الثلاثاء 20 ذو القعدة 1440 هـ الموافق 23 يوليو 2019 م
النموذجان التركي والعربي بين الواقع والممكن
الكاتب : زرواق نصير
الخميس 28 شعبان 1435 هـ الموافق 26 يونيو 2014 م
عدد الزيارات : 1089

 

النموذجان التركي والعربي بين الواقع والممكن 

 

هل من الموضوعي الحكم بأن حزب العدالة والتنمية قد أنهى نظريا منظومة حكم الجيش، ولم يبق أمامه إلا عملية التفكيك الفعلي لعقيدته وتحجيم دوره وتحديد صلاحياته بما يكفل منعه النهائي من الفعل السياسي خارج الإطار الدستوري والقانوني، وترسيم الحكم المدني خيارًا لفكر الدولة ومستقبل تركيا السياسي بمرور الوقت بعد "النصر النهائي" في الانتخابات البلدية الأخيرة؟
وهل نحن أمام "نموذج إسلامي" جديد قادر على التحول إلى مركز استقطاب إقليمي وربما عالمي في السنوات العشر القادمة، مما سيغير في الأوزان والأحجام، ويشكل منظومة إقليمية جديدة؟
إن إنجازات التيار الإسلامي التركي الذي يتطلع العرب ممن ينشدون تغيير أوضاع مجتمعاتهم وأوطانهم إليها، ويبدون إعجابهم الشديد به كأنجح النماذج الإسلامية في "التغيير" وأكثرها إبهارًا (فكرًا ومنهجًا وسلوكًا) تثير أسئلة واستفهامات، وتغذي جدلاً بالنظر إلى حجم النجاحات التي تحققت عبر مسار نخبة حزب العدالة والتنمية، مع تزايد الاهتمام بسبب وضوح ونجاح توجهه الإسلامي وسط "بيئة عسكرية علمانية" في الفكر والمنهج والملمح، على مستوى منظومة الدولة وآليات ممارسة الحكم من حوله.
هذا في مقابل النموذج العربي الإسلامي "التائه" الداعي إلى التغيير، وهو يراوح مكانه في ظل مشروع أنظمة "دولة ما بعد الاستعمار" المترهلة أساسًا.
"المكتسبات الجديدة من رفاهية اجتماعية وانتعاش اقتصادي سياحي وتجاري ومالي، واستقرار أمني، مكتسبات كبيرة يصعب على الأتراك التنازل عنها، وهو ما يرفع نسب القبول والارتباط والتكيف مع أفكار الحزب".
فهي نجاحات متكاملة: أمنيًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وتجاريًا وثقافيًا، بفعل الالتزام الفكري والانضباط التنظيمي العالي، فتعاظم الدور التركي خارجيًا، كقوة استطاعت أن ترسخ سياسيًا واقتصاديًا وتجاريا قَدمًا في محيطها الإقليمي كفاعل محوري، وأن تضع الأخرى في المشهد الدولي لاعبًا مؤثرًا في ميزان القوى له صوت مسموع في صناعة القرار.
وتبقى الأوراق الداخلية الجديدة، من رفاهية اجتماعية وانتعاش اقتصادي سياحي وتجاري ومالي، واستقرار أمني، مكتسبات كبيرة يصعب على الأتراك التنازل عنها، مما يرفع نسب القبول والارتباط والتكيف مع أفكار الحزب، وهو ما يعني مزيدًا من التمدد الاجتماعي وتضاعفًا لأعداد الموالين لطرحه، ويضفي على التغيير سرعة ومرونة في الحركة، بالإضافة إلى تسهيل عملية الحد من صراع الهويات بين العرقيات ومكونات المجتمع التركي.
إن المواطن لا تهمه كثيرًا أفكار المسؤول أو توجهاته السياسية، بقدر ما ينظر إلى ما يقدمه إليه في شأنه المعيشي اليومي، فما ينطبع في ذهنه هو مدى الاهتمام به والاجتهاد في حل مشكلاته وتسهيل معاملاته، أما الشعارات فسريعًا ما تضيع في زحمة المطالب، وهو الواقع الذي فهمته نخبة العدالة والتنمية، التي أثبتت مهاراتها الإدارية ونظافة يدها وذمتها ونزاهتها في تقديم الخدمات والتوازن في التنمية خاصة في المناطق الأكثر هشاشة وتهميشًا.
كما تعاطت مع الشأن المحلي بحرفية عالية، فلم تتجاهل أساسيات ومطالب المواطن ولم تقفز عليها، بل واجهتها وأقنعته أنها قادرة على إدارة شؤونه المحلية اليومية وإيجاد مخارج وبدائل لحلها.
