السبت 16 ذو الحجة 1445 هـ الموافق 22 يونيو 2024 م
السياسة الشرعية ( 2 ) فقه الدولة في الإسلام
الثلاثاء 19 ربيع الآخر 1438 هـ الموافق 17 يناير 2017 م
عدد الزيارات : 19503

 

السياسة الشرعية ( 2 ) فقه الدولة في الإسلام
د. عمار العيسى - عضو المكتب العلمي بهيئة الشام الإسلامية 

 

مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، لقاء متجدد من برنامج صناعة الوعي وحلقة جديدة ضمن سلسلة حلقات السياسة الشرعية.
تعتبر إقامة الدولة الهدف الأسمى الذي يطمح الناس عمومًا إلى تحقيقه، ولكن تحقيق هذا الهدف يتطلب معرفة بأسس الدولة وأركانها التي لابد من توفرها لإقامة أي دولة، كما أنه لابد من توفر القدرة على إدارة شؤون المجتمع وتوفير متطلباته والتعاطي مع المستجدات التي لم تكن في الزمن الأول.
نناقش بشيء من التفصيل هذه المسألة مع الشيخ الدكتور عمار العيسى عضو المكتب العلمي بهيئة الشام الإسلامية والمدرس في كلية المسجد النبوي بالمدينة المنورة.

أ. تمام: حياكم الله مجددًا دكتور.

د. عمار العيسى: أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم.

أ. تمام: شيخنا، في الحلقة السابقة تعرفنا إلى مفهوم السياسة الشرعية التي تبنى عليها أساسات الدول، وننتقل اليوم إلى الحديث عن مفهوم الدولة في الإسلام، ما المقصود بها؟
ما الأركان التي يجب أن تقوم عليها؟

د. عمار العيسى: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد..
أود قبل أن أدخل في مفهوم الدولة أن أعلّق على قولك إن إقامة الدولة هو الهدف الأسمى، لا شك أنها من الأهداف السامية التي يطمح إليها الناس كما أشرتم، ولكن الهدف الأسمى في حياة الناس هو تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، وقد يتحقق هذا الهدف دون دولة، كما سيحصل مع بعض الأنبياء عندما يأتون يوم القيامة ومع أحدهم الرجل والرجلان، وبعضهم يأتي وليس معه أحد، فقد يتحقق ذلك من غير الدولة، لا شك أن الدولة مهمة، وهي كيان لإقامة كثير من الأحكام الشرعية.

أ. تمام: أنت تقصد أنها وسيلة وليست غاية؟

د. عمار العيسى: ليست غاية في نفسها، من هنا يتبين هذا الخطأ الذي تذهب إليه بعض الجماعات الإسلامية من جعل الغاية القصوى والهدف الوحيد في هذا الوجود هو تحقيق الحكم وإقامة الدولة، وهذا أدى بهم إلى مراحل من الغلو ومحاكمة كل الأمور الأخرى إلى هذا الأصل، فجعلوها أصل الأصول، وجعلوها معنى شهادة التوحيد، ثم بعد ذلك نرجع إلى ما سألتم عنه وهو مفهوم الدولة.
كلمة الدولة في اللغة تدل على السلطة والقهر، وقد دال عليه أغلبه أي قهره، وتدل أيضًا على معنى التداول، ففي الحرب يدال هؤلاء مرة فيغلبونهم ويغلب هؤلاء الأولين في مرة أخرى أو في كرة ثانية، فهذا هو معنى الدولة، ويراد من الدولة في المفهوم السياسي مجموعة من الأفراد المعبّر عنهم بالشعب يقيمون بشكل دائم في إقليم من الأقاليم الجغرافية المعبر عنه بالأرض أو الوطن، ويخضعون لسلطة تحكمهم وفق نظام معين.
من خلال هذا التعريف نستطيع أن نقول إن للدولة أركانًا، أهمها الشعب.

أ. تمام: هذا بالمجمل ليس الدولة الإسلامية؟

د. عمار العيسى: هذا بالمفهوم السياسي عمومًا، ويتفق على هذه الأصول الثلاثة جميع الباحثين، وبعضهم يضيف عليها.
وهي: الركن الأول: الشعب الذي يعيش على الإقليم، ولا يوجد دولة بدون شعب.
الركن الثاني: الإقليم أو الوطن أو الرقعة الجغرافية التي يعيشون عليها.
الأمر الثالث: السلطة أو الحكومة أو الحاكم.
وهذه الأركان الثلاثة هي أركان في الدولة الإسلامية، ويضاف إليها ركن رابع وهو ما يُعبَّر عنه في المصطلح السياسي المعاصر بالدستور أو القانون أو النظام، وهذا الركن يُعبَّر عنه في السياسة الشرعية بالحكم بما أنزل الله أو سيادة الشريعة، فهو أصل أصيل وركن ركين في الدولة.

