الثلاثاء 12 ذو القعدة 1442 هـ الموافق 22 يونيو 2021 م
ما العيوب التي يجب الإخبار بها عند الخِطبة؟
رقم الفتوى : 209
الأربعاء 14 شوّال 1442 هـ الموافق 26 مايو 2021 م
عدد الزيارات : 1441

ما العيوب التي يجب الإخبار بها عند الخِطبة؟

السؤال: ما العيوبُ التي يجب على الخاطب أو المخطوبة بيانُها عند الخِطبة، وهل يلزم الإخبارُ بكل عيب ولو كان صغيرًا؟ وما القاعدة في هذا الباب؟

الجواب:

الحمدُ لله، والصلاة والسلامُ على رسول الله، وبعد:

الوضوحُ والبيانُ والصراحةُ: أساسُ نجاحِ العلاقة الزَّوجية بين الخاطبَين، ولذا يلزم كلَّ واحدٍ منهما بيانُ ما يحتاج الطرفُ الثاني معرفتَه عنه مِن معلوماتٍ وصفاتٍ وأحوالٍ وعيوبٍ، وفيما يلي تفصيلُ ذلك.

أوّلًا:

يُشرع لكلٍّ مِن الخاطبين أن يبيِّن كلَّ ما يتعلَّق به مِن الأمور الخَلقية أو الخُلُقية المهمّة، وذلك:

-أنَّ الأصلَ في الزواج: الدّوام؛ ولذا شُرع للرّجل أن يرى مخطوبتَه وتراه؛ حتى تدوم المودَّةُ بينهما في المستقبل، قال صلى الله عليه وسلم: (انْظُرْ إِلَيها؛ فإنَّهُ أَحرَى أَنْ يُؤْدمَ بَينَكُما) رواه النسائي والترمذي.

وإذا كانت الرؤية مشروعةً لمعرفة الأمور الظاهرة، فإنّ الإخبارَ بالأمور غير الظاهرة مشروعٌ أيضًا للعلَّة ذاتها.

-أنَّ عقدَ الزواج مِن العقود المغلَّظة التي ينبغي مراعاةُ الصدق فيها؛ لذا فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عمَّا يتضمّن تدليسًا على الخاطب، كما في قوله: (لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ) رواه البخاري ومسلم، والواصلة: أي التي تصل شعرها بشعر آخر.

قال القاضي عبد الوهاب المالكي في كتابه "المعونة على مذهب عالم المدينة": "والمعنى في ذلك: أنَّ فيه غرورًا وتدليسًا".

-أنَّ كتمانَ مثلِ هذه الأمور يؤثِّر في العلاقة بين الزوجين ويوقع الضررَ -بأيِّ شكلٍ كان- على الطرف الآخر، وفي الحديث: (لا ضَررَ ولا ضِرارَ) رواه ابن ماجه.

- أنّ مُطْلَقَ العقد يقتضي السّلامةَ مِن العيوب، فمَن كتم شيئًا منها فقد خادع وغشَّ، (ومَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) رواه مسلم.

قال ابن القيم في الزاد: "وإذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم حرَّم على البائع كتمانَ عيبِ سلعتِه، وحرَّم على مَن علمه أن يكتمَه مِن المشتري، فكيف بالعيوب في النكاح؟!، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمةَ بنت قيس حين استشارته في نكاحِ معاوية أو أبي الجهم: (أمّا معاويةُ فصعلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو جهمٍ فلا يضعُ عصاه عن عاتقِه) -رواه مسلم-، فعُلِمَ أنَّ بيانَ العيب في النكاح أولى وأوجبُ".

وكذا ذكر شمسُ الدين الرملي في نهاية المحتاج أنَّ ضررَ العيب في باب النكاح أشدُّ مِن باب البيوع؛ "لأنَّ فيه تكشُّفَ بُضْعٍ، وهتكَ سَوأةٍ، وذو المروءة يسمح في الأموال بما لا يسمح به هنا".

ثانيًا:

كلُّ ما يُعَدُّ نقصًا أو عيبًا في عُرف الناس: يلزم بيانُه والإخبارُ به، ويكون كتمُه مِن الغش والخداع؛ فالعرفُ معتبرٌ فيما لم يرد في تحديدِه وتفصيلِه نصٌّ مِن الكتاب والسنّة.

قال زكريا الأنصاري في فتح الوهاب: "ويَجِبُ ذِكْرُ عيوبِ مَن أُريد اجتماعٌ عليه لمناكحةٍ أو نحوها كمعاملةٍ".

وقال البجيرمي في حاشيته على شرح الخطيب: "قوله: (ذِكْرُ عيوب) مِن نفسِه أو غيرِه وإن لم يثبت الخيار، والمراد: العيوب الشرعية، وكذا العُرفية".

وكذا ذكر ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج أنه يلزمه: "الإخبار بما فيه مِن كلِّ مذمومٍ شرعًا أو عُرفًا".

وقال الرحيباني الحنبلي في "مطالب أولي النهى": "وعلى من استُشير في خاطبٍ أو مخطوبةٍ أن يذكر ما فيه مِن مساوئ -أي: عيوب وغيرها-، ولا يكون ذكر المساوئ غِيبةً محرمةً مع قصدِه بذكر ذلك النصيحة؛ لحديث: (المستشار مؤتمن)، وحديث: (الدين النصيحة).

وإن استُشير في أمر نفسِه: بيَّنه وجوبًا، كقوله: عندي شُحٌّ، وخُلقي شديد، ونحوهما؛ لعموم ما سبق".

ثالثاً:

ما عدا ذلك مِن العيوب -وهو ما لا يُعَدُّ كتمُه غشًا ولا يوقع ضررًا- لا يجب الإخبار به، لا سيما إن كان مما يزول مع الوقت أو بالدُّربة أو العلاج، مثل اضطراب النوم اليسير، أو كراهية نوع من الطعام، ونحو ذلك.

رابعاً:

إذا كتم أحدُ الخاطبَين عيبًا عن الآخر ثم اكتشفه بعد الزواج، فللطرف الثاني الحقُ والخيار في "فسخ عقد النكاح" عن طريق القاضي الشرعي، بشرط أن يكون هذا العيبُ مِن العيوب التي تُخِلُّ بمقاصد الزواج أو تسبِّب النُّفرة بين الزوجين أو تُخِلُّ بالاستمتاع بينهما، كـ: العجز الجنسي، والمرض الخطير المعدي، والأمراض المنفّرة، وعُقم الرّجُل، والبرص، والصرع، والجنون، والاستحاضة الدائمة، وبعض الأمراض النفسية، والتشوهات الجسدية المنفّرة.

ويدخل في ذلك المعاصي التي تُخلّ بالكفاءة في الدين، وتمنع استقرارَ الأسرة وحصول السكن والمودَّة والرحمة بين الزوجين وتربية الأولاد تربيةً صحيحة، كإدمان شرب الخمر أو المخدِّرات ونحوها.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه بعث رجلًا على بعض السّعاية فتزوَّج امرأة، وكان عقيمًا، فلما قدم على عمر ذكر له ذلك، فقال: "هل أعلمتَها أنَّك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها ثم خَيِّرها" رواه عبد الرزاق في مصنَّفه وسعيد بن منصور في سننه.

وعن عمر قال: "مَن تزوج امرأةً وبها برَصٌ، أو جُذامٌ، أو جنون، فدخل بها: فلها الصَّداق بما استحلّ مِن فرجِها، وذلك غُرْمٌ على وليِّها"، رواه ابن أبي شيبة في المصنف.

وعن الزهري أنه قال: "إذا تزوج الرجلُ المرأةَ وبالرجلِ عيبٌ لم تعلَم به، جنونٌ، أو جُذامٌ، أو برَصٌ: خُيّرت"، رواه ابن أبي شيبة في المصنف.