وأما إقليميًا، فستدعم تلك النجاحات خيارات وتوجهاتها الخارجية بعد التحرر من ضغوط المعارضة العلمانية، وستقوى مواقفها من قضايا ومشكلات محيطها (الثورة السورية، القضية الفلسطينية، الأزمة المصرية) وتعزز قيادتها ومركزيتها للمحور السني "الجديد" لتقويته وحمايته وتوثيقه، مع توسيعه إلى مناطق أخرى إن هي نجحت في حسم إدارة "صراع المركزية" الإقليمي أو ترجيحه لصالحها.
أما دوليًا فإن حاجة أميركا لضبط التحولات والتحكم في المسارات السياسية في المنطقة مع رجال دولة قوية وليس مجرد "حكام" كلها ظروف تخدم المشروع التركي بامتياز، إضافة إلى المصالح الأوروبية الأميركية الضخمة في تركيا اقتصادًا واستثمارًا وتجارة، طبعًا دون إغفال حاجة حلف الناتو غير المتناهية لتوظيف اتفاقية "مونترو" ضد الخصوم الدوليين (في ظل أزمة القرم خاصة) التي ستخرج تركيا من وضعية الابتزاز التي كانت تمارس عليها في ظل حكم الجيش كمجرد ظهير عسكري للحلف، إلى شريك سياسي فاعل كفيل بتغيير معادلة العلاقة.
ولكن كيف صنع الإسلاميون الأتراك الفارق بهذا الحجم بينهم وبين الإسلاميين العرب، فكان التراكم والصعود والقبول مقابل التشتت والسقوط والتوجس؟
بين ثبات الخط ووضوح الوجهة عندهم وبين اضطراب الخط وضبابية الاتجاه عندنا؟
علمًا بأن أوضاع الفريقين متشابهة سياسيًا واقتصاديًا وحتى اجتماعيًا إلى حد كبير مع بدايات المشاركة السياسية المتزامنة تقريبا للفريقين مطلع التسعينيات من القرن الماضي.
"بغض النظر عن الأسباب التي أوصلت تركيا إلى ما وصلت إليه، وكيف انتهت أوضاع العرب إلى ما انتهت إليه، علينا الاعتراف بأن عملية "التغيير" تحتاج إلى "امتلاك" أدوات التغيير بعد "نضوج" هذه الأدوات".
فمن حيث جوهر منظومة الحكم في الجانبين فهو عسكري، يعتمد على النخب السياسية والعلمية والمثقفين والإعلاميين وأصحاب المال والبيروقراطيين والأحزاب، وهي نخب منخرطة تمامًا مع منظومة الحكم، وتدافع باستماتة شديدة لإقصاء المعارضة "الفكرية" من التيارات والجماعات والأحزاب خاصة الإسلاميين، علمًا بأن المؤسسة العسكرية التركية الأكثر تطرفا في مسألة "تقديس" علمانية الدولة وإقصاء اللون الإسلامي من نظيراتها العربية، مع مشكلات وأزمات اجتماعية تكاد تكون متطابقة.
كما انتهت أوضاع المنظومتين إلى الجلوس على هامش المشهد الدولي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وعلميًا حتى نهاية الحرب الباردة في الثمانينيات من القرن الفائت (تفكك الكتلة الشرقية ونهاية الحرب الباردة) وبداية التحولات العالمية وطرح قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية الحزبية واقتصاد السوق، ومعها بدأت مرحلة جديدة تلوح في الأفق وترسم معالم الدعوات إلى "التغيير" تحت عنوان العولمة وإن اختلف في تقييمه والتكيف معه.
بغض النظر عن الأسباب التي أوصلت تركيا (حزب العدالة والتنمية) إلى ما وصلت إليه، وكيف انتهت أوضاع العرب إلى ما انتهت إليه، علينا الاعتراف بأن عملية "التغيير" تحتاج إلى "امتلاك" أدوات التغيير بعد "نضوج" هذه الأدوات.
فالتغيير ليس مجرد دعوة إلى التغيير، بل هو عملية طويلة ومعقدة تحتاج إلى استيعاب دقيق للواقع وآلياته وروابطه وعلاقاته، وفهم كبير لأولويات التغيير ومقوماته وأهدافه، مع وجود نخبة مؤهلة فكريًا وسياسيًا ومنهجيًا وتنظيميًا وأخلاقيًا، تتصف بالالتزام والانضباط الحزبي التنظيمي، والتفاعل الإيجابي مع الناس وواقعهم والنزول إليهم والقرب من حاجاتهم ومشكلاتهم وحسن حساب المسافة الحقيقية الفاصلة بين الواقع والممكن، والفجوة القائمة بين الدعوة إلى التغيير، ومدى قدرات وإمكانات دعاة التغيير، حتى لا يتحول "التغيير" إلى عملية" تدمير" للذات ولمنجزات الوطن واستقراره.
