الخميس 29 محرّم 1439 هـ الموافق 19 أكتوبر 2017 م
الهوية الوطنية وأبعادها السياسية ( 3 ) العمل السياسي في ضوء الجامعة والتحرر الوطني
الاثنين 20 ربيع الأول 1438 هـ الموافق 19 ديسمبر 2016 م
عدد الزيارات : 346

 

الهوية الوطنية وأبعادها السياسية
( 3 ) العمل السياسي في ضوء الهوية الجامعة والتحرر الوطني

د. مجاهد مخللاتي

 

السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته، مشاهدينا الكرام طابت أوقاتكم وأهلاً و مرحباً بكم في لقاء متجدد من برنامج صناعة الوعي، ولازال موضوع الدولة و العمل السياسي الذي نريد هو محورنا الرئيس في هذه الحلقات.
أرحب مجدداً بضيف هذه الحلقات الباحث والأستاذ الجامعي و رئيس مركز الحوار السوري الدكتور مجاهد مخللاتي.

أ. تمام: حياك الله دكتور.

د. مجاهد مخللاتي: حياكم الله و أهلاً و سهلاً بكم.

أ. تمام: دكتور اليوم باتت أنماط العمل السياسي متنوعة في كل بلد مع تنوع الأحزاب السياسية و تنوع برامجها التي تسوق من خلالها مشروعاتها على الجمهور، لكن حقيقة واقع هذه الأحزاب على الأرض و مدى استطاعتها عبر عقود تثبيت أقدامها لما يؤهلها للقيادة و الحكم و من استفادتها من الأخطاء و التجارب التي مرت بها ربما يكون المحور الرئيسي في حلقتنا اليوم.
لا شك وكما ذكرنا سابقاً أن سوريا هي الحالة التي ندرسها، لا شك أننا نعيش بالمعنى السياسي في هذا العصر الدولة القطرية الحديثة.
ما الخلفية التاريخية لنشوء هذه الدولة وما ارتدادات هذه الخلفية على الحديث عن العمل السياسي الذي نود تحققه ..؟؟

د. مجاهد مخللاتي: أهلاً بكم وشكراً لكم استضافتكم مرة أخرى، وأرجو أن أكون ضيفاً خفيفاً عليكم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحقيقة، جيد أنك أشرت إلى موضوع الدولة الحديثة ذلك لأنها دولة حديثة بالفعل، التاريخ العربي الإسلامي كان يعيش حالة مختلفة وبالتالي من المفيد جداً أن ننظر إلى القطرية الحديثة، ما هي مواصفاتها وبالتالي نستطيع الحركة من خلالها فيما يتسق مع هويتنا وتاريخنا الماضي.
الدولة الحديثة وهي مجال نقد حقيقي في الغرب، ويوجد مجموعة من الدارسين ممن ينظر إلى أن النمط الحديث على أنه نمط لا أخلاقي،  سلب المجتمع قدراته، هذه الدولة أتت لحل إشكاليات وُجِدت في الغرب ابتداءً، أتت لحل مشكلات تغوّل الكنيسة تاريخياً، والتي نتج عنها على سبيل المثال حرب الثلاثين عاماً، التي فقد فيها الغرب قرابة أربعين بالمئة من سكانه.
حرب الثلاثين عاماً أتت نتيجة لثورة على كنيسة متحكمة في قطاع كبير من الأراضي، انبثقت هذه الدولة بمفهومها الحديث من هذا المفصل التاريخي وتراكمات عديدة ليس هذا مجال ذكرها.

أ. تمام : ربما كانت آثارها إيجابية عليهم وسلبية علينا.

د. مجاهد مخللاتي: نعم، أتت سلبية علينا فيما بعد، عندما تمكنت تلك الدول الغربية و بدأت تنظر للعالم من خلال العقلية التي وجدت بها،  عقلية السيطرة، عقلية استخدام القوة، عقلية احتكار القوة، عقلية تهميش المجتمع، وانطلقت إلى ما وراءها لغزو بلادنا واستعمار العالم العربي و الإسلامي أو العالم الثالث بشكل عام.
الدولة الحديثة تمارس حكماً مركزياً يهيمن على [ التعليم _ الاقتصاد_ التجارة_ النقد_ الاتصال_ حتى أنماط السلوك المقبول وغير المقبول_ العقاب_ الملكية]  كل هذا تهيمن عليه هذه الدولة.


أ. تمام: سلطة مركزية.