أ. تمام: لكنه ركن في الدول غير مسلمة أيضًا.

د. عمار العيسى: نعم، لكنهم يدرجونه في السلطة، لأن السلطة يكون ضمنها السلطة التشريعية التي تضع التشريعات والنظم.
لكن في الشريعة السلطة ليست هي التي تضع الأحكام والتنظيمات والترتيبات، فالشريعة مصدرها من الله سبحانه وتعالى، وهي ركن مستقل عن بقية الأركان، وإنما يقوم ولي الأمر أو الحاكم أو الأمير أو السلطان بتنفيذ هذه الشريعة والنظر في مصالح الناس.

أ. تمام: طيب، فضيلة الشيخ، كلما طُرِح موضوع الدولة والحكم وما إلى ذلك يُشار إلى أهل الحل والعقد في الدولة، وأنهم من يضع أو ينصب هذا الحاكم، فمن هم أهل الحل والعقد؟ ومن المخول باختيارهم؟ وبمَ هم مخولون؟

د. عمار العيسى: الحقيقة أن أهل الحل والعقد تدبير سياسي فيه إبداع، استنبطه أهل العلم من التطبيقات السياسية للخلفاء الراشدين، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حين انتقل من هذه الدنيا لم يحدد لأمته طريقة معينة في اختيار الخلفية، إنما ترك ذلك الاختيار للأمة، وكذلك الطرق التي اختير الخلفاء الراشدون كانت مختلفة، ولم تكن طريقة واحدة، وهذا يدلنا دلالة واضحة على أن طريقة تعيين الإمام ليس فيها طريق محدد يجب على الأمة أن تسلكه، و بالنظر إلى طريقة اختيار الخلفاء الراشدين نجد أنها تتفق في أمرين:
الأمر الأول: هو وجود الشروط المعتبرة التي لابد من توافرها في الشخص الذي يرشح لهذا المنصب.
الأمر الثاني: هو موافقة هذه الجماعة التي ذكرتَها وهي أهل الحل والعقد، وعقد البيعة وتقليد ذلك المرشح لمنصبه، فإذا توافر هذان الشرطان فقد تم المقصود الشرعي من تعيين الخليفة.
هؤلاء الذي يقومون بالاختيار يسمون بأهل الحل العقد_ بأهل الاختيار_ بأهل الشوكة، وغير ذلك من الأسماء، ويُراد بهم الجماعة المخصوصة من الوجهاء وسادة الناس والمقدمين فيهم ممن تتوافر فيهم صفة العلم والرأي والمعرفة وتتوافر فيهم صفة تبعية الناس لهم واحترام الناس لاختيارهم.

أ. تمام: سواءً تبعية على مستوى القبيلة؟

د. عمار العيسى: نعم، الناس يتبعونهم فيما يختارونه، فإذا اختاروا شيئًا واتفقوا عليه فالناس تبع لهم، فهم في الحقيقة نواب عن الأمة في رعاية المصالح العامة والنظر في الشؤون التي تتعلق بالأمة.

أ. تمام: هل يختارون اختيارًا أو عُرفًا؟

د. عمار العيسى: الحقيقة هي أن الشريعة لم تأت بطريقة محددة باختيارهم، بل أوكلت ذلك إلى الناس، لأن الأمر يعود إلى تحقيق مصالحهم، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما بايعه الأنصار في بيعة العقبة الثانية قال أخرجوا إليَّ اثني عشر نقيبًا، وكانوا بضعة وسبعين ولم يحدد لهم آلية، لا قال انتقاء ولا قال اختيار، بل ترك الأمر إليهم، فأخرجوا اثني عشر نقيبًا وصاروا النقباء، وهم العرفاء والذين يقومون على غيرهم بمصالحهم.
كذلك الأمر في قضية سبي هوازن الذي حصل بعد فتح مكة حينما فُتحت الطائف، قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما اختلف الناس: "من عفا ومن لم يعف فقال ليرفع إلينا عرفاؤكم أمركم" فكان لهم عرفاء ووجهاء ولهم كبار، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إنه ثمة طريقة معينة لتسلكوها.
المقصود من هذا أن يختار الناس من ينوبوا عنهم ممن تتوافر فيه الشروط التي تتحقق المصلحة من وجوده، من العلم والمعرفة والحكمة والحنكة ووجود الاحترام والتبعية أو نقول وجود خضوع الناس لتبعيتهم وقبولها.

