الاثنين 5 محرّم 1439 هـ الموافق 25 سبتمبر 2017 م
ليشهدوا منافع لهم
الثلاثاء 30 ذو القعدة 1438 هـ الموافق 22 أغسطس 2017 م
عدد الزيارات : 222

 

ليشهدوا منافع لهم 
 

الحج ليس مجرد أعمال متعبة مرهقة، إنما هو تربية وقربة تتجلى في كل منسك ومشعر، تربية ينبغي على الحاج أن يقف أمامها وقفات تأمل واتعاظ واعتبار واقتداء، وما شرع الحج إلا لحكم جليلة كثيرة ومنافع لا تحصى في حياة المؤمن الدينية والدنيوية (ليشهدوا منافع لهم) ومن أهم تلك المنافع:
*الحج يؤدي بالعبد إلى شكر نعمة المال وسلامة البدن حيث يجهد الإنسان نفسه بالتعب والنصب والحل والترحال وينفق ماله في طاعة ربه والتقرب إليه سبحانه، وبذلك يتخلص البدن من الكسل وحب الراحة والدعة وتتطهر النفس من آفة الشح وتتعود على البذل والعطاء ..
*الحج يربي النفس على روح الجندية بكل ما تحتاج إليه من صبر وتحمل ونظام وخلق سام يتعاون به المرء مع الناس، فهو انضباطية ونظام رباني تعجز الأنظمة الأرضية عن إيجادها من غير اللجوء إلى القوة والتهديد، بينما هي في الحج تقوم بنفوس راضية منقادة ومستعذبة للتعب ومستسهلة للمشاق.
*وفي الحج يجتمع المسلمون من كل أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم، ومهوى أفئدتهم فيتعرف بعضهم على بعض، ويألف بعضهم بعضاً حيث تذوب الفوارق بين الناس، فوارق الغنى والفقر، وفوارق الجنس واللون، وفوارق اللسان واللغة، وتتحد فيه كلمة الناس في أعظم مؤتمر بشري كله خير وتناصح وتعاون على البر والتقوى، مؤتمر لم ينعقد لتنفيذ مؤامرة، أو غدر بأمة، أو اقتسام مغانم ومطامع من الدنيا؛ وإنما هدفه ربط أسباب الحياة بأسباب السماء.
*وفي الحج ذكريات وأسرار تغرس في نفس المؤمن روح العبودية الكاملة والخضوع الذي لا يتناهى لأوامر الله وشريعته، وتربي الحاج تربية مثالية تجعل من أهلها قدوة صالحة تنجذب إليهم بسببها البشرية المتطلعة إلى التحرر من عبودية العباد لعبودية الله تبارك وتعالى.
*والحاج يُحرم بالحج متجرداً من ملابسه الناعمة ومظاهره المترفة مقبلا على ربه يدرك وقتها زيف المظاهر وأنها لا تقوم معوجا ولا ترفع وضيعا، فيزهد فيها، ويتذكر تلك الصفوة الأولى المستضعفة من أهل مكة التي سادت الأرض بمبادئها ومعتقداتها لا ببذخها وترفها.
* وحينما يبدأ بالتلبية يستشعر الحاج أنه مقبل على الله، مبرماً معه العهد على الانقياد وتلبية الأوامر؛ معنوياً وحسياً؛ ومتحملاً للأمانة وأداء الرسالة عن حب وتعظيم، وهذا ليس مقصوراً على الحج، بل تبقى التلبية شعار المسلم ما عاش، يرددها دائماً بصور مختلفة كلها تعني الانقياد لأوامر الله والسمع والطاعة واجتناب النواهي، ونبذ لجميع نزعات شياطين الإنس والجن.
* وعندما يحل الحاج في بيت الله الحرام تطوف فيه ذكريات الماضي تحمل أطياف الأفذاذ من المؤمنين: إبراهيم، إسماعيل، هاجر... وما فيها من دروس وعبر في تقديم طاعة الله وهوى النفوس ومحبوباتها، فما إن يبدأ بالطواف حول الكعبة حتى يستشعر القلب قدسية الرب وهو يطوف حول البيت العتيق، صنع المحب الهائم مع المحبوب المنعم، فيلوذ بجنابه ويلجأ إليه، متعلقاً بأستار الكعبة وهو يطلب طهارة نفسه من الذنوب ومن وساوس الشيطان.
* ومع الانتقال للسعي بين الصفا والمروة تنتقل الذكريات إلى رمز التوكل على الله هاجر عليها السلام التي جمعت بين السعي والدعاء، بين العمل واستمطار الرحمات حتى جاءت الرحمة معجزة ربانية وآية حسية نشاهدها ونعيش في فيئها حتى عصرنا الحالي وحتى قيام الساعة (تفجر الماء عند قدمي الصغير عيناً معيناً يروي الظمأ ويشفي العليل).
* ويأتي الوقوف بعرفة بعد السعي لبذل المهج في الضراعة بقلوب مملوءة بالخشية، وأيادٍ مرفوعة بالرجاء، وألسنة مشغولة بالدعاء، وآمال عريضة وصادقة في أرحم الراحمين، حتى إذا حان وقت النفير تذكر أولو الأبصار وآمنوا بأن طريق الإسلام هو سبيل الزحف الأكبر، والعزة والرفعة.
* وفي رمي الجمرات لعبرة كذلك لأولي الألباب، ليعرفوا أنهم لا يرمون الشيطان وليس هو بواقف لهم ليرجموه، وإنما هم يرجمون المواقف التي وقف بها الشيطان لأبيهم إبراهيم، يرجمون عوامل الشر ونزعات شياطين الجن والإنس رجماً معنوياً يتمثل في لعنه وبغضه وعصيانه والابتعاد عنه.
* وما الذبح إلا رمز للنجاح في الانتصار على مرادات النفس ومحبوباتها وتفضيل مراد الله ومحبوباته، فإن إبراهيم عليه السلام لما نجح في الامتحان بذبح ابنه الوحيد رحمه الله وشلّ حركة السكين وفداه بذبح عظيم، وجعلها سنة مؤكدة باقية في المسلمين إلى يوم القيامة ليعاملوا الله معاملة المحب لحبيبه، فيضحوا بمرادات أنفسهم ومحبوباتها في سبيل مراد الله ومحبوبه ... وهكذا يكون الحج درساً تربوياً فذا، وهو يذكرنا بأعمال عدو الشرك ومحطم الأوثان ومؤسس الدين الخالص إبراهيم عليه السلام، وأعمال ابنه إسماعيل وزوجته هاجر، ويوقظ في الحاج النزعة إلى الاقتداء بهم في تعاطفهم وفي خضوعهم لمشيئة الله، فلبيك اللهم لبيك لا شريك لك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك