السبت 3 شعبان 1438 هـ الموافق 29 أبريل 2017 م
تصحيح المنهج 4: ( التأصيل أولاً )
الخميس 30 محرّم 1437 هـ الموافق 12 نوفمبر 2015 م
عدد الزيارات : 2345


الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
إن النهوض بالأمة من سباتها لتضمد جراحاتها، لا يكون إلا بوجود ثلة من المؤصَّلين علمياً تكون الأساس الذي ينطلق منه المجتمع الإسلامي، وذلك لأن التمكين الذي حصل للمجتمع الإسلامي الأول إنما قام بجهود السابقين الأولين المؤصلين من المهاجرين والأنصار، الذين صبروا وجاهدوا,وأعزهم الله ونصرهم لأنهم نصروا دين الله عقيدة وعبادة وسلوكاً ومنهجاً، فجاء نصر الله جزاءً وفاقاً، بل عطاءً من ربك بغير حساب.
ونقصد بالتأصيل: أن يبني المسلم علمه وعمله على أصولٍ ثابتةٍ راسخةٍ مصدرها الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، مراعيا المقاصد الشرعية في تطبيقاته، مستنيراً بتأصيلات وتطبيقات الأئمة الأعلام من أئمة السلف الصالح في القديم والحديث.
والتأصيل الحق من أهم الواجبات بل أعظمها، ولا سيما في هذا الزمان الذي نطق فيه الرويبضة، قال ابن القيم رحمـه الله في "الفوائد" ص275: " من أراد علو بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به، فإن البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه، فالأعمـال والدرجـات بنيان وأساسها الإيمان، ومتى كان الأساس وثيقاً حمل البنيان، واعتلى عليه، وإذا تهدَّمَ شيءٌ من البنيان سهلَ تداركه، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفـعْ البنيان ولم يثبت، وإذا تهدّمَ شيءٌ من الأساس سقطَ البنيانُ أو كاد .
فالعارف همته تصحيح الأسـاس وإحكامه، والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس فلا يلبث بنيانه أن يسقط .
قال تعالى:{ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ } [التوبة: 109].
فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان، فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه، كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس .
وهذا الأساس أمران :
الأول: صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته.
والثاني: تجريد الانقياد له ولرسوله دون ما سواه.
فهذا أوثق أساس  أسسَ العبدُ عليه بنيانه، وبحسبه يَعتلي البناء ما شاء"انتهى.
فانظر- رحمني الله وإياك - ببصرك وبصيرتك إلى واقع المسلمين اليوم، تجد الانهيارات في العمل الإسلامي، عند ذلك تدرك حقيقةً مُرَّة ,وهي أن هذا العمل لم يؤسس على تقوى من الله ورضوان من نصوص الوحي وفقه أئمة القرون المفضلة في الدين.
والآية السابقة نزلت في حق مسجد الضـرار الذي بناه المنافقون كفراً وتفريقاً  وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله، فلما كانـت أسسه كذلك، كان مصيره الهدم والتحريق لينهار بمؤسسيه في نار جهنم وبئس المصير.
فلذلك دعا اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة بالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم.
قـال تعـالى : { لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] فنهاه عن القيام فيه مع أَنه مسجد، لأنّ الأعمال ليست بصورها وأشكالها وحسب، وإنما هي بحقائقها وأصولها.
فلذلك كانت الدعوة والجماعة الحق التي أسست على التقوى من أول يوم، وهي الأحق على المسلم أن ينضم إلى مسيرتها وركبها، هي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من السابقين الأولين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 100].
وهذه الدعوة والجماعة مستمرة برجالها إلى يوم القيامة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لا تزال طائفة من أمتي ، على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله"رواه مسلم.
ولقد ضرب الله مثلاً، لهذا التأصيل الحق في قوله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } [إبراهيم: 24 - 27].
فابتدأ الله سبحانه وتعالى بالتأصيل الحق وصفته، ثم بالتأصيل الباطل وصفته، ثم بثمرة كلا التأصيلين من الثبات وعدمه.
والكلمة الطيبة هي كلمة التوحيـد – لا إله إلا الله – وكلُّ  دعوة لا تبنى على هذا الأصل العظيم ، فهي باطلة فاشلة، لأن التوحيد هو أول واجب وآخر واجب ، فهو البداية والنهاية ، لا ينفك عنه الداعي والمدعو.
وهذه الكلمة لها جذورها الثابتة في تربـة التقوى، فكان فرعها في السماء عالياً، لا يهتز للفتن، ولا تحركـه الأهـواء والمصالح، ولها ثمارها في كل حين ، في الحرب والسلم، في مرحلة الضعف والقوة ، وفي السجن والانطلاق.
فلا يعرف صاحبها اليأس والقنوط، في كل حين له عمل إما بقلبه أو بلسانه أوبجوارحه، بخلاف تلك الشجرة الخبيثة التي لا جذور لها ولا أصول, فما أن تأتي أول فتنة , وإذ بها تجتث من فوق الأرض، فلا تقوى على الثبات والصمود، وبهذا تعرف فائدة التأصيل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال كالوعاء، إذا طاب أسفله طاب أعلاه، وإذا فسد أسفلـه فسـد أعلاه" رواه أحمد4/94,وابن ماجه4199، وصححه الألباني في الصحيحة1734.
ثمرات التأصيل الحق وفوائده :
1- الثبات في الحياة الدنيا على المنهج الحق وفي الآخرة على الصراط. قال الإمام مالك : " من أكثر الخصومات في الدين أكثر التنقل "، لأن الخصومات مبنية على أصول فاسدة أو فرعيات غير منضبطة بأصل صحيح، ومن هنا تجد طالب العلم غير المؤصل يكثر التنقل، من طائفة إلى طائفة، ومن بدعة  إلى أخرى .
فلذلك تجد الذين يصمدون أمام الفتن هم الراسخون في العلم ومن اتبعهم من طلاب العلم المؤصلون على طريقة السلف الصالح .
2- الفـلاح والنجـاح في الحياة الدنيا والآخرة، لأن التأصيل هو إتيان للأمور من أبوابها، كما قال تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [البقرة: 189].
فإنَّ " كلَّ من سلك طريقاً وعمل عملاً وأتاه من أبوابه، وطرقه الموصلة إليه، فلا بد أن يفلح وينجح ويصل إلى غايته "."ومن ضيَّع الأصول حُرم الوصول".
3- طيب الأعمال والأقوال، وإحياء الدعوة بالحركة النافعة فكما ان الجذور تمتص الماء وتعطي الساق والأوراق والثمار فكذلك التأصيل الحق هوالذي يمد المسلم بالحياة المثمرة.
4-التأصيل الحق اختصار للزمان والمكان، وتقطع فيه المراحل بسرعة وثبات.
قيل للحسن: سَبَقَنـا القوم على خيلٍ دُهم، ونحن على حُمُرٍٍ مُعْقرةٍ ؟ فقال : إن كنت على طريقهم فما أسرع اللحاق بهم.
5- العزة والرفعة في الدنيا والآخرة، لأن شجرة التأصيل قد شقت جذورها في أرض التوحيد وانطلقت بفرعها في السماء عالية عزيزة، كما قال تعالى:{كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 25].
6- السلامة من الانحراف والضلال، لقد كان التأصيل الحق في الصحابة رضي الله عنهم، قد بلغ في قلوبهم وعقولهم القدح المعلّى، فلذلك لم يكن فيهم مبتدعٌ ولا صاحب هوى، وإنما حدثت الأهواء من غيرهم، ممن لم يؤصل تأصيلهم، قال شيخ الإسلام في "الجواب الباهر" ص56-57  : "