قال ابن القَيِّم في زاد المعاد: "والقياسُ أنَّ كلَّ عيبٍ يُنَفِّرُ الزَّوجَ الآخرَ منه، ولا يحصل به مقصودُ النِّكاح مِن الرحمة والمودة: يوجِبُ الخيار، وهو أولى من البيع، كما أنّ الشروطَ المشترطة في النكاح أولى بالوفاء مِن شروط البيع، وما ألزم اللهُ ورسولُه مغرورًا قط ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغُبن به، ومَن تدبَّر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه مِن المصالح لم يخفَ عليه رجحانُ هذا القول، وقربُه مِن قواعد الشريعة".

وأما إذا كان العيبُ لا يوجب النُّفرةَ التامةَ بين الزوجين أو لا يمنع الاستمتاع، مثل بعض العيوب الخَلقية والخُلقية، وما يقلّل رغبةَ أحدِ الزوجين بالآخر، كالصَّلَع للرجل، والعرج، وسوء الخلق، والبُخل: فهذه وإن كان يحرم كتمانُها إلا أنها لا توجب فسخَ النكاح عند عامة العلماء.

قال ابن عبد البر في الاستذكار: "أجمعوا على أنّ النكاح لا تُرَدُّ فيه المرأة بعيبٍ صغير".

ولكن هذا لا يمنع المرأةَ مِن حقِّ "طلب الخُلع" إذا لم تطق العيشَ معه.

خامسًا:

إذا كان العيبُ الذي يبيح الفسخَ في الرّجل: فمِن حقِّ المرأةِ طلبُ فسخِ النكاح، ويكون المهرُ كاملاً (المقدَّم والمؤخر) مِن حقها بعد الدخول، وأما قبله فلا تستحقُّ شيئًا عند جمهور العلماء.

وإذا كان العيب في المرأة: فللرجلِ فسخُ النكاح، وتغريمُ مَنْ خدعه بالمهر.

لكن إن رضي أحدُ الطرفين بالعيب بعد علمِه به: فلا حقَّ له في الفسخ.

قال ابنُ قدامة المقدسي: "ومِن شرط ثبوتِ الخيار بهذه العيوب: أن لا يكون عالمًا بها وقتَ العقد، ولا يرضى بها بعده، فإن علم بها في العقد أو بعده فرضي: فلا خيارَ له، لا نعلم فيه خلافًا".

وقال: "إذا علم بالعيب وقت العقد أو بعده، ثم وجد منه رضًا، أو دلالة عليه، كالدخول بالمرأة، أو تمكينها إياه من الوطء: لم يثبت له الفسخ؛ لأنه رضي بإسقاط حقه فسقط".

سادسًا:

يجب الإخبارُ بكلِّ عيبٍ -ولو كان صغيرًا- إذا اشترط أحدُ الزوجين البراءةَ مِن العيوب كلِّها، أو اشترط البراءةَ مِن عيبٍ معيّن كالتدخين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ) متفق عليه.

وفي الموسوعة الفقهية "ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أنّه إذا دلَّس أحدُ الزوجين على الآخر، بأن كتم عيبًا فيه يثبت به الخيار، لم يعلمه المدلَّس عليه وقتَ العقد ولا قبله، أو شرط أحدُهما في صلب العقد وصفًا مِن صفات الكمال كإسلام وبكارةٍ وشبابٍ، فتخلَّف الشرطُ: يثبت للمدلَّس عليه والمغرورِ بخُلف المشروط خيارُ فسخ النكاح".

وختامًا:

فالأصلُ في المسلم: الصِّدق والنُّصح والبيان، والبُعد عن كلِّ ما فيه غشٌّ وخِداع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المتبايعَين: (فإنْ صَدَقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإنْ كتَما وكذَبا مُحقَت بركةُ بيعهما) متفق عليه، فكيف بالزواج الذي هو مِن أعظم العقود وأوثقها؟!

والله أعلم.