انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح. المنظور فيه إلى هذه الغاية التي يتوارى في ظلها الأشخاص والذوات، والمطامع والشهوات..
 
وهو نصر له سببه. وله ثمنه. وله تكاليفه. وله شروطه. فلا يعطى لأحد جزافا أو محاباة ولا يبقى لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه..".
أما إن حصل انحراف عن هذا الطريق، ولم يقم المسلمون بما أمرهم الله به، فهم معرضون لسنة التبديل التي لا تتغير ولا تتخلف، وأعطيت الأمانة لقوم آخرين لامتحانهم وابتلائهم بتلك الأمانة، كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140].
"وَفِي الْآيَةِ تَخْوِيفٌ وَتَنْبِيهٌ لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورئاسة فَلَا يَعْدِلُ فِي رَعِيَّتِهِ، أَوْ كَانَ عَالِمًا فَلَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ وَلَا يَنْصَحُ النَّاسَ، أَنْ يُذْهِبَهُ وَيَأْتِيَ بِغَيْرِهِ". [تفسير القرطبي].
وحقيقة هذا الاستبدال أنه نقمة وعذاب، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53].
لذا فإن الاستبدال يكون بقوم آخرين، مطيعين، قادرين على تحمل أمانة التكليف: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].
"أَيْ: وَلَكِنْ يَكُونُونَ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ لَهُ وَلِأَوَامِرِهِ".
وما دام المسلم في فسحة من أمره، فليحرص على أن يكون هو المكلف بحمل الأمانة، وإلا فإن سنة الاستبدال لا تتخلف ولا تتبدل!