إن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة، التي هي خير أمّة أخرجت للناس، وهم تلقوا الدين عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، ففهموا منه مقاصده صلى الله عليه وآله وسلم، وعاينوا من أفعاله ، وسمعوا منه شفاهاً، ما لم يحصل لمن بعدهم , وهم قد فارقوا جميع أهل الأرض وعادوهم، وهجروا جميع الطوائف وأديانهم، وجاهدوهم بأموالهم وأنفسهم ..

ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينالَ منهم من الإضلال والإغواء ممن بعدهم، ولم يكن منهم أحدٌ من أهل البدع المشهورة، كالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية بل كل هؤلاء إنما حدثوا فيمن بعدهم " 
من فوائد التأصيل العلم والعدل في الأقوال والأعمال وبذلك قامت السموات والأرض، قال شيخ الإسلام في "منهاج السنة النبوية" 5/ 83 :" ونحن نذكر قاعدة جامعة في هذا الباب لهم ولسائر الأمة فنقول لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ثم يعرف الجزيئات كيف وقعت وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم".
ومن المعلوم أن العلم أصل العمل، وصحة الأصول توجب صحة الفروع.
هذا والله أعلم وأحكم ، والحمد لله رب العالمين.
 

المقالات المنشورة هي لأعضاء الهيئة، وتعبر عن آراء كاتبيها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة
ديب الدمشقي | سوريا
الخميس 7 صفر 1437 هـ الموافق 19 نوفمبر 2015 م
هذه دعوة للتاصيل يطلب فيها من العوام او طلبة العلم اختراع اصول لم يسبقوا اليها ولان الاصول ثابتة والفروع متغيرة فكيف يطلب الشيخ القفز على
جهود علماء السنة من المذاهب الاربعة والاخذ مباشرة من النصوص كما فعل الصحابة
وهل انتج الخوارج الا مثل هذا المنهج 
الشيخ فايز الصلاح | سورية
السبت 16 صفر 1437 هـ الموافق 28 نوفمبر 2015 م
الحمد لله، وبعد:
هذه المقالات خطاب لطلبة أن ينطلقوا في أقوالهم وأعمالهم من أصول علمية ثابتة من الكتاب والسنة لا الأهواء أو الرغبات، أو الأفكار المنحرفة.
 والمقال لم يدع الناس إلى اختراع أصول ولم يدع إلى تجاوز علماء المذاهب الأربعة بل لا بد من اعتبارها وليرجع أخونا إلى ما قصدناه من التأصيل.
جاء في المقال:"ونقصد بالتأصيل: أن يبني المسلم علمه وعمله على أصولٍ ثابتةٍ راسخةٍ مصدرها الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، مراعيا المقاصد
الشرعية في تطبيقاته، مستنيراً بتأصيلات وتطبيقات الأئمة الأعلام من أئمة السلف الصالح في القديم والحديث".
فالتأصيل هو رجوع للوحي وفهم ذلك بفهم العلماء.
والحمد لله رب العالمين