فرغم تشابه المسارات التاريخية للممارسة السياسية، فقد تباينت مآلات الأوضاع كليا بين الفريقين.
لقد عبر "القائد" أردوغان أثناء حديثه في خطاب الانتصار (الانتخابات البلدية 2014) وفي لحظة انفلات عاطفي شديد عن استعادة تركيا خطها الزماني الإسلامي، وثقته في النجاح في عملية حركة الإحياء الاجتماعي والتجديد السياسي بهدوء وإن واجهته عقبات حين أهدى "النصر" إلى الأب الروحي لحزبه المرحوم سعيد النورسي الكردي، واستحضر (المنهج) في الأذهان بحديثه عن "الدعوة الأبدية"، واستدعى "روح ومقومات" العمل الإسلامي في "رسائل النور"، مرورًا بالأب العقلي للفكر السياسي المرحوم أربكان الذي استند إلى ميراث النورسي الروحي والتنظيمي، وانتهاء بتقديم فريق عمله على أنه مجرد "خادم" يضع مصلحة شعبه ووطنه على رأس أولويات حزبه بتجرد تام عن "تضخيم الأنا".
"ما أحوج الإسلاميين في العالم العربي، للتعلم من الدرس التركي، إعادة تقييم مفهوم القيادة ومؤهلات النجاح، وإعادة وزن الأحجام، مع ممارسة الكشف الذاتي للمسار السياسي ومدى صلاحية الأدوات ونضجها".
ولعل ذلك هوما يفسر طبيعة التكوين العقلي والتشكيل الثقافي بين عالمين: تركي يحسن التفاعل المرن مع الواقع ويجدد آلياته ويطور محددات التواصل مع المجتمع والنظام، قادر على التحرر من "القوالب التنظيمية "الجامدة والبالية وإيجاد البدائل، والمراجعة الدورية لحساب المسافة بين الواقع والممكن، والاستعداد الدائم للتعاطي مع المواقف ؛ليضع تصوراته ويهيئ أدواته ويدقق قراءاته (حالة التيقظ والجاهزية)، وعالم عربي يفتقر إلى الاستعداد والقدرة على استيعاب هذه الديناميكية في العمل السياسي التي تنتج صحة قراءة أبعاد الواقع إلى حد كبير.
ما أحوج الإسلاميين في العالم العربي، للتعلم من الدرس التركي، إعادة تقييم مفهوم القيادة ومؤهلات النجاح، وإعادة وزن الأحجام: فكرياً وسياسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا ومعرفياً ونفسًيا وعلميًا، مع ممارسة الكشف الذاتي من إعادة تقويم المسار السياسي ومدى صلاحية الأدوات ونضجها، ومراجعة الخيارات لتقف على حقيقة ما انتهت إليه من أوضاع لا تعكس عراقة مدارسها، بدل أن تلقي دائما بإخفاقاتها وتراجعها على "الأنظمة الحاكمة" لأن "التغيير" ينتزع ولا يعطى، وله طرق وأساليب ليست بالضرورة ثورية دموية، وأنه لا نجاح لأي نموذج للتغيير لا تصنعه بيئته وفق آليات وأدوات الواقع نفسه الذي يراد تغييره، علمًا بأن نجاح التغيير في العالم العربي ضرورة ملحة لتركيا لحماية ظهرها السياسي والإمساك بأوراق وضعها الجيوسياسي.
إن انتصار الحرية والعدالة التركي، ليس نتاج قفزة نحو المجهول، إنه ثمرة عمل منظم طويل وشاق قامت عليه نخبة مفكرة تطلب الكثير من الوقت والكثير من الحكمة والكثير من الصبر، وبينها فهم دقيق لروابط ومكونات وأولويات الواقع وتقدير صحيح للمسافة الحقيقية التي تفصل بين الواقع القائم المراد تغييره والممكن القادم الذي تستطيع تحقيقه، ومراجعات عميقة مستمرة للمسار على هدي من معطيات الواقع كما هو، لا كما يقدره "القادة" في أذهانهم.. نعترف بأنه سحر البناء وعبقرية التفكير والقدرة على العطاء.