أ. تمام: فضيلة الشيخ، أشرت إلى أحد أركان الدولة وهي السلطة وتعني الإمارة أو الأمير، هل من شروط يجب تحقيقها لمن يتقدم إلى منصب الإمارة والإمامة؟

د. عمار العيسى: لا شك أن أهل العلم ذكروا جملة من الشروط، منها شروط مجمع عليها ولا اختلاف فيها، ومنها شروط فيها تفصيل وشيء من الخلاف، ومن أهم تلك الشروط (الإسلام)، لأن من سيتولى على الناس يُراد منه أن يحقق مصالحهم في الدين والدنيا، وهذا لا يتأتى إلا بالمسلم، ولذلك اتفق أهل العلم على أن ولي أمر المسلمين أو حاكمهم أو رئيسهم أو ملكهم لابد أن يكون مسلمًا، وهذا اتفاق أهل العلم. 
ومن الصفات كذلك (الحرية)، ويقابل الحرية (الرِّق)، لا سيما في العصور القديمة، فقد كانت قضية الرقيق معروفة ومنتشرة، فالرقيق تابع لسيده، مملوك له، مشغول بخدمته، فلا يستطيع أن يتولى مصالح الناس. 
ومن الشروط (التكليف) بأن يكون بالغًا عاقلًا، فالصبي يحتاج إلى من يقوم عليه ويرعى مصالحه، فكيف يرعى مصالح الناس؟ وكذلك المجنون الذي لا عقل له.
و من الصفات أيضًا (العدالة) بأن يكون المرشح لهذا المنصب خاليًا من الفسق وخوارم المروءة، لأن الفاسق لا يؤتمن على نفسه ولا على ماله ولا يُقبل قوله. قال إمام الحرمين: لا يقبل قوله على فلس. إذا شهد على فلس لا يقبل قوله، فكيف ينفذ قوله على الأمة كلها؟
ولا يؤتمن في ولايته على صغيره ولا على صبيه ولا على مال يتيمه، فكيف يؤتمن على أموال الأمة؟  لكن هذا الشرط هو شرط بالابتداء، أي في المرشح كما أشرتم، أما إذا عرض له الفسق فهذا شيء آخر له حكمه لعله يُفصّل في موضعه.
ومن الشروط كذلك (الذكورة)، وأعني أن يكون المرشح للإمامة العظمى أو الحكم ذكرًا، وقد استدل أهل العلم بحديث رواه أبو بكر رضي الله عنه الذي رواه الإمام البخاري: "لم يفلح قوم ولي أمرهم امرأة" وكما قلت إننا متفقون مع الشرط في الإمامة العظمى، وإن كان بينهم خلاف وتفصيل فيما دون ذلك.
ومن الشروط كذلك (وجود الكفاية) من الحكمة والحنكة والشجاعة والرأي وحسن التدبير، لأن تولية هذا الحاكم على الناس إنما يُراد به تحقيق المصالح، ومن لم يتصف بتلك الصفات لا يكون أهلًا لولاية المصالح.
ومن الشروط التي ذكرها بعض أهل العلم قضية (سلامة الحواس) حتى يكون قادرًا على القيام بالمهام.
ومن الشروط كذلك شرط (القرشية) بأن يكون قرشيًّا، لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "الأئمة من قريش"، وهذا شرط يجعله بعض الباحثين والعلماء شرطًا بالإمام الذي يكون على جميع بلاد المسلمين.

أ. تمام: ربما يكون هذا في زمن مضى، هل ينطبق اليوم؟

د. عمار العيسى: إذا كان هناك إمام يدخل تحت ولاية جميع بلاد المسلمين فيوضع هذا الشرط، ولكن هناك أمر آخر ينبغي النظر إليه، وهو أن هذا الشرط ليس أهم الشروط، فهناك شيء من المفاضلة في القضية، فإذا وجد شخصان متكافئان في بقية الصفات وأحدهما قرشي والآخر غير قرشي فيُقدم القرشي، ولكن إذا ترشح لدينا شخصان الأول لديه الكفاية والدربة والرأي، والثاني قرشي لا يتمتع بذلك فيقول إمام الحرمين في هذه الحالة لا احتفاء في شخص لا كفاية له ولا علم لديه ولا رأي عنده.

أ. تمام: إذاً ليس شرطًا أساسيًّا؟

د. عمار العيسى: هو من الشروط على كل حال، وهو يراعى بالنظر مع بقية الشروط، ولا يلزم في كل حال، حتى بعض أهل العلم يجعله شرطًا في الخليفة العام على جميع بلاد المسلمين، وليس في حاكم يحكم قطرًا من الأقطار.

أ. تمام: فضيلة الشيخ، إذا ما تحققت جميع هذه الشروط في شخص ما، فكيف يُنصب؟ وكيف يُسلم الإمارة أو الولاية؟

د. عمار العيسى: ذكرت سابقًا قضية جماعة أهل الحل والعقد، فأهل الحل والعقد هم الذين ينوبون عن الأمة في الشؤون العامة، ومن هذه الشؤون العامة اختيار الإمام، فإذا ترشح أو تقدم ذلك الشخص الذي توافرت فيه الشروط، ينظر أهل العلم وأهل الرأي إلى المرشحين، ويبحثون عن أقربهم إلى تحقيق المصلحة والقيام بأمر الأمة وتدبير شؤونها، فيختارونه ثم يعقدون له الولاية وينصبونه، ثم يعرف بالبيعة العامة ويبايعه بقية الشعب.

أ. تمام: هذا ما يصطلح عليه شرعًا بولي الأمر؟

د. عمار العيسى: نعم، يصطلح عليه بولي الأمر أو بالإمام أحيانًا، ففي الحديث جاء لفظ الإمام وجاء لفظ السلطان وجاءت ألفاظ أخرى.

أ. تمام: لأن لفظ ولي الأمر ورد في الكتاب والسنة، وطاعة ولي الأمر ترددت كثيرًا في النصوص.

د. عمار العيسى: بلا شك.

أ. تمام: ما حدود هذه الطاعة؟ ومتى يجوز نزعها عن هذا الإمام أو ولي الأمر؟

د. عمار العيسى: قال الله سبحانه و تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم} فأمر بطاعة أولي الأمر، وكذلك جاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأمر بطاعة أولي الأمر، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: " السمع والطاعة في المرء المسلم فيما حب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" فطاعة ولاة الأمر ليست مطلقة، لأن النظر إلى تنصيب ولي الأمر يلتفت فيه إلى أن هذا الولي وليَ على الناس لرعاية مصالحهم، فإذا أمر بمقتضى العلم وبمقتضى الشرع و بمقتضى المعروف يُطاع، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة في معصية".
إن الطاعة في المعروف، وفيما يحقق المصلحة، أما إذا أمر بالمفاسد والمعاصي وبما يخالف الشرع فلا سمع ولا طاعة، فليست الطاعة مطلقة لولاة الأمر، بل هي تابعة لطاعة الله ورسوله، لذلك يلاحظ في الآية أن الله سبحانه وتعالى قد كرر فعل الأمر في قوله {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} ولم يقل أطيعوا أولي الأمر منكم، بل وأولي الأمر منكم، فطاعة ولاة الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله وليست مستقلة، فإذا أمروا فيما يوافق شرع الله تعالى ويوافق دينه فيطاعون.

أ. تمام: هل عدم طاعتهم فيما خالف الله عزَّ وجلَّ يُعتبر خروجًا؟

د. عمار العيسى: عدم الطاعة لا يكون خروجًا دائمًا، فالخروج مصطلح شرعي له مفهوم، وعدم الطاعة معصية.

أ. تمام: بما أننا تطرقنا إلى الخروج، ما مفهومه؟

د. عمار العيسى: الخروج عند أهل العلم والباحثين في السياسة الشرعية هو أن تقوم جماعة من الرعية بإسقاط طاعة الإمام واعتقاد عدم شرعية حكمه والسعي إلى خلعه ونزعه.
هذا هو الخروج، فأي شيء من قول أو فعل تضمن هذا المعنى فهو خروج، فعدم الطاعة قد يكون مجرد معصية، كمن يخالف القوانين الآن.
مثلًا: أمر ولي الأمر بعدم قطع الإشارة أو الالتزام بترتيب معيّن لتقديم الأوراق النظامية في جهة معينة، فخالف بعض الناس أو أسقط ورقة، فهل نقول إنهم خرجوا عن ولي الأمر؟!
لا، لا نقول ذلك، وإنما هو مخالف لولي الأمر في هذا التفصيل.

أ. تمام: مخالف في أمر شرعي.

د. عمار العيسى: يخالف في أمر يحقق مصالح الناس.
أ. تمام: لكن ماذا إذا كان الأمر معصية؟

د. عمار العيسى: لا يطاع، ولا يكون خروجًا، بل هو الواجب الشرعي، والذي نهى الخروج عن ولاة الأمر أمر بمعصيتهم إذا أمروا بمعصية.

أ. تمام: طيب هل الخروج أو المظاهرات السلمية والاحتجاج على بعض المظالم يعتبر خروجًا؟

د. عمار العيسى: هذا نفس الكلام نعيده إلى الضابط السابق، فقد يخرج بعض الناس للمطالبة برفع أسعار الخبز أو تحقيق مصلحة معينة ولم يفكر بنزع هذا الإمام أو إسقاط ولايته، فهذا لا يكون خروجًا، فنرجع إلى الضابط السابق كل ما تضمن اعتقاد عدم شرعية الحاكم والسعي لإسقاطه والسير لتنصيب غيره محله يعتبر خروجًا سواء كان قولًا أو فعلًا أو مظاهرة، وبأي وسيلة من الوسائل، فالمقصود هو تحقق هذا الضابط.

أ. تمام: طيب، تفضلت قبل قليل وذكرت موضوع البيعة بعد تولية الإمام.
الحديث "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية"
ماذا لو تعدد الأمراء وتعدد الحكام والسلاطين في إقليم واحد أو بلد واحد كما هو الحال مثلًا في سورية، كل فصيل يسيطر على منطقة معينة ويعلن أنه الإمام.

د. عمار العيسى: ذكر أهل العلم في كتبهم أن الأصل الذي اتفق عليه جمهور أهل السنة أنه لا يحوز تعدد السلاطين سواء اتسع الاقليم أو ضاق، وهذا الأصل متفق بين أهل العلم، واستدلوا على ذلك بأحاديث كثيرة واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما ذكر قضية تعدد الخلفاء قال:
"وستكون خلفاء أو أمراء فتكثر، قالوا يا رسول الله فما تأمرنا؟  قال: فوا ببيعة الأول فالأول".
وفي حديث آخر قال: "إذا بويع لخليفتين فاضربوا عنق آخرهما بالسيف"، و"ومن جاءكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"
فأخذ العلماء من هذه الأحاديث وأشباهها أنه يجب أن يكون للمسلمين إمام واحد ولا يجوز تعدد الأئمة. هذا من حيث الأصل.

أ. تمام: في البلد الواحد؟

د. عمار العيسى: في جميع بلاد المسلمين، لأن الأصل في علم الشريعة أن جميع بلاد المسلمين بلد واحد ودار واحدة، هذا من حيث الأصل، لكن لما تعددت البلاد واتسعت الرقعة الجغرافية لبلاد الإسلام، واستقل كل حاكم وكل أمير وكل سلطان، استقل ببقعة من الأرض ينفذ فيها أمره ولا ينفذ قوله في غيرها، حينئذٍ أدى الواقع إلى أن لكلٍّ من هؤلاء ولايةً خاصة على هذا البلد فيطاع، لكن إذا كان هناك بلد واحد لا يجوز أن تتعدد السلاطين.
والأمر الآخر فيما يتعلق بسورية كما ذكرت، فالجماعات الموجودة اليوم هي جماعات جهادية وليس لها أن تفتئت على الأمة ولا أن تصادر حقها في بناء الدولة التي تناسب مصالحها وتحقق غاياتها، لأن هذا الحق للأمة، كما أشار عمر رضي الله عنه في خطبته حينما قال قائل لو مات عمر لبايعت فلاناً، فقام بعد ذلك في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فذكر مقولة ذلك القائل، فقال: إني قائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم، فالأمر راجع إلى الناس.

أ. تمام: حتى في حال الحرب.

د. عمار العيسى: حتى في حال الحرب، وقد قال عمر في خطبته: "من بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع" وفي لفظ آخر "لا يتابع هو ومن بايعه، غرر بنفسه وعرض نفسه للقتل".
فهذه الجماعات الجهادية جهادها مبرور، وجزاها الله خيرًا على ما تقوم به من مجهود، لكن ليس لها أن تصادر حق الأمة ولا أن تقيم تلك الإمارات المختلفة المتنازعة التي لا يصدق عليها مفهوم الدولة على ما فيها من تفرق وتشرد.

أ. تمام: جزاك الله خيرًا فضيلة الشيخ، نكتفي بهذا القدر من المحاور المتعلقة بالسياسة الشرعية لهذه الحلقة وأمامنا محاور أخرى لعلنا نناقشها في الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى.
شكرًا لكم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، وحتى نلتقكم بحلقة قادمة بإذن الله نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.