الأربعاء 20 ربيع الآخر 1438 هـ الموافق 18 يناير 2017 م
كي لا يكون الخلاف معولا للهدم (3) صور مراعاة الخلاف السائغ
الأربعاء 1 ربيع الأول 1438 هـ الموافق 30 نوفمبر 2016 م
عدد الزيارات : 178

 

كي لا يكون الخلاف معولا للهدم (3) صور مراعاة الخلاف السائغ
د. معن عبد القادر كوسا 

 

مشاهدينا الكرام، نحييكم بتحية الإسلام، تحية أهل الجنة يوم يلقونه سلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من صناعة الوعي، وحديثنا لا يزال حول موضوع الخلاف كيف لا يكون معلولاً للهدم.
باسمكم أجدد التحية بفضيلة الدكتور (معن عبد القادر) الباحث الأكاديمي، والأمين العام لهيئة الشام الإسلامية ضيفنا في هذه الحلقات.

أ. تمام: مرحباً بك دكتور.

د. معن كوسا: حياكم الله أخ تمام.

أ. تمام: دكتور، في الحلقة السابقة تفضلت بتقسيم الخلاف إلى سائغ وغير سائغ، وتعرفنا إلى معايير الخلاف السائغ والحالات التي يكون فيها الخلاف سائغاً أو غير ذلك.
السؤال المُلِح هنا ما أثر هذا التقسيم على الموقف من الخلاف؟

د. معن كوسا: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
دعنا نتحدث عن الخلاف السائغ، ما هو الخلاف السائغ كما عرفناه في الحلقات السابقة، هناك مسالك فقهية أو عملية، هناك أمر من أمور الدين أو من أمور الدنيا تباينت فيها وجهات النظر، وهناك ما يجعل هذا التباين سائغاً، لكن أنا صاحب أحد القولين أرى أن قولي هذا هو الصحيح، وأرى أن القول الآخر ليس صحيحاً، ولكنني أرى أن المسألة قابلة للخلاف، إذاً لا يعني أن المسألة خلافية، أي أنا متشكك هل ما أنا عليه حق أو لا؟ لا..

أ. تمام: لكنك لا تنكر على الآخر.

د. معن كوسا: سنأتي الآن إلى تبعات هذا الأمر، مثلاً: أقول يجب على المرأة أن تغطي وجهها، أنا متبني هذا الرأي، لا أقول أنا متشكك منه ويجب أو لا يجب، أنا أعرف أنه يجب، وأرى أن من يقول تكشف المرأة وجهها كلامه ليس صحيحاً، لكنني أرى المسألة خلافية، فبالتالي السؤال هو ماذا يترتب على كون هذه المسألة خلافية؟ وإن كان هو الحق في هذه المسألة ولكن أرى أنها لا تزال خلافية، ما الذي يترتب على هذا الأمر؟
هذا ما نحتاج أن نقف عنده، إذا رجعنا لنستأنس بعلمائنا كيف عبروا عن هذه القضية بعبارة مراعاة الخلاف السائغ، فلدينا سؤال: ما هي صور مراعاة الخلاف السائغ؟ أستطيع من جملة ما اطلعت عليه ومن جملة ما كُتب في هذه المسألة أن ألّخص المراعاة في أربع قضايا أساسية:
الأولى: عدم تأثيم المخالف أوتفسيقه، نعم أنا أرى أن هذا القول ليس هو الحق، لكنني لا أؤثمه ولا أفسقه.
الثانية: تصحيح فعله والآثار المترتبة عليه.
الأمر الثالث: الاحتياط بالخروج من الخلاف حين يكون قوياً.
المسألة الرابعة: ربما أتبنى رأي المخالف في حالات معينة.

أ. تمام: أرى أننا نحتاج إلى أن نقف عند كل قضية بشيء من التفصيل، بدأنا بالأولى -كما تفضلت- عدم تأثيم المخالف أو تفسيقه، هل ترى هذا واقعاً؟

د. معن كوسا: نحن في الحقيقة وللأسف لا نراه واقعاً في كثير من الصور، لكن علينا بالأمر الشرعي وليس بالأمر القدري، إذاً، نعظ أنفسنا ونعظ إخواننا ونذكر لهم حال علمائنا ومشايخنا في هذه المسألة.

أ. تمام: هل هذه الصورة تكون في كل الخلاف؟

د. معن كوسا: نحن نتحدث هنا عن الخلاف السائغ، وسنتحدث إن شاء الله عن الخلاف غير السائغ بعد قليل، ولعله في الحلقة القادمة، لكن دعنا نركز على الخلاف السائغ، أحببت أن أوضح الصورة في البداية ومحل حديثنا اليوم، حديثنا عن مسألة مختلَف فيها، أنا تبنيت هذا الرأي وهو الصواب، أرى الرأي الآخر خطأً، ولكن أرى أن المسألة خلافية.

أ. تمام: ولا أؤثّم ولا أفسّق.

د. معن كوسا: قلنا الأمر الأول لا أؤثم ولا أفسق، لأن هذا الآخر عنده مستند، ومستندي كمستنده، لكن اختلفت طرق نظرتنا للدليل، فلذلك ليس هناك محل تفسيقي ولا تأثيمي، واسمح لي هنا أن أنقل بعض أقوال العلماء، وهي أقوال فيها نور يستضاء بها.
يقول (ابن قدامة) عليه رحمة الله تعالى: إن من عمل في الفروع المختلف فيها عند الأئمة اختلافاً شائعاً، كمن تزوج بلا ولي وبلا شهود، أو شرب من نبيذ مما لا يسكر، أو أخّر الزكاة أو الحج متأولاً أو مقلداً لمن لا يرى حلّه، فيذكر أمثلة من أمر خلاف سائغ عنده، قال من فعل هذا لم ترد شهادته. وعبارة لا ترد شهادته أي لا يفسق، لأن الصحابة كانوا يختلفون في الفروع وقبلوا شهادة كل مخالف فيها، ولأنه اجتهاد سابق لا يفسق به المخالف كالخلافات الأخرى.
هذه مسألة مهمة لا ينبغي أن نطلق ألفاظ التبديع والتضليل والتفسيق والتأثيم على أصحاب الرأي الآخر حين تكون المسألة خلافية.

أ. تمام: قبل أن أنتقل إلى الصورة الثانية، اسمح لي أن أخرج عن المحاور.
أنا كإنسان عامي هل يصح لي في قضايا الخلاف السائغ أن أتبع أي رأي؟
أنا لا أتكلم عن الخلاف غير سائغ، أنا أتكلم عن الخلاف السائغ والكل لديه الدليل.

د. معن كوسا: ذكرنا أن الإنسان العامي لا يميز بين السائغ وغير السائغ.

أ. تمام: عامي، لكنه متعلم.

د. معن كوسا: عندما نقول عامي نعني أنه عامي من حيث الأدلة الشرعية وليس عالماً بالشريعة، فقد يكون طبيباً أو مهندساً لكن لم يعود نفسه على النظر في الأدلة، فبالنسبة إليه لا يستطيع أن يميز هل الخلاف سائغ أو غير سائغ، هذا الكلام نريد أن نقوله لطلبة العلم وللناس الذين يختلفون، ليعرفوا كيف ينبغي أن يتعاملوا مع هذا الأمر، فنحن نقول للإنسان الذي لم يتبحر في هذه القضايا وليس عنده أهلية للنظر في الأدلة والترجيح بينها، نقول له أنت مكلف أمام الله عزَّ وجلَّ والذي ستُسأل عنه يوم القيامة هو هل أنت صادق باتباع من يتصف بالعلم وتثق به؟ أي رجل يخاف الله ومتعلم، أمّا إذا رأيت إمام مسجد تسأله فلا، لأن إمام المسجد قد لا يكون متعلماً، فإذا أنت اجتهدت في أن تتبع من تثق بعلمه ودينه، ثم كان رأيه خطأً، فأنت معذور، لأن هذا هو القدْر الذي تحسنه.
وهذا يعني حقيقةً أن هذا الرجل العامي الذي اتبع ليس له الآن أن يتكلم على رأي الآخر، لأنه أصلاً مقلد للقول، فليس له أي تعليق أو تبديع أو إبداء الرأي في الرأي الآخر.

أ. تمام: إذا ما انتقلنا إلى الصورة الثانية من مراعاة الخلاف السائغ، تفضلتم بذكر تصحيح فعله والآثار المترتبة عليه.

د. معن كوسا: وإلا فسيصبح الناس يختلفون، وسيترتب على الاختلاف أشياء، فإذا اختلفت معك في شيء لا ينبغي أن أسترسل في لوازم هذا الخلاف وأطّرد فيها. أعطيك أمثلة: ذكر ابن داوود رحمه الله تعالى مسألة عن الإمام أحمد، قال في باب نقض الوضوء مس الذكر، فقلت لأحمد: فرجلٌ لا يرى في مسّ الذكر وضوء أصلي خلفه؟ فقال: نعم.
هذه مسألة خلافية، وهو لا يرى نقضاً للوضوء في هذا.
الآن لو جئنا إلى مسائل نواقض الوضوء، نجد مسائل اختُلِف فيها مثل: (النوم _ الجرح _ مس الذكر)، معنى هذا أن الحنفي لا يصلي خلف الشافعي، والشافعي لا يصلي خلف الحنفي؟ فلذلك قال العلماء طالما هذه المسائل خلافية صحح فعل الآخر ولا تطّرد في الخلاف.

أ. تمام : أريد أن أوضح فقط، صحح أي لا تخطّئه؟

د. معن كوسا: لا تخطّئه، لا تأثّمه، لا تصحّح قوله، قوله عندك خاطئ، لكن صحّح الأفعال التي ترتبت على القول، مثلاً: هو يرى أن النوم قاعداً لا ينقض الوضوء، وأنت ترى أنه ينقض الوضوء، بجانبك رجل نائم وهو جالس، وبعدها قام يصلي وراء الإمام، لا تقل له لا أصلي خلفك. المسألة خلافية، صحيح لو كنت أنت مكانه ستتوضأ، لكنك مؤمن أن المسألة خلافية.
هذا يؤدي إلى ألا يصلي الحنفي وراء الشافعي ولا الشافعي وراء الحنفي، لأن بينهم مسائل، مثلاً: هذا يرى مسح الخفين، ومسح على خفه وصار إماماً، أقول لا، أنا لا أصلي خلفه؟ هذه مشكلة.

أ. تمام: اتضحت الصورة.
الصورة الثالثة: الاحتياط بالخروج من الخلاف، كيف يكون؟

د. معن كوسا: يعني أحياناً يكون الخلاف في المسألة قويا، وعندما يكون الخلاف قويا ولم يترجح عند العالم أو طالب العلم أحد القولين تماماً، فهنا نقول له: من مراعاة الخلاف السائغ أنك تذهب للقول الأحوط.

أ. تمام: هذا في حال أنه ليس متمسكاً برأيه؟

د. معن كوسا: لا، في حال لم يتبين له دليل قطعي، فأحياناً يصل المجتهد إلى مسائل لا يرى فيها وضوحاً ودليلاً قوياًّ، فيقول لك عندي أقوى من هذا بشيء بسيط، فيقول لنبقَ مع الأحوط.
أعطيك مثالاً: يقول المازني: في مذهب مالك من بسمل لا تبطل صلاته.
مالك يرى ألا نقولَ البسملة، ولكن لو قال بسم الله لا تبطل صلاته، ومذهب الشافعي من لم يبسمل بطلت صلاته، يعني يجب أن يبسمل.

أ. تمام: البسملة عند بداية الفاتحة.

د. معن كوسا: الآن لو ترجحت عند أحدٍ القضية بأن يبسمل فيبسمل.
لما درس المسألة وجد أنها غير واضحة، وهناك أرجح منها بكذا، فنقول له ابقَ مع الأحوط، ما هو الأحوط هنا؟
أن تبسمل، كما قال (المازني): صلاة متفق عليها خير من صلاة مختلف عليها، لأنك لو بسملت في تلك لا مشكلة، لكن لا يجب عليك أن تبسمل.
فبالتالي يقول (البدر الزركشي الشافعي): يستحب الخروج من الخلاف باجتناب ما اخُتلِف في تحريمه، وفعل ما اخُتلِف في وجوبه. كما ذكرت، يكون هذا عندما يصبح الأمر غير مترجح، فنقول لنبقَ مع الأحوط، ليس فقط في المسائل الفقهية، بل في المسائل العملية أيضاً، الآن نأخذ هذا القرار أم ذاك القرار؟  اختلفنا في القرار، هذا القرار ليس صائباً كفاية، وعندي أحسن منه بقليل، لكن هذا القرار فيه القليل من المخاطرة، طيب، دعنا مع القرار الأسلم وإن كان ليس رأيي وليس جازماً، فهذا من صور مراعاة الخلاف.
بينما إن لم يكن الخلاف سائغاً فإنني لا أفعل هكذا.

أ. تمام: الصورة الرابعة هي تبني رأي المخالف، وهذه صورة تبدو غريبة، ربما مثالية، ولا أدري إن كانت واقعية.
أتبنى رأي المخالف؟

د. معن كوسا: هذا مما يدل على العدل والإنصاف ومعنى الرحمة والسعة الذي بدأنا به في الاختلاف.
أحياناً يكون عند العالم رأي، لكن يرى في ظرف معين أن هذا الرأي سيكون فيه مشقة كبيرة، فيذهب للرأي الآخر أو يرى أن رأيه هذا قبل أن تقع هذه المسألة، ولكن بعد أن وقعت أصبح هناك مشكلة بأن يفتي بهذا الأمر. أعطيك مثالاً: صلى أبو يوسف القاضي بالناس يوم الجمعة واغتسل في الحمام من ماء البئر، فلما تفرقوا بعد صلاة الجمعة أُخبروا بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقالوا له: يا شيخنا، إنا وجدنا فأرة ميتة في بئر الحمام، ومذهبهم أن الفأر يُنجس بغض النظر عن كمية الماء، فقال: إذاً، نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة (إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث) لاحظ لأنه أتى بمشقة كبيرة.

أ. تمام: رغم أن هذا لا يوافق رأيه.

د. معن كوسا: لا يوافق رأيه، لكن الآن أصبح هناك شدة كبيرة على الناس، مثلاً: إنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها، وأعتقد أنه الحق، وجئت في ظرف معين وجدت أن بتغطيتها لوجهها مفسدة كبيرة عليها، قد يعتدى عليها وقد تؤذى، فأذهب للرأي الآخر، لأن المسألة خلافية، فأذهب للرأي الآخر، لأنني أرى أن المسألة فيها مشقة.
مثال أخير وجميل: سُئل الإمام مالك عن مسألة في المواريث، فأجاب بجواب زيد بن ثابت، فسأله رجل عن قول آخر، فقال له علي وابن مسعود يقولون كذا وكذا، فكاد الناس يضربونه، فبعد أن فُضّ المجلس دعا الإمام مالك هذا الرجل، قال له: أنت من أي بلد؟  قال له من بلد كذا وكذا، أي: من بلد آخر، فقال: يا أخي علي وابن مسعود لا يُنكر فضلهما، إن أهل بلدنا على قول زيد، فإن كنت بين قوم فلا تبدأهم بما لا يعرفون فيبدؤونك بما لا ترضى.
أيضاً مثال آخر: القنوت في الفجر ليس من السنة، لكن جئت إلى أهل بلد اعتادوا على هذا طول الوقت، والمسألة محل خلاف فيمن قال بها، فأذهب إلى الرأي الآخر حتى لا أحدث فتنة في الناس.

أ. تمام: أوافق ما عليه أهل البلد وعلى مذهب.

د. معن كوسا: هذه حالات، فيمكن أن أنتقل من الرأي إلى الرأي الآخر، لكن لا أرى هذا الرأي غير سائغ، بل أراه رأياً سائغاً، لكن أرى فيه مشقة كبيرة.

أ. تمام: ربما يكون مقلداً ويقلد من آل بينهم.

د. معن كوسا: أعطيك مثالا حقيقيا عشته:
الرأي السائد عند المشايخ المعاصرين في قضية الطواف أنه لابد أن يكون بطهارة، ويفتون بهذا، طبعاً المسألة فيها خلاف يسير، والشيخ ابن تيمية رأى أنه لا يوجد نص صريح على الوضوء، والحديث (الطواف بالبيت صلاة) ليست صلاة بكل شروطها وأركانها، لكن العلماء يفتون بوجوب الطهارة، لكني رأيت أحد المعتبرين جاء أحدهم إليه وقال: يا شيخ، أنا طفت ستة أشواط، وفي الشوط السابع انتقض وضوئي وأكملت، والآن رجعت إلى بلدي مصر. العالم يقول الآن هذه مسألة خلافية، أي لو قال له طفت فقط خمسة أشواط ورجعت إلى مصر، فسيقول له يجب أن ترجع، لأنه لم يقل أحد إن خمسة أشواط تُجزء.

أ. تمام: لكن انتقض الوضوء.

د. معن كوسا: انتقض الوضوء، هذه مسألة خلافية، الآن لاحظ أن الأمر أصبح فيه مشقة، فقال في المرة القادمة انتبه.

أ. تمام: رغم أن هذا العالم يرى وجوب الطهارة.

د. معن كوسا: وإذا سألته على الشاشات لا يفتي إلا بهذا، لكن في هذه الحالة رأى أنه في مشقة والمسألة خلافية، فذهب إلى الرأي المخالف، لكن لا يفتي به.
ورجل أتى الشيخ وقال له: وأنا في الطواف انتقض وضوئي، فسيقول له: ارجع. لكيلا يتساهل، لأنه بالحرم، أو في مكة، أو ذهب إلى الرياض، سيقول له ارجع، طالما أنه يرى أن المسألة لا تزال محتملة، وهذه من صور المراعاة.

أ. تمام: جميل، هذا على صعيد المسائل الفقهية والشرعية، ماذا عن المسائل الأخرى؟ الجوانب العملية في حياتنا هل يمكن إسقاط مثل هذه الصور والحالات على واقعنا؟
ولا سيما في الخلافات والمواضيع الكبرى التي تؤثر في حال الأمة وتذهب فيها دماء.

د. معن كوسا: نعم، كلما ذكرنا من هذه الصور يمكن أن نسترشد بها في خلافاتنا العادية، إذا قلنا إنه لا يُؤثّم ولا يُفسّق وهي خلاف في مسألة من الدين، فمن باب أولى ألا يكون في غير ذلك من الخلافات، نعتبر أنه أخطأ.
إن حجم الأمر المترتب على الخطأ لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد في القياس، ينبغي أن ننظر هل هناك سائغ لهذا الخلاف أو لا، فموضوع عدم التأثيم والتفسيق والاحتياط ينبغي أن نستحضره، يجب أن نرى الأمر الأسلم الذي نتفق عليه، كمثال البسملة، أنت ترى أنه لازم والقدر المتفقين عليه أنه كذا، لكن لنبقَ مع الأمر المتفقين عليه، وهي مسألة مهمة جداً وقاعدة عظيمة.
إذا أردنا أن نشترك في أعمال معينة سيكون بيننا تفاوت في وجهات النظر دعونا نحرر القدر المتفقين عليه.

كنت في إحدى المرات في ندوة، وكنا نتحدث عن المصطلحات الشرعية التي تدخل في السياسة والرأي فيها، كان عندهم في الحقيقة طريقتان للنقاش، إما أن نقول من يوافق على هذا و من لا يوافق، فوجدنا أن الخلاف كبير، انتقلنا إلى طريقة أخرى في النقاش، فقلنا يا جماعة من لديه اعتراض على هذا، من يرى أن هذا لا يجوز في حال من الأحوال، فاختلف الوضع، صحيح أن رأيي ليس هذا، لكن لا مشكلة ولا أعترض، لكن لو سألتني سأقول لك لا أريد هذا، فخفّ الأمر كثيراً، وأصبح القدر المتفق أكبر بكثير، وهنا نقول نذهب إلى الأحوط طالما أننا مختلفون في هذه المسألة.
نأتي إلى المسألة الأخيرة التي ذكرناها في الصور، حقيقةً إنها صورة مهمة في الأشياء العملية، وهي تبني رأي المخالف، وهي عندما ترى رأيك فيه مشقة، مثل قائد عسكري أو أمور مدنية، وترى أن الأمر المعتقد فيه صعب، وفيه تحديات أو مشاكل، فلا بأس إن اتبعت رأي الآخرين طالما أن المسائل بقيت ضمن الاجتهاد.

أ. تمام: لكن- دكتور- ألا ترى واقعياً أن معظم ما يحل بالأمة اليوم سواءً في خلافات القضايا الشرعية أو حتى في الخلافات الميدانية، مناطه كل ذلك أنه لم نأخذ بكل هذه الصور التي تفضلت بها، كيف يمكن أن نطبقها عملياً؟
كيف يمكن أن تقنع هؤلاء الذين يتشبثون بآرائهم ويرون في الآخرين تفسيقاً وتبديعاً وربما أكبر من ذلك، كيف تقضي على هذه الظاهرة؟

د. معن كوسا: الشيخ ابن تيمية عنده عبارة رائعة، وهو على كثرة ما تأصل في موضوع الخلاف و هو أكثر من كتب في هذا الأمر.
له عبارة جميلة ومختصرة يقول: أكثر أسباب الخلاف من البغي. وليست حقيقةً من الخلاف العلمي، المشكلة ليست أن الناس مختلفون في قضية فهم مسألة، نعم هذا موجود، لكن نحن نلبس الخلاف المسائل العلمية.
مثل مسألة حب السلطة، حب الزعامة، حب التصدر، الاعتداد بالرأي، لكن لا أحد يقول أنا أريد أن أكون الزعيم.

أ. تمام: حتى لو كان الضرر متعدياً؟

د. معن كوسا: أحياناً بعض النفوس المريضة تجدها (أنا أو الطوفان).
قليلاً ما تجد في الخلافات أن الناس فعلاً صادقون وفعلاً متبعون الدليل وأن خلافهم خلاف علمي، تجد كثيراً أن سببه البغي، ومثال على ذلك: أحياناً تجد أنه إذا قال أحد أصحابه يقبله، وإذا كان من غير أصحابه يرفضه، فمعناه أن مشكلتك ليست في القول، والحقيقة أنا أوردت عدة أمثلة مثل عبارة معينة: إذا قيل بها الشيخ فلان تُنقد وتُنسف، وإذا قال بها الشيخ فلان يؤخذ بها.  فحقيقة هذا أن خلافنا ليس لقضية علمية، القضية اتباع أهواء وتقليد وتعصب وحزبيات، وإذا كنا متبعين الأدلة اتباعاً صحيحاً فسنختلف اختلاف الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، اختلافاً لا يضر بل يُثري ولا يؤدي إلى التنازع والفرقة.

أ. تمام: ومن خلال هذا البرنامج وهذه الحلقات نسهم في الوصول إلى خلاف بناء لا معول هدم كما تفضلت.
بهذا نصل إلى ختام هذه الحلقة دكتور، لم يتبق إلا أن نشكر وجودكم معنا ونشكركم على هذا البيان.
والشكر موصول لكم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، مزيد من المحاور في حلقة قادمة، حتى ذلكم الحين نترككم في رعاية الله وحفظه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.