د. مجاهد مخللاتي: سلطة مركزية تهيمن على ضمائر الناس في كثير من الأحيان،  في عشر السنوات الأخيرة على الأقل من الممكن أن تعتقد أو لا تعتقد فيما يسمى محاربة الإرهاب، حتى رأيك فيما تفصح أو لا تفصح عنه حول حادثة تاريخية معينة يمكن أن تُتهم و تُحارَب بسببه.
هذه الدولة الحديثة في مهدها الأوروبي كانت علمانية بامتياز و أتت لحل مشاكل الغرب؛  المشاكل التي تغولت فيها الكنيسة، حتى إن شعار الثورة الفرنسية التي كانت إحدى تجلياتها هي الحداثة في الغرب "اشبكوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"  تعبيراً عن تحالف الكنيسة مع الحكام. الدولة هذه سيطرت على مساحة واسعة من الأرض، وأصبحت هي مصدر الشرعية في تلك الأرض، تحكّم مركزي يفوق تحكمها تحكم أي مؤسسة مجتمعية تدعي السيطرة من خلال القوة وبالتالي واجبها أن تحفظ العدالة و حق التجمع و حرية الإعلام و النشر و حق التظلم.

نحن في سوريا مثلاً نُفّذ الأول و لم يُنفّذ الثاني،  وكما أشرت في حلقة ماضية أنه كان يعلم ذلك
مخطط لتلك الدولة في حزب البعث قال إنه يجب أن نستخدم البطش والقوة و القسوة، لأننا مضطرون لاستخدام القسوة
وبالتالي التخفيف الكبير لنفوذ الفرد و مؤسسات المجتمع الحيوية التي كانت في مجتمعاتنا فيما قبل الدولة الحديثة لحساب الدولة الحديثة، وهذه الدولة الحديثة أصبحت مع نهاية الحرب العالمية الثانية دولة مقننة، يوجد جمعيات شرعية للأمم المتحدة تحدد شرعية الدول من خلال هذا المفهوم.
يعني يمكن أن نعتبر هذه الإطلالة هي التي أورثت ما يسمى في الدولة الحديثة التداول السلمي للسلطة، و هي التي أورثت قضية شؤون الأحزاب و تنافس الأحزاب فيما بينها، ما يسمى العمل السياسي الكلاسيكي التقليدي.

أ. تمام: ما ملامح هذا العمل السياسي الكلاسيكي الذي تشير إليه ؟؟

د. مجاهد مخللاتي: كوننا نحن في حلقات متصلة بموضوع الهوية من الممكن أن نعتبر العمل السياسي الكلاسيكي مجتمعات حُسمت فيها القضايا الكبرى مثل: [ مفهوم التداول السلمي للسلطة،  مفهوم علمانية الدولة،  حياد الدولة تجاه الأديان،  مفهوم الحريات الشخصية ]
مفاهيم معينة حسمت، ثم وُضِعَ دستور، وهذا الدستور بدأ ينظم الحياة ويدير هذا البلد أو ذاك، و ليس ماذا تعتقد هذه البلاد، وكيف تُدار في الصحة في التعليم في الاقتصاد.
في العمل السياسي الكلاسيكي تنشأ أحزاب لها إيديولوجية معينة، تنظر على كيفية التقدم بهذا المجتمع عبر مسلماته التي افترضها، ثم تنطلق فتضع برنامجاً في الصحة وبرنامجاً للتعليم.....
أ. تمام: برامج انتخابية.
د. مجاهد مخللاتي: برامج انتخابية تُقدم للناخبين خلال فوزها بالانتخابات، تصل إلى الحكم وتمارس هذا البرنامج،  يُحكَم عليها من خلال الجمهور أو من خلال الإعلام.
أ. تمام : دكتور ألا تتفق معي أن هذا الوجه السياسي الذي تتحدث عنه نجح في الدول الغربية والدول الكبرى بينما فشل عندنا.
ما البيئة التي تُعين على نجاح هذه الأعمال السياسية الكلاسيكية والحزبية التي تحدثنا عنها..؟

د. مجاهد مخللاتي: ما يُعين على هذه الأمور هو التسليم بالقضايا الكبرى خارج التنافس السياسي، مثل قضايا الهوية والمسلّمات المجتمعية تكون خارج التنافس السياسي، ويكون للتنافس السياسي مفاهيم إدارية، فمثلاً كيف تدير المجتمع بالرأسمالية أو بالاشتراكية،  تديره بالسوق الحر أو بالأسواق المختلفة .
من الأمور اللافتة للنظر وهو أمر طَبَعي أننا نحاول أن نصل إلى القانون الطبيعي الذي يحكم حياة الناس، عندما يستلم حزب كلاسيكي ما السلطة، يُمنح له عادةً فترة أو فترتين لكي يطبق برنامجه، خلال هذه الفترة تصطبغ حياة الناس بإيديولوجية هذا الحزب، يعني ليس شرطاً أن تتبنى وتعتقد هذه الإيديولوجية، لكن كون برامجه هو تنفيذ إيديولوجية معينة، وبالتالي تصبح حياة الناس مصطبغة بهذه الإيديولوجية،  لمَّا تصطبغ حياة الناس بهذه الإيديولوجية يصبح مجال المناورة عند الخصم ضعيفاً، فيلجأ إلى محاكاة الحزب الحاكم بنفس ما استقرت عليه حياة الناس، ونرفع شعارات مُحاولة للتمايز أو إظهار القيمة المضافة التي يمكن أن يحكم بها.
في بلادنا الأمر لا يمكن أن يطبق بهذا الشكل.
أ. تمام : لماذا ؟؟؟
د. مجاهد مخللاتي: لأنَّ الأمور الكبرى لم توضع خارج المنافسة الحزبية بعد، ولا يزال عندنا استقطاب هوياتي ضخم في العمل السياسي ما بين منتمٍ لهوية البلد و ما بين معادٍ لهوية البلد، و بالتالي مادام هذا الاستقطاب موجود فلن يتقدم أحد خطوة إلى برامج حكم حقيقية،  ولايزال الاستقطاب السياسي على مستوى الهوية و ليس على مستوى البرامج الإدارية،  مادام هو على مستوى الهوية، فهذا مرشح شكلياً يصبح كما تفعل بعض الدول، فيأتي حزب بشعار إسلامي أو بوعود إسلامية،  فيَعد الناس بالفردوس المفقود.
أ. تمام : و هذه نقطة غاية في الأهمية و شهدناها في كثير من البلدان في الفترة الأخيرة.
فهذه الأحزاب السياسية هي لبلدان غير ناضجة سياسياً كما أشرت إليها، ترفع شعارات براقة،  تطرح البرامج والوعود، وربما يصعب تحقيقها، ليس على المدى القصير، بل حتى على المدى المتوسط، و ذلك لكسب أصوات الناخبين و كسب الأنصار.
أ.تمام: كيف نخرج من هذه المشكلة. .؟
د. مجاهد مخللاتي: هذه المشكلة التي ذكرتها نتحدث عن عدم النضوج السياسي، نتحدث عن الجمهور، نتحدث عن الظروف،  أنا لا أتحدث بنظرة فوقية على الناس، لا.. الناس ناضجة لكن الظروف غير مواتية بمعنى أن الاستقطاب الهوياتي هو السائد وليس الاستقطاب الإيديولوجي الحزبي "بمعنى الإداري"،  في هذه المجتمعات الذي يحدث حقيقة والذي نشاهده من خلال هذه الوعود العريضة، أن الناس تريد بسرعة الوصول إلى مصاف الدول الحديثة فلا تصبر هذه الشعوب على هذا الحزب أو ذاك، هذه من ناحية،  من ناحية أخرى وهي التي تحدث في الغالب أن المستعمر الذي لا يريد التحرر الوطني يضع بذوره في تلك البيئة الغير ناضجة،  يضع البذور لكي يهيج الناس ويستخدم مفاهيم مثل الدول العميقة والإعلام المعادي لهوية البلد، يستخدم بكثافة لإغراء الناس من جديد للخروج والثورة على هذه الطبقة الحاكمة التي تزداد ارتباكاً عندما يأتي نوع من الانتقاد، و بالتالي تشعر أن هويتها مهددة، وتعود إلى نفسها مرة أخرى.
العودة إلى الذات فقط يؤدي إلى زيادة في المشكلة و تضاعفها.
أ. تمام: ما المَخرج من ذلك في ظل هذه البيئات غير المستقرة وغير الناضجة سياسياً، أو الظروف غير الناضجة، ما المخرج وكيف يمكن أن نصحح مسار العمل السياسي،  تحديداً العمل السياسي الإسلامي..؟

د. مجاهد مخللاتي: حقيقة هو سؤال جوهري ومهم وأشغل الكثير من الناس والباحثين ولا يستطيع أحد أن يقول أنا أملك الجواب الذي يخرجنا من هذه النقطة لهذه النقطة.

أ. تمام: لكن لابد أنّ هناك معالم على الطريق.

د. مجاهد مخللاتي: نعم ..  هذه المعالم تأتي من خلال فهمنا للخلل البنيوي للدولة الحديثة كما يوصف من خلال العلماء الذين درسوا هذه الدولة،  ومحاولة عدم التماهي مع أخطائها وإنما تصحيح بعض الأخطاء.
مثلاً: في الدولة الحديثة التي تكون السلطة متغوّلة فيها على قوى المجتمع،  نحاول أن نعطي المجتمع نوعاً من الاعتبار من جديد، ليس بالجانب الدعوي فقط و إنما بإقامة مؤسسات في المجتمع تكون كفيلة بحل جزء كبير من مساكنها، كما كان في التاريخ الإسلامي .
التاريخ الإسلامي حافظ على حيوية المجتمعات، والمؤسسات المجتمعية ليست هي المؤسسات الحاكمة بالضرورة.
فلابد للعمل السياسي الإسلامي أن ينتقل إلى ذلك المضمار و ينظر إلى أدواته.
أيضاً.. من الأولويات الكبرى هي عدم الانجرار للوصول إلى الدول الفاشلة، في سوريا مثلاً يجب أن لا نصل من خلال عملنا السياسي إلى تكريس مفاهيم في الدولة الحديثة غير المواتية للظروف الموضوعية التي ستؤدي إلى تشققات و تصدعات وصولاً إلى دولة فاشلة في سوريا.
إعادة الاعتبار للطبقة المعتبرة عند الناس التي يثق الناس بها لتمارس دوراً سياسياً، ليس بمعنى المنافسة السياسية للوصول إلى الحكم وإنما دور سياسي في فرز البرامج و ترشيح الناس الثقات، 
مثلاً: طبقة العلماء، طبقة المفكرين .
هؤلاء كانوا في معزل عن السياسة في الفترة الماضية، هؤلاء يجب أن يُمَكنوا من جديد لأن الناس سوف تعود إليهم وتسألهم.
أنا لا أتحدث عن سلطة دينية، أنا أتحدث عن جهة غير منافسة، غير متهمة بمحاولة الوصول إلى الحكم، تكرس المفاهيم الأساسية في هويتنا في الجانب السياسي، 
مثلاً في هويتنا في الجانب السياسي: ترتكز على مبدأ سلطان الأمة؛ الأمة تختار، الأمة تعزل، الأمة تحاسب، الأمة تنتخب، الأمة تجدد الولاء  تنفي الولاء.
هذا لا بد أن يعاد.

أ. تمام: تقصد الشعب..؟
د. مجاهد مخللاتي: نعم نحن نتحدث عن الشعب، الحديث أيضاً عن سيادة الشرع، أنه لابد من التماهي بين التشريعات التي تسود المجتمع كما ورد معنا في الحلقة الماضية وبين مسلّمات واعتقادات المجتمع، لكي لا يكون المجتمع في حالة تشنج دائم وقلق دائم حول ما سيصبغ حياته وما سيصادم هويته، لابد من هذا الاطمئنان، من سيجعل هذا الاطمئنان ممكناً؟؟، إنها مؤسسات موثوقة لدى المجتمع تقوم بعمل هذا الجسر.
أيضاً من الملامح المهمة عدم الانسياق إلى بيئة مُمَزِقة للوطن، بمعنى أن الثورات أو في الثورة السورية سينشأ لدينا بعض أدوات المستعمر مثل ما يسمى "بخوف الأقليات أو اضطهاد الأقليات"..  الخ
هنا نحتاج أن نعود إلى ثقتنا بأنفسنا ونعود إلى تاريخنا، وكيف كان تاريخنا يتعامل مع هذه الأمور..؟
لم يكن في تاريخنا مشكلة أقليات وإنما أثارها المستعمر، فيجب أن تدرس بشكل حقيقي، ليس بشكل فكري، بشكل حقيقي وإسقاطه واقعياً
علماء من قبيل: {محمد رشيد رضا _ محب الدين الخطيب_ أمين الحسيني _ كامل القصاب} كيف كان تعاملهم في تلك البيئة سياسياً، ونحاول أن نوجد ثقافة عامة تطمئن الأقليات بأنه لا داعي للخوف، والأقليات العاقلة و مفكري الأقليات يعلمون أنه لا داعي للخوف، وقد رأينا نماذج لذلك مثل: {فارس الخوري _ مكرم عبيد} ولا تخلو الساحة حالياً ولا أريد أن أسمي أسماء لأن هناك حساسية للأمر. ولكن لا تخلو الساحة من وجود مواطنين شرفاء يرفضون الهيمنة الغربية على القرار ويرفضون السيطرة على الهوية.

أ. تمام: لكن ربما دكتور في الحالة السورية نواجه مشكلة احتكار الهوية العربية و الإسلامية لدى البعض،  كلٌ يدعي أنه يهدف إلى الحفاظ على هذه الهوية وأنه هو الوحيد الذي يريد الحفاظ عليها وهو القادر على ذلك، ويتهم الآخرين إما بالعمالة أو بالمرونة أو بالمداهنة.
ليست مشكلتنا الوحيدة هي محاربة الغرب ومحاربة المستعمر لهويتنا،  مشكلتنا فيما بيننا، في فهمنا لهذه الهوية.
د. مجاهد مخللاتي: هذا موضوع جوهري بالتأكيد، وأعتقد أن سبب وجوده، هو "التنازع" هل يوجد هوية عربية مسلمة أم لا يوجد، إذا أزلنا هذا السبب وجعلناه خارج التنافس الحزبي وخارج التنافس السياسي ستبطل دعوى هؤلاء الغلاة الذين يرفعون هذه الشعارات، لأن دعواهم تنبني على أن الغرب يريد هذا والعاملون في الحقل السياسي يوافقونه.
عندما يحسم الموضوع ويصبح خارج إطار التجادل السياسي كما ذكرنا، تضعف الحجة عندهم، يدرك الناس أن هذا عامل معركة من لا شيء، عندما يحسم الموضوع لصالح وجود الهوية العربية المسلمة لهذا البلد، ولصالح أن الدستور يجب أن يراعي هذا الأمر، وأن التشريعات التي تصبغ حياة الناس لابد أن تصطبغ بهذه الهوية. فلا يأتي ما يعارض عقائد الناس ويخالف معتقداتهم عندها ستبطل هذه الحجة وسيضعف هذا الموالي.

أ. تمام: طيب .. إذا ما وصلنا إلى هذه الصورة المثالية من العمل السياسي التنافسي الناضج.
ماذا بعد ذلك..؟ ماذا بعد الوصول ؟؟ هل سنتجه إلى الحكم؟  هل هو الغاية؟
د. مجاهد مخللاتي: طبعاً الغاية هي إقامة العدل وليس الوصول إلى الحكم، الوصول إلي الحكم وسيلة عند المخلص ليقيم بها العدل من خلال برامجه، عندما تحسم القضايا مبكراً، ويصبح التنافس احترافياً، بمعنى تنافس راشد، والكل يقدم برنامجه لإدارة هذا الوطن أو هذه الجمهورية، عندها ستنتقل الجمهورية من تقدم إلى آخر، عندما يوظف موضوع الشورى توظيفاً حقيقياً وتكون واجبة الحدوث وملزمة للحاكم، وعندما تتاح للناس الحريات، فإن الأمر سينطلق وسوف يشعر الناس بالانتماء لهذا المجتمع، وستنشأ عندنا العديد من المؤسسات المجتمعية التي تصحح وتجعل سلطة الحاكم كما كانت عبر التاريخ في مجالات محددة وليست متغوّلة في حياة الناس وبالتالي يصحح الناس معاشهم كما كانوا يصححونه عبر التاريخ من خلال قيادات غير متهمة، قيادات ليس همها الوصول إلى الحكم للسيطرة و إنما غايتها إقامة العدل و إصلاح المجتمع.

أ. تمام: وبالتالي سيصل الجميع بتعاون الساسة والشعوب إلى الحفاظ على الهوية التي نتحدث عنها من حلقتنا الأولى.
د. مجاهد مخللاتي: هذا ما نصبو إليه، هي حقيقة مبعثهم، وفي ذلك استقرار الهوية وأملهم بالوصول إلى بناء حضارة تليق بالدماء التي سكبت في سوريا وتليق بالموقع الاستراتيجي الجيوسياسي الذي حباها الله عز و جل إياه، وتليق بتاريخها المشرق، تليق بفترات الضغط الشديد التي مرت عليها وتخرج منها، سيكون إن شاء الله تعالى مثالاً نموذجياً يحتذى به.

أ. تمام: نأمل ذلك و نأمل أن يتحقق ذلك قريباً في سوريا وفي جميع دولنا العربية و الإسلامية.
و بهذا دكتور نصل إلى نهاية هذه الحلقات التي تحدثنا فيها واستمتعنا باستضافتكم طوال هذه الحلقات والحديث عن الهوية المجتمعية الوطنية وانعكاساتها على العمل السياسي.
لم يبقَ إلا أن نشكر وجودكم معنا على هذا البيان الرائع.
وأنتم مشاهدينا الكرام لكم جزيل الشكر على حسن المتابعة.
حتى نلتقيكم في حلقات قادمة بإذن الله، نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.