السبت 9 ربيع الأول 1440 هـ الموافق 17 نوفمبر 2018 م
مكانة العقل في الإسلام (2) العلاقة بين العقل والنقل
الجمعة 3 صفر 1440 هـ الموافق 12 أكتوبر 2018 م
عدد الزيارات : 299

 

مكانة العقل في الإسلام (2)

العلاقة بين العقل والنقل

 

تحدثنا في مقال سابق عن" بناء العقل المنهجي" من خلال الوحي، وذلك بالحثُّ على بناء العقل بالعلم وخاصة العلم الشرعي، والحث على فحص المعلومات، فلا يقبل أي معلومة حتى تمر على طريق التصفية والتنقية، والحث على النظر والتأمل والتدبر في الآيات الكونية والشرعية، والتحذير من الانتقائية في قبول الحق، والنهي عن التقليد والتعصب الأعمى للآباء والعوائد المخالفة للحق، والتحذير من اتِّباع الظَّنِّ والأوْهام، ومن الانقياد للأهواء التي تعمي وتصم.

ولما كان الأمر كذلك من اهتمام الشرع بالعقل، فقد عقد النقل مع العقل عقد إخوة ونصرة، فهما أخوان نصيران، لا عدوان يتخاصمان، وارتضى العقل أن يكون تابعا للنقل.

قال ابن القيم في" الصواعق المرسلة" (2/ 457):" والسمع الصحيح لا ينفك عن العقل الصريح، بل هما أخوان نصيران وصل الله بينهما وقرن أحدهما بصاحبه، فقال تعالى:{وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف26].
فذكر ما ينال به العلوم وهي السمع والبصر والفؤاد الذي هو محل العقل، وقال تعالى:{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك10] فأخبروا أنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل.
وقال تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}[يونس67]، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد4]، وقال:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد24]، فدعاهم إلى استماعه بأسماعهم وتدبره بعقولهم.

ومثله قوله:{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ}[المؤمنون68]، وقال تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}[ق37]، فجمع سبحانه بين السمع والعقل وأقام بهما حجته على عباده، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلا.

فالكتاب المنزّل والعقل المدرك حجة الله على خلقه، وكتابه هو الحجة العظمى، فهو الذي عرفنا ما لم يكن لعقولنا سبيل إلىاستقلالها بإدراكه أبدا، فليس لأحد عنه مذهب ولا إلى غيره مفزع في مجهول يعلمه، ومشكل يستبينه وملتبس يوضحه" انتهى.

فالشرعُ نورٌ يستضيء به العقل، فكما أنَّ العين لا تبصر إلا بنور الشمس، كذلك العقل لايبصر إلا بنور الشريعة.

قال تعالى:{ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }[المائدة: 15، 16].

قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (1/ 6):" هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة في دار النعيم، والطريق إلى ذلك الرواية والنقل، إذ لا يكفي من ذلك مجرد العقل، بل كما أن نور العين لا يرى إلا مع ظهور نور قدامه، فكذلك نور العقل لا يهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة" انتهى.

والعقل ُكالسراج، والشرع ُكالزيت الذي يمده، فإن لم يكن زيت، لم يحصل السراج، وما لم يكن سراج، لم يضئ الزيت؛ قال تعالى :{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} [النور: 35].

والعقلُ لا يمكن أن يستقل بنفسه أبدا، كالنقل المستقل بنفسه، وما أحسنَ المثلَ المضروب للنقل مع العقل، وهو: أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد.

قال ابن القيم في"الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة" (3/ 808):" إنَّ العقل مع الوحي كالعامي المقلد مع المفتي العالم، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة لا تحصى، فإنَّ المقلد يمكنه أن يصير عالما ولا يمكن للعالم أن يصير نبيا رسولا" انتهى.

وقال شيخ الإسلام في"الصارم المسلول" (3/ 247):" ولا تحسبنَّ أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجهه اليقين، فإنَّ عامة من تكلمفي هذا الباب بالعقل فإنما تكلم بعد أن بلغه ما جاءت به الرسل واستصغى بذلك واستأنس به، سواء أظهر الانقياد للرسل أو لم يظهر، وقد اعترف عامة الرؤوس منهم أنه لا ينال بالعقل علم جازم في تفاصيل الأمور الإلهية، وإنما ينال به الظن والحسبان.

والقدر الذي يمكن العقل إداركه بنظره فإن المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم نبهوا الناس عليه، وذكروهم به ودعوهم إلى النظر فيه، حتى فتحوا أعينا عميا وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا" انتهى.

وقال الشاطبي في"الاعتصام" 1/45:" فالعقل غير مستقلٍ ألبتة، ولا ينبني على غير أصل، وإنما ينبني على أصل متقدم مُسَلَّمٍ على الإطلاق، ولا يمكن في أحوال الآخرة تصور أصل مسلم إلا من طريق الوحي".

ومما يدل على ذلك أيضا أن العقول لو كانت مستقلة بمعرفة الحق وأحكامه، لكانت الحجة قائمة على الناس قبل بعث الرسل وإنزال الكتب، وهذا باطل لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15].

فلما بعث الله الرسل، وأنزل الكتب، وجبت لله على الخلق الحجة البالغة،  كما في قوله تعالى:{ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }[النساء: 165].

فالعقل أخ نصير للنقل، وتابع له، ولا يمكن أن يتقدمه أو يعارضه أو يستقل بنفسه دونه.

 

المقالات المنشورة هي لأعضاء الهيئة، وتعبر عن آراء كاتبيها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة