الخميس 29 محرّم 1439 هـ الموافق 19 أكتوبر 2017 م
كي لا يكون الخلاف معولا للهدم (1) بين الخلاف والتنازع
الاثنين 28 صفر 1438 هـ الموافق 28 نوفمبر 2016 م
عدد الزيارات : 596

 

كي لا يكون الخلاف معولا للهدم (1) بين الخلاف والتنازع
د. معن عبد القادر كوسا - صناعة الوعي 

 

مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله في هذه الحلقة الجديدة من صناعة الوعي، التي تعتبر الأولى من سلسلة حلقات نناقش فيها موضوع جمع الكلمة ونبذ الخلاف في مرحلة ربما هي الأخطر من حيث التحديات التي تواجهها أمتنا الإسلامية على جبهات وأصعدة مختلفة ما يتطلب وحدة الصف واجتماع الكلمة ونبذ الاختلاف.
"حتى لا يصبح الخلاف مِعولاً للهدم " هذا هو الاسم الذي اختاره ضيف هذه الحلقات عنوانًا لمحاورها، باسمكم جميعًا أرحب بضيفنا فضيلة الدكتور معن عبد القادر الباحث الأكاديمي والأمين العام لهيئة الشام الإسلامية.

أ. تمام : حياكم الله دكتور.

د. معن كوسا: حياك الله، وأهلاً وسهلًا بكم وبالأخوة المشاهدين.

أ. تمام: دكتور، لا شك أن الأمة الإسلامية اليوم تمرّ بمحن وتعصف بها كثير من المشكلات التي ربما تتطلب وحدة الصف أكثر من أي وقت مضى، لكن قبل أن نتحدث عن هذه الخلافات وسبل تجاوزها وإنهائها إن صح التعبير، اسمح لي بداية أن أسأل عن الخلاف الذي نعنيه هنا، ما المقصود به؟
هل هو الاختلاف أو ثمة فرق بين الكلمتين؟

د. معن كوسا: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الخلاف هو الاختلاف كما هو ظاهر، وهما من مادة واحدة ومن جذر واحد، وأكثر أهل اللغة وعلماء الشريعة على أنهما بمعنى واحد في الاستخدام، الخلاف هو الاختلاف، ويعنيان التغاير وعدم التماثل، كما قال الله تعالى: (و ما ذرأ لكم في الأرض مختلف ألوانه ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها)، فهذا هو معنى الاختلاف، وهو عدم التماثل سواء كان هناك تضاد أم لم يكن هناك تضاد، فعدم التماثل يسمى اختلافًا، إلا أنَّ الاختلاف في القرآن كما أشار إليه الشيخ ابن تيمية بالقرآن بين البشر إنما جاء بمعنى التضاد و ليس مجرد عدم التماثل، قال الله تعالى: ( فلقد اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ). فالاختلاف بين البشر بمعنى التضاد فيما بينهم.

أ. تمام: هل يعني ذلك الفرقة؟ 
هل يعني ذلك التنازع؟

د. معن كوسا:  أحسنت، الحقيقة ليس بالضرورة أن يؤدي الاختلاف إلى تنازع ولكن كثيرًا ما يفضي الاختلاف إلى التنازع، إلى الحد الذي يُستعار أحيانًا بلفظ الاختلاف بدل التنازع، يعني لكثرة ما يؤدي الاختلاف إلى تنازع يذكر الاختلاف بدلًا من التنازع، كما يقول الله تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربهم}، أي: لا يزالون متنازعين. {فاختلف الأحزاب من بينهم} يعني: تنازع الأحزاب.  فالاختلاف يؤدي كثيرًا إلى التنازع، وأحيانًا يستخدم به، و إلا فليس بالضرورة أن يؤدي إلى التنازع، مثلاً: الصحابة رضوان الله عليهم حصل بينهم اختلاف، وكانوا مختلفين في أمور، وأما اختلافهم في الأمور الفقهية فأشهر من أن يمثل له، وهناك الآراء المختلفة عند الصحابة في مسائل، لكن حتى في الأمور غير الفقهية، حتى في الأمور الحياتية كان يحصل بينهم اختلاف في الرأي كما يقال، وفي قصة " أسارى بدر" المشهورة  شاور النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر: ماذا أفعل في الأسارى؟ فقال أبو بكر: هؤلاء هم بنو العم والعشيرة فلو نقبل منهم الفداء ولعل الله عزَّ وجل يهديهم.. إلخ
هذا رأي أبو بكر، ماذا قال عمر؟
قال: يا رسول الله، والله لا أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تعطيني فلانًا فأضرب عنقه... إلخ
إذًا، كان يحدث اختلاف بينهم.

أ. تمام: هذا كل ما ذكرته هل ينطبق عليه خلاف أو اختلاف.

د. معن كوسا: خلاف أو اختلاف في الحقيقة سيّان، لكن هناك فرق بسيط، بعضهم