الاثنين 5 محرّم 1439 هـ الموافق 25 سبتمبر 2017 م
الثورة وفرصة تشكيل هوية سورية جديدة
الثلاثاء 30 ذو القعدة 1438 هـ الموافق 22 أغسطس 2017 م
عدد الزيارات : 258

 

الثورة وفرصة تشكيل هوية سورية جديدة


لم يكن سؤال الهوية مطروحاً بقوة بين السوريين كما هو مطروح اليوم. ليس السبب أن ما يجمع بين السوريين كان أكثر مما يفرق بينهم قبل الثورة، بل لأن الثورة كشفت أن انتماء السوريين لمناطقهم وقومياتهم وطوائفهم وعشائرهم هو أقوى من انتمائهم لما كان يسمى “وطناً” من المفروض أن يجمعهم. إشكال الهوية هذا كان موجوداً قبل الثورة لكنها كشفت الغطاء عنه وأخرجته للنور بعدما كان قابعاً في الظلام.
تاريخياً هناك زمن طويل من العيش المشترك بين السوريين. فالتعايش بين المكونات السورية المختلفة في المجتمعات المحلية سواء في المدن أو الأرياف كان قائماً منذ مئات السنين، لذلك يوجد شعور عام بين السوريين بأن هناك ما يجمعهم لكن هذا الشعور لم يتطور بعد إلى هوية وطنية جامعة تنضوي تحتها انتماءاتهم الأخرى بسبب الظروف التي تعرضوا لها منذ نشأة الدولة السورية الحديثة.
ولدت الدولة السورية الحديثة عام 1918 عندما أعلن السوريون استقلالهم عشية تفكك الدولة العثمانية. بعد عامين فقط رست سفن الاحتلال الفرنسي على شواطئنا واستمر الاحتلال حتى عام 1945، ويكفي لمعرفة موقف الفرنسيين من بناء هوية وطنية سورية جامعة أن نتذكر أنهم حاولوا في بداية الاحتلال تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية، لكنهم لم ينجحوا بسبب الرفض الشعبي لهذه الفكرة.
بعد الاستقلال مرت سوريا بفترات تتفاوت فيها درجات الاستقرار السياسي، لكنها اتصفت بشكل عام بكثرة الانقلابات العسكرية، وأطول فترة مارس فيها السوريون الحريات والتعددية والمواطنة بمفهومها الحديث، تلك الممارسات التي تعزز شعورهم بالانتماء إلى وطن واحد، لم تتجاوز سنوات أربع هي فترة رئاسة شكري القوتلي من عام 1954 إلى عام 1958.
وبعد ذلك قامت الوحدة مع مصر ثم حدث الانفصال ثم جاء حكم البعث 1963 ليتحول بسرعة إلى حكم عائلي طائفي متوحش أرخى بسدول ظلامه على سوريا لأكثر من نصف قرن، اختطف نظام الأسد خلالها الوطن بل اختطف المجتمع والدين وجيّر كل ذلك لتثبيت دعائم حكمه.
إذن نحن كسوريين عندما ننظر في تاريخنا الحديث بعد نشوء الدولة السورية لا نجد الكثير مما يجعلنا نشعر بالانتماء إلى هذه الدولة. لم يجد السوريون تحت العلم الذي يرمز لدولتهم إنجازات عظيمة أو كرامة محفوظة أو حتى خدمات تلبي حاجاتهم، فأنى لهم أن يشعروا بالانتماء لدولة يرفرف فوقها هذا العلم، ولماذا نستغرب غلبة العصبيات المناطقية والطائفية والقومية والعشائرية في المناطق التي خرج منها النظام بعد قيام الثورة؟
إن هوية سورية جديدة ترتكز على القيم هي ما يمكن أن يجمع شتات السوريين اليوم بعد أن فرقتهم عقود الاحتلال والاستبداد ثم حروب الآخرين على أرضهم في السنوات الأخيرة، هوية مرتكزة على القيم لا تلغي الهويات الأخرى لكنها تشكّل المظلة التي تنضوي تحتها، فلا تمنع السوري من الافتخار بانتمائه الديني أو العرقي، لكنها تجعل هذا الانتماء تحت مظلة أوسع هي الانتماء إلى القيم، تلك المظلة التي إن فُقدت تحوّل الانتماء المناطقي أو الطائفي أو القومي أو العشائري إلى عصبية بغيضة يمكن أن تُداس فيها القيم من أجل مصلحة المنطقة أو الطائفة أو القومية أو العشيرة!
إذا كانت الهوية المرتكزة على القيم هي ما يمكن أن يجمع السوريين، وإذا كان سؤال الهوية هو من نحن كسوريين؟ أو ما الذي يجمعنا كسوريين؟ فإن الثورة الشعبية السورية التي اندلعت في طول البلاد وعرضها يمكن أن تقدم الجواب على هذا السؤال. هذه الثورة أبرزت ثلاث قيم إنسانية جامعة صدحت بها حناجر مئات الألوف من السوريين بشكل عفوي من درعا إلى عامودا ومن البوكمال إلى بانياس ويمكن أن تشكّل الأساس لهويتهم الجديدة وهي قيم الحرية والعدالة والكرامة. وفقاً لهذه الهوية الجديدة يصبح الجواب على سؤال من نحن؟ نحن السوريون الذين تجمعنا قيم الحرية والعدالة والكرامة التي دفعنا ثمناً لها نصف مليون شهيد. هذه القيم الثلاث تنسجم مع ضمير وتطلعات السوريين على اختلاف قومياتهم وطوائفهم وهي تنسجم مع دين الأكثرية وثقافتها بل تشكل فرصة لإظهار الأبعاد القيمية الإنسانية لهذا الدين بعد أن غيبتها عقود الاستبداد التي حولت الدين إلى مطيّة للمستبدين.
إن النقاش المحتدم اليوم بين السوريين حول الهوية السورية وهو نقاش لا بد منه لتشكيل “هوية راسخة” تكون الوعاء الفكري والشعوري الذي يجمع السوريين والمحفز الحضاري الذي يحركهم وهي تختلف عن “الهوية المكتوبة” التي ستبينها بنود في الدستور السوري القادم والتي يمكن أن يحسمها السياسيون وفقهاء القانون وتعرض لاستفتاء عام يوافق عليه أكثرية السوريين. هذه الهوية المكتوبة على أهميتها لا تكفي لتتحول إلى هوية راسخة ما لم يواكبها هذا الحوار القائم اليوم بين السوريين والذي يجب على قادة الرأي والناشطين في المجالات الفكرية والاجتماعية والسياسية أن ينظموه أكثر وأن يدفعوا به قدماً حتى يصل إلى غايته.
من الناحية المادية، في سوريا من الخيرات ما يؤهل سكانها لرفاهية عيش تضاهي أكثر الدول تقدماً، بشرط أن يصلوا إلى صيغة تجمعهم وتمنع تحول بلادهم إلى ساحة لصراع الآخرين. ومن الناحية المعنوية، أثبتت التجربة الإنسانية أن عطاء الإنسان وإنتاجه وقدرته على الإبداع والفعل الحضاري تتناسب طرداً مع شعوره بكرامته، وإذا كان شعور شعب بقيمة الكرامة يتناسب طرداً مع الثمن الذي دفعه لاستعادتها فإن ما دفعه السوريون من دم لاستعادة كرامتهم يؤهل سوريا لشأن حضاري عظيم إذا أصبحت كرامة الإنسان إحدى القيم التي ترتكز عليها الهوية السورية الجديدة.