الخميس 7 شوّال 1439 هـ الموافق 21 يونيو 2018 م
متى دونت السنة النبوية؟ رد على شبهات أعداء الدين
الأربعاء 22 رمضان 1439 هـ الموافق 6 يونيو 2018 م
عدد الزيارات : 71

 

متى دونت السنة النبوية؟
رد على شبهات أعداء الدين

 

لا تزال طوائف من أعداء المسلمين تثير الشبهات والشكوك حول دين الله سبحانه، لغرض تشكيك المسلمين بدينهم، وقطع صلتهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم.

وقد دأب العلماء قديماً وحديثاً على رد هذه الشبهات وبيان تهافتها وبطلانها، وأنها ليست شبهات ذات قيمة، بل هي باطلة، وبطلانها واضح، إلا أن مشكلتنا هي قلة القراءة، فلو قرأنا لعلماء الأمة الذين يشكلون حصناً منيعاً في وجه أعداء الدين قديماً وحديثاً لما تسللت هذه الشبهات إلينا، ولا تشربتها عقول بعض المسلمين.

من هذه الشبهات شبهةُ تأخُّرِ دوين السنة النبوية بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يقولون: لو كان أصحاب رسول الله يرون للسنة أهميةً في الدين، لعجلوا بجمعها وكتابتها كما صنعوا بالقرآن، ولكن الصحابة أهملوها طيلة حياتهم، وماتوا ولم تدون السنة في عهدهم، وإنما تولى تدوينها التابعون بعد مئتي سنة من بدء التقويم الهجري بل إن تدوينها تم في القرن الثالث الهجري، عصر البخاري ومسلم وابن حنبل وغيرهم. هكذا يقولون.

وبطلان هذه الشبهة من عدة وجوه:

أولها:ليس صحيحًا أن السنة النبوية لم تُدَوّن حتى ظهور البخاري ومسلم وابن حنبل وغيرهم ممن دوّن السنة النبوية، بل إن تدوينها بدأ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعلمه وإذنه وأمره.

منها ما كتبه وأرسله صلى الله عليه وسلملرؤساء وزعماء الشعوب والعشائر، ومنها الاتفاقات والمعاهدات والمصالحات بينه وبين بعضهم، ومنها ما كتبه إلى عماله وولاته في الأمصار، يبين لهم فيه ما يَفصلون به في الخصومات، وأحكام الزكوات والديات والمواريث وأنواع الصدقات ومقاديرها، هذا مما كتب بأمره صلىالله عليه وسلم.

ومنها ما كان يكتبه بعض الصحابة العارفين بالكتابة في ذلك العصر، كصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص t، وصحيفة علي بن أبي طالب t، وما كتب بأمره صلى الله عليه وسلملأبي شاة، الرجل اليماني الذي طلب منه صلى الله عليه وسلمأن يكتب له، فأمر: اكتبوا لأبي شاة.

إذن، كانت الكتابة موجودة في عهده صلى الله عليه وسلم، إلا أنها كانت قليلة بالنسبة إلى ما ورد عنه صلىالله عليه وسلم، لأن الغالب على أهل ذلك العصر قلة العارفين بالكتابة، فاستعانوا بقدراتهم العجيبة على الحفظ في ضبط السنة النبوية، ولك أن تتخيل قدرتهم الهائلة على الحفظ إذا علمت أنهم كانوا يحفظون القصيدة ذات الأبيات الكثيرة من سماعها لمرة واحدة، وإلا فكيف وصلت إلينا آلاف القصائد التي قيلت في الجاهلية ولم يكن ثمة تدوين! أليست المعلقات مما قيل شعرًا في الجاهلية، ورويت لنا ووصلتنا في هذا العصر، فهل دُوّنت المعلقات ولم تدون سنة النبي صلىالله عليه وسلم.

ثانيها: أن سنة النبي صلى الله عليه وسلملا تقتصر على أقواله فقط، بل إن أفعاله شاهدها الصحابة بأنفسهم، وحضروها وشهدوها منه في السفر والحضر، في عباداته وعاداته وقضائه وغير ذلك، شهدوها وحفظوها ورووها لمن بعدهم من التابعين رواية شاهد عيان، ولا ريب أن ما حضره الإنسان ونقله إلى غيره أقوى وأكثر ثقة مما كتبه في كتاب دون أن يحفظه صدره.

وكل واحد منا يذكر تفاصيل في حياته شهدها من أهله أو رفاقه أو معلميه ثبتت في ذاكرته ثبوتًا راسخًا أقوى مما قرأه في كتاب، لا سيما إن كانت هذه الأحداث التي نتكلم عليها هي دينٌ يتعبد به الإنسان لربه، ويحتسب في العمل به الأجر عند الله تعالى.

ثم بعد الصحابة جاء عصر التابعين، الذي شهد التدوين الرسمي العام للسنة النبوية مع بداية القرن الثاني للهجرة، بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، المتوفى سنة (101هـ) فقد أمر بتدوين السنة النبوية، وكلف الإمام الزهري رحمه الله بهذا العمل، والإمام الزهري إمام متفَق على جلالته وإتقانه وحفظه وضبطه، وهو من تلاميذ الصحابة رضي الله عنهم، سمع ممن تأخرت وفاته منهم كأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وأبي الطفيل عامر بن واثلة، وسمع من أبنائهم كعروة بن الزبير، وعلي بن عبدالله بن عباس، وسمع من كبار التابعين كسعيد بن المسيّب، وإبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، وغيرهم الكثير.

ثم تناقلت الأمة هذه الأحاديث خَلَفًا عن سلف، وكتبوها في مصنفاتهم، وحفظوها في صدورهم، وعملوا بما فيها في دينهم ودنياهم، حتى إذا حاول الكذابون أن يدسوا في سنة النبي صلى الله عليه وسلمما ليس منها اصطدم بعلم الجرح والتعديل، ذلك العلم العبقري الذي ابتكره علماء المسلمين لنقد المرويات، وبيان ما يصح منها وما لم يصح، طبقًا لقواعد تمثل أرقى ما وصل إليه العقل البشري من مناهج نقد المرويات والتوثق من ثبوتها.