الثلاثاء 4 ربيع الآخر 1440 هـ الموافق 11 ديسمبر 2018 م
مكانة العقل في الإسلام (3) صريح المعقول لا يتعارض مع صحيح المنقول
الأربعاء 8 صفر 1440 هـ الموافق 17 أكتوبر 2018 م
عدد الزيارات : 272

 

مكانة العقل في الإسلام (3)

صريح المعقول لا يتعارض مع صحيح المنقول

 

وهي قاعدةٌ مهمةٌ للناظر في النصوص الشرعية، العقلُ الصريح موافق للنقل الصحيح، ولا يتعارض قطعيان منهما أبداً، وعند توهم التعارض يقدم النقل.

فالنقل هو أمر الله ووحيه سواء كان قرآنا أو سنة، والعقل من خلق الله، فلا يمكن أن يتعارض أمره وخلقه، قال تعالى:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54].

وقد أسقط كثير من أهل البدع نصوصاً كثيرة بحجة أنها تخالف العقل.

قال ابن القيم في "الصواعق المرسلة" (2/ 459):"والذين زعموا من قاصري العقل والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند تعارضهما، إنما أتوا من جهلهم بحكم العقل ومقتضى السمع، فظنوا ما ليس بمعقول معقولا، وهو في الحقيقة شبهات توهم أنه عقل صريح وليست كذلك، أو من جهلهم بالسمع إما لنسبتهم إلى الرسول ما لم يُرده بقوله، وإما لعدم تفريقهم بين ما لا يدرك بالعقول وبين ما تدرك استحالته بالعقول، فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ظن التعارض بين السمع والعقل:
أحدها: كون القضية ليست من قضايا العقول.
الثاني: كون ذلك السمع ليس من السمع الصحيح المقبول.
الثالث: عدم فهم مراد المتكلم به.
الرابع: عدم التمييز بين ما يحيله العقل ومالا يدركه" انتهى.

والأدلة على بطلان هذا القانون كثيرة، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المميز الذي صنفه من أجل نسف هذا القانون، كتاب" درء تعارض العقل والنقل"، ومن بعده تلميذه ابن القيم الذي اعتمد على شيخه واختصر ونقح وزاد في كتابه "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، ومن هذه الردود:

أولا: الدين ُكاملٌ فلا حاجة إلى عقل أو غيره لاتمامه، فإنه ما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا وبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وأكمل الله به الدين، وأتمَّ به النعمة، كما قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

قال ابن القيم في "مختصر الصواعق المرسلة" (ص: 116):" أن الله تعالى قد تمم الدين بنبيه صلى الله عليه وسلم وكمله به، ولم يحوجه هو ولا أمته إلى عقل ولا نقل سواه ولا رأي ولا منام ولا كشف.

قال الله تعالى:{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] وأنكر على من لم يكتف بالوحي، فقال:{أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون}[العنكبوت: 51] ذكر هذا جوابا لطلبهم آية تدل على صدقه، فأخبر أنه يكفيهم من كل آية، فلو كان ما تضمنه من الإخبار عنه وعن صفاته وأفعاله واليوم الآخر يناقض العقل لم يكن دليلا على صدقه فضلا عن أن يكون كافيا" انتهى.

 

ثانيا: لم يكن من طريقة السلف الصالح من الصحابة وأتباعهم تقديم معقولهم على النصوص، مع أنهم أكمل الناس عقلا وعلما وفقها، بل كانوا يعلنون النكير على من يقابل النصوص رأيه وعقله.

قال ابن القيم في "مختصر الصواعق المرسلة" (ص: 169):" أن الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص ويوردون استشكالاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيجيبهم عنها، وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص، ويوردون التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولا يعارض النص البتة، ولا عرف فيهم أحد، وهم أكمل الأمة عقولا، عارض نصا بعقل، وإنما حكى الله تعالى ذلك عن الكفار...

وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال، ولا يقرون على ذلك، وكان ابن عباس يحتج في متعة الحج بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره لأصحابه بها، فيقولون له: إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا، فلما أكثروا عليه قال: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر".

فرحم الله ابن عباس، كيف لو رأى قوما يعارضون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر المريسي وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم؟" انتهى.

 

ثالثا: إن تقديم العقل على النقل هو نسفٌ للعقل والنقل معا، فلا حجة بشيء بعد ذلك.

قال ابن القيم في "مختصر الصواعق المرسلة" (ص: 113):" وحينئذ فهذا وجه تاسع مستقل بكسر هذا الطاغوت، وهو أن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع ; لأن العقل قد شهد الشرع والوحي بأنه أعلم منه، وأنه لا نسبة له إليه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة بالإضافة إلى جبل، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحا في شهادته، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، فتقديم العقل على الوحي يتضمن القدح فيه وفي الشرع، وهذا ظاهر لا خفاء به" انتهى.

 

رابعا: تقديم العقل على النقل أمر لا ينضبط ولا نهاية له، لأن لكل فرد وجماعة وملة عقلها الذي تعظمه، وهم مختلفون وفي أمر مريج.

قال شيخ الإسلام في "درء تعارض العقل والنقل" (1/ 156-158):" وهو أن يقال: القول بتقديم الإنسان لمعقوله على النصوص النبوية قول لا ينضبط، وذلك لأن أهل الكلام والفلسفة الخائضين المتنازعين فيما يسمونه عقليات، كل منهم يقول: إنه يعلم بضرورة العقل أو بنظره ما يدعي الآخر أن المعلوم بضروة العقل أو بنظره نقيضه" انتهى.

وقال ابن القيم في "مختصر الصواعق المرسلة"(ص: 174):" أن المعقولات ليس لها ضابط، ولا هي محصورة في نوع معين، فإنه ما من أمة من الأمم إلا ولهم عقليات يختصمون إليها ويختصون بها، فللفرس عقليات، وللهند عقليات، وللمجوس عقليات، وللصائبة عقليات، وكل طائفة من هذه الطوائف ليسوا متفقين على العقليات، بل فيها من الاختلاف ما هو معروف عند المعتنين به، ونحن نعفيكم من هذه المعقولات واضطرابها ونحاكمكم إلى المعقولات التي في هذه الأمة، فإنه ما من مدة من المدد إلا وقد ابتدعت فيها بدع يزعم أربابها أن العقل دل عليها" انتهى.

 

خامسا: تقديم العقل على النقل هو اتباع للمتشابهات المجملات وترك المحكمات.

قال شيخ الإسلام في "درء تعارض العقل والنقل" (1/ 208-209):" أن يقال: الذين يعارضون الكتاب والسنة بما يسمونه عقليات: من الكلاميات والفلسفيات ونحو ذلك، إنما يبنون أمرهم في ذلك علي أقوال مشتبهة مجملة، تحتملمعاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه لفظاً ومعني يوجب تناولها لحق وباطل، فبما فيها من الحق يقبل ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يعارضون بما فيها من الباطل ونصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا، وهو منشأ البدع، فإن البدعة لو كانت باطلا محضاً لظهرت وبانت، وما قبلت، ولو كانت حقا محضا، لا شوب فيه، لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقاً محضاً لا باطل فيه، ولكن البدعة تشتمل علي حق وباطل وقد بسطنا الكلام علي هذا في غير هذا الموضع" انتهى.

 

سادسا: وهذا القانون لا يتأتى على طريقة المؤمنين المصدقين من أتباع المرسلين، بل هو سائر في سبيل أعداء الدين، من الشياطين وأتباعهم من الفلاسفة والكافرين المكذبين.

قال ابن القيم في "مختصر الصواعق المرسلة" (ص: 145):" أن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي لا تتأتى على قواعد المسلمين المؤمنين بالنبوة حقا، ولا على أصول أحد من أهل الملل المصدقين بحقيقة النبوة، ليست هذه المعارضة من الإيمان بالنبوة في شيء، وإنما تتأتى هذه المعارضة ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة ويجريها على أوضاعهم" انتهى.

وقال شيخ الإسلام في "درء تعارض العقل والنقل" (5/ 204-506):" أن يقال: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها، هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر، كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف بالملل والنحل ما معناه: أصل كل شر هو من معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع.

وهو كما قال، فإن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وبين أن المتبعين لما أنزل هم أهل الهدى والفلاح، والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال...

قال تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}[غافر 4]، ومن المعلوم أن كل من عارض القرآن، وجادل في ذلك بعقله ورأيه، فهو داخل في ذلك، وإن لم يزعم تقديم كلامه على كلام الله ورسوله، بل إذا قال ما يوجب المرية والشك في كلام الله، فقد دخل في ذلك، فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ورأيه مقدم على نصوص الكتاب والسنة" انتهى.

 

سابعا: القول بتقديم العقل على النقل يؤدي إلى عدم الاستدلال بالوحي على شيء من المسائل العلمية مما يؤدي إلى عدم التصديق بالوحي فالكفر بالله ورسوله والعياذ بالله .

قال شيخ الإسلام في "درء تعارض العقل والنقل" (5/ 242):" وهو أن يقال: حقيقة قول هؤلاء الذين يجوزون أن تعارض النصوص الإلهية النبوية بما يناقضها من آراء الرجال، وأن لا يحتج بالقرآن والحديث على شيء من المسائل العلمية، بل ولا يستفاد التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله، فإنه إذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح العقل، ويجب تقديمه عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل، ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل، فالإنسان لا يخلو من حالين، وذلك لأن الإنسان إذا سمع خطاب الله ورسوله الذي يخبر فيه عن الغيب: فإما أن يقدر أن له رأياً مخالفاً للنص، أو ليس له رأي يخالفه، فإن كان عنده مما يسميه معقولاً ما يناقض خبر الله ورسوله، وكان معقوله هو المقدم، قدم معقوله وألغى خبر الله ورسوله، وكان حينئذ كل من اقتضى عقله مناقضة خبر من أخبار الله ورسوله قدم عقله على خبر الله ورسوله، ولم يكن مستدلا بما أخبر الله به ورسوله على ثبوت مخبره، بل ولم يستفد من خبر الله ورسوله فائدة علمية، بل غايته أن يستفيد إتعاب قلبه فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني التي لا يدل عليها الخطاب إلا دلالة بعيدة ليصرف إليها اللفظ" انتهى.

 

ثامنا:القول بتقديم العقل على النقل يؤول بصاحبه إما إلى التفويض أو التعطيل.

قال شيخ الإسلام في "درء تعارض العقل والنقل" (1/ 201-202):" أن يقال: غاية ما ينتهي إليه هؤلاء المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم، من المشهورين بالإسلام، هو التأويل أو التفويض، فأما الذي ينتهون إلي أن يقولوا الأنبياء أوهموا وخيلوا ما لا حقيقة له في نفس الأمر، فهؤلاء معروفون عند المسلمين بالإلحاد والزندقة" انتهى.

وقال ابن القيم في "الصواعق المرسلة " (3/ 917-925):" إنَّ غاية ما ينتهي إليه من ادعى معارضة العقل للوحي أحد أمور أربعة لا بد له منها:

- إما تكذيبها وجحدها.

- وإما اعتقاد أن الرسل خاطبوا الخلق بها خطابا جمهوريا لا حقيقة له وإنما أرادوا منهم التخييل وضرب الأمثال.

- وإما اعتقاد أن المراد تأويلها وصرفها عن حقائقها وما تدل عليه إلى المجازات والاستعارات.

- وإما الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها واعتقاد أنه لا يعلم ما أريد بها إلا الله.

فهذه أربع مقامات، وقد ذهب إلى كل مقام منها طوائف من بني آدم "انتهى.

ثم فصل ابن القيم في هذه المقامات وأصحابها.

فخلاصة القول: تقديم العقل على النقل قانون باطل يتعارض مع كمال الدين ومنهج السلف، ثم هو أمر لا ينضبط فكل فرد وملة لها معقولها، بل هذا القانون نسفٌ للعقل والنقل معا، فلا حجة بشيء بعد ذلك.

وتقديم العقل على النقل هو اتباع للمتشابهات المجملات وترك المحكمات، ومآل أصحابه إلى التعطيل أو التفويض أو التخييل أو التجهيل.

وهذا القانون لا يتأتى على طريقة المؤمنين المصدقين من أتباع المرسلين، بل هو سائر في سبيل أعداء الدين، من الشياطين وأتباعهم من الفلاسفة والكافرين المكذبين.

وكان لهذا القانون نتائج فاسدة مفسدة، منها أنه يؤدي إلى عدم الاستدلال بالوحي على شيء من المسائل العلمية مما يؤدي إلى عدم التصديق بالوحي فالكفر بالله ورسوله والعياذ بالله .

 

 

المقالات المنشورة هي لأعضاء الهيئة، وتعبر عن آراء كاتبيها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة