الاثنين 2 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 20 نوفمبر 2017 م
حوار مع مؤسس معهد إعداد القضاة في سورية الأستاذ إبراهيم الحسون
الأربعاء 1 ذو الحجة 1438 هـ الموافق 23 أغسطس 2017 م
عدد الزيارات : 555

 

حوار مع مؤسس معهد إعداد القضاة في سورية

الأستاذ إبراهيم الحسون لـ(نور الشام):


سلطة القضاء تنطلق من سلطة الدولة، والقضاء لن يكون على مساره الصحيح ما لم تكن هناك سلطة واحدة تحكم المناطق المحررة.

تعتبر المنظومة القضائية بمحاكمها وقضاتها من إفرازات النظام السياسي والاجتماعي والثقافي، ولذلك كانت هذه المنظومة غارقة في الفساد أيام حكم نظام البعث في سورية، وأدى فسادها إلى كوارث على مستويات عديدة ما زالت آثارها واضحة في المجتمع السوري، ولذلك حملت الثورة السورية على عاتقها إعادة إنتاج المؤسسة القضائية، وإعادة هيكلتها وتفعيلها على النحو الذي يجب أن تكون عليه، لما لها من أهمية في ترسيخ قيمة العدل وإقامة الأحكام الربانية وإحقاق الحق في المجتمع المسلم.
وقد كانت هناك جهود كبيرة من العاملين المخلصين في إنشاء المؤسسات القضائية وإعداد القضاة في المناطق المحررة، مثل: القضاء الموحد في حلب، ودار العدل في حوران، ومجلس القضاء الأعلى في الغوطة الشرقية، والمعهد العالي للقضاء، وفي حوار هذا العدد من مجلة نور الشام نسلط الضوء على جهد مبارك هو (معهد إعداد القضاة في سورية)، ونستعرض عمل المعهد وأهدافه وطبيعة القضاء في المناطق المحررة، وذلك من خلال الحوار مع عضو مجلس أمناء المجلس الإسلامي السوري ومؤسس معهد إعداد القضاة في سورية ورئيس تحرير مجلة قضاة الشام الأستاذ إبراهيم الحسون.

هل لك أن تعرفنا إلى معهد إعداد القضاة في سورية، وتحدثنا عن رسالته ورؤيته والهدف من إنشائه؟
معهد إعداد القضاة مؤسسة تعليمية، تأسس بتاريخ 17/5/1434هـ الموافق 29/3/2013م، ويهدف إلى نشر المفاهيم الأصلية للقضاء الشرعي، ويسعى بعمله إلى تطوير عمل المحاكم الشرعية، ويرى أنه خطوة على طريق بناء مجتمع العدل وصيانة الحقوق، مركّزاً على إعداد وتأهيل القضاة العاملين في المحاكم.
يستهدف المعهد خريجي كليتي الشريعة والحقوق والمعاهد الشرعية، ويعمل على سد حاجات المحاكم والمؤسسات القضائية السورية، بما يسهم في إقامة العدل في المجتمع، ويتميز المعهد بعلاقات طيبة مع الهيئات القضائية العاملة في المناطق المحررة، وقد وقع اتفاقيات مع عدد منها، يتم بموجبها اعتماد شهادة المعهد وتوظيف المتخرجين في هذه المحاكم.
ورؤيا المعهد هي تأهيل كفاءات للعمل القضائي، وإعداد الدراسات المتخصصة، ونشر الثقافة القضائية، بكوادر مؤهلة، وبنية إدارية مستقرة.
أما أهداف المعهد فهي تأهيل القضاة والمختصين في الاختصاصات المساندة لعمل القاضي علمياً وعملياً، وإعداد البحوث والدراسات في الشأن القضائي، وخدمة المجتمع بنشر الثقافة القضائية وعقد المحاضرات التوعوية للقضاة والمحامين والمهتمين بالشأن القضائي، وتقديم الاستشارات المساهمة في تنظيم القضاء وتطويره، وتطوير مناهج وأدوات التعليم القضائي عن بعد، إضافة إلى عمل مدونة، للسوابق القضائية ونماذج الأحكام، وعقد الندوات التشاورية بين المهتمين والمتخصصين بالشأن القضائي.
أين يوجد المعهد وكم بلغ عدد الطلاب المسجلين فيه؟
يوجد المعهد في إدلب وريف دمشق – الغوطة، وحوران. وقد سجل فيه 1511 طالباً في جميع برامجه التعليمية، وتخرج منهم 933 طالباً تم تعيين 70% منهم في المحاكم العاملة في المناطق المحررة، فيما لا تزال بعض الدورات في الدبلوم قائمة.
ما هي المعايير التي من خلالها يتم اختيار الطالب في معاهد إعداد القضاة؟
يجب أن يتجاوز عمر المتقدم اثنين وعشرين عاماً، وأن يحمل إجازة في الحقوق أو الشريعة، إضافة إلى تزكية من شخصيتين معروفتين من قبل المعهد، والتعهد بالالتزام بنظام الدراسة في المعهد.

كيف ترون وضع القضاء في سورية بعد سنوات من الثورة، وما هو الدور الذي يقوم به معهد إعداد القضاة من أجل تطوير العمل القضائي؟
ما زالت المحاكم تعاني من بعض الضعف في العديد من جوانبها، ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة يمكن تداركها قريباً بإذن الله، ومنها التفرق والفصائلية وقلة خبرة العاملين في مجال القضاء، وقد كان لمعهد إعداد القضاة لمسات واضحة في تطوير عمل المحاكم من خلال تخريج القضاة المؤهلين ورفد المحاكم بهم، مما ساعد على تطوير عمل المحاكم.
وقد وصلنا بعون الله ثم بجهود المخلصين من أهل العلم والفضل إلى تشكيل مجلس القضاء الأعلى في سورية بمرجعية القانون العربي الموحد وتعديلاته، وقد اجتمعت المؤسسات القضائية (مجلس القضاء الأعلى في الغوطة الشرقية، ودار العدل في حوران، والهيئة الإسلامية للقضاء، ومجلس القضاء الأعلى في حلب) اجتمعت على نظام قضائي واحد برئاسة القاضي (محمد دراش).
وندعو المؤسسات القضائية للالتحاق بهذا المشروع لنكون مثالا وقدوة لغيرنا من مؤسسات الثورة في عملية بناء المؤسسات في سوريا المستقبل التي نسعى أن يكون العدل الركيزة الأعلى التي يساس بها الناس.
في القضاء مجال واسع لاجتهاد القاضي، سواء في المسائل التي ليس فيها نص شرعي، أو في تنزيل الأحكام الشرعية على الأحداث والوقائع، هل ترون أن في سورية قضاة مؤهلين للاجتهاد والحكم، وهل تولون الاجتهاد أهمية في معهد إعداد القضاة؟
في الغالب قامت المحاكم في المناطق المحررة من سورية لتمنع المظالم وتبقي الهيبة للثورة وتمنع التجاوزات، ولذلك كان يغلب عليها الجانب الصلحي أكثر من الجانب التحاكمي، ولأن أغلب المعاهد والمحاكم انتقلت للعمل بالقانون العربي الموحد، فهذا يعني نوعا ما عدم وجود اجتهاد.
معهد إعداد القضاة يستقبل خريجي الشريعة أو الحقوق، ويعطيهم أدوات علم القضاء وأدوات الصنعة القضائية، ولا شك أنه يعتني بجانب اجتهاد القاضي، فمثلا عندنا في المعهد مادة اسمها (فقه النوازل)، وهذه المادة تعتمد على اجتهاد العلماء في النوازل القضائية في العصر الحديث، وهي مادة مهمة، لأن قسما كبيرا من القضاة ما زالوا غير مؤهلين ليكونوا قضاة مجتهدين بكل معنى الكلمة، فالمجتهد الآن بشكل عام غير موجود في النوازل القضائية القائمة في العصر الحديث، لكن يوجد تطوير من بداية الثورة حتى الآن.
تتمتع المؤسسة القضائية بالهيبة والمنزلة الرفيعة بين الناس، والقاضي من الشخصيات المحترمة في المجتمع، ولكن للأسف أصبحت شخصية القاضي في معظم المناطق مادة للتهكم والسخرية بسبب التشويه الذي أصاب القضاء على يد الغلاة والمتساهلين، فكثيرا ما سمعنا عن الدورات ذات الشهر والشهرين التي يتخرج الشخص فيها ليحكم في مسائل تحتاج إلى مختصين وعلماء لهم تجارب وخبرات طويلة.
كيف يمكننا أن نعيد إلى الأذهان الصورة الحسنة للقضاء الإسلامي؟ وهل هو بالأمر السهل؟
في الحقيقة أول من بدأ ينتهك القضاء وشخصية القاضي هم الفصائل والمكاتب الأمنية التي كانت في كثير من الأحيان تخرج عن سيطرة القضاء وتتصرف من دون أوامر ومذكرات قضائية، هذا فضلا عن موضوع الفصائلية والمحاكم التي شكلت عن طريق التحالفات بين الفصائل، فهذا كان له دور سلبي أدى إلى اعتزال أصحاب الكفاءات عن العمل  في المحاكم، بالإضافة إلى دورات الشهر والشهرين التي أقيمت، بل إن هناك دورات مدتها أقل من ذلك، تتراوح مدتها بين أربعة أيام وأسبوع، وهذا أيضا كان له دور سلبي في أن الشخص يسمي نفسه قاضيا بعد دورة استمرت أياما أو أسبوعا، وهنا إشكال كبير، ونحن في معهد إعداد القضاة نقول للطلاب إنكم لستم قضاة، إنما أنتم في بداية طريق دراسة القضاء، على الرغم من أن الطلاب خريجو شريعة ويدرسون سنة كاملة.
أما كيف نعيد إلى القضاء صورته الحسنة، فيجب علينا أولاً إعادة هيبة القضاء بالجملة، لأن وجود الشخص الكفء يعيد الهيبة القضائية، فهناك طلاب علم وعلماء كبار في الساحة، لكنهم لم يشاركوا في القضاء بسبب أن القاضي كانت هيبته ضعيفة، وبسبب تلك المكاتب الأمنية، وعدم تمتع القاضي بالسلطة الكبيرة، فهو يقول لا أريد أن أكون في هذا السلك ما دام الحق لا يُعاد إلى صاحبه ويكون الحكم دائما للأقوى، خاصة في المشاكل التي تكون عادة بين الفصائل، ولذلك فإن العلماء وطلاب العلم عازفون عن القضاء، فإذا أعيد للقضاء هيبته ليحكم على الضعيف والقوي وعلى الصغير والكبير فأظن أنهم سيعودون إلى العمل ويعود القضاء إلى مساره الصحيح.

هل توجد رقابة جدية على عمل القضاة في المحاكم الثورية؟ ومن يقوم بها؟
في الحقيقة يوجد رقابة من المكاتب القضائية في الفصائل، ولا يمكن أن نسميها رقابة بالمعنى الحقيقي.
إضافة إلى قوة القضاء الإسلامي وهيبته نلاحظ أنه قضاء مستقل، والجميع سواسية أمام القاضي، فلا فرق بين قوي أو ضعيف أو بين غني أو فقير، فهل يتمتع قضاؤنا بالاستقلالية؟ يأتي هذا السؤال لأننا نعلم أن المحاكم أنشئت من قبل الفصائل أو شاركت في إنشائها.
أحيانا يكون هناك قضاة يحكمون من غير تمييز، وأحيانا يكون هناك انحياز نتيجة ميل القاضي إلى فصيل دون غيره، وبالتالي ينحاز من دون أن يشعر، هذا الكلام لا أستطيع أن أنفيه، فهناك الكثير من القضايا في المحاكم بين الفصائل لم تستطع المحاكم البت فيها، ولذلك لا أستطيع القول بأن هناك استقلالاً كاملاً في القضاء طالما أنه لا يوجد له سلطة واحدة تحميه، والسلطات تتنازعه بالحماية والتأييد فينحاز لأحدها، ويكون هناك تقاسم في الانحياز والولاء وبالتالي عدم الاستقلالية.
تعاني المحاكم الثورية من ضعف القوة التنفيذية التابعة لها، مما أفقد الأحكام قيمتها فبقيت حبيسة الورق، خاصة إذا كان الخصم المدعى عليه ذا شوكة ونفوذ، كيف يمكن للقضاء أن يعالج هذه المشكلة؟
هذا يدل على نزاهة القضاء في كثير من المواقف، وفي الحقيقة سلطة القضاء تنطلق من سلطة الدولة، والقضاء لن يكون على مساره الصحيح ما لم تكن هناك سلطة واحدة تحكم المناطق المحررة، وما دام هناك تنازع على السلطة بين الفصائل، فسيبقى القضاء في حالة مرض، وحل المشكلة هو توحد الثورة تحت قيادة واحدة تحكم هذه الأراضي المحررة، وبالتالي تعطي الصلاحيات للقضاء ويكون القضاء أمام سلطة واحدة يتعامل معها.
أما بالنسبة إلى المشاريع فهناك مشروع مجلس القضاء الأعلى الذي أسس من مجموعة من الهيئات القضائية هي دار العدل في حوران والمجلس القضائي في الغوطة وهيئة إدارة المناطق المحررة في إدلب ومجلس القضاء في حلب، وهذا المجلس حديث التشكيل سينظم العمل القضائي ويضع هيكلية موحدة ويضع القوانين الناظمة للعمل القضائي في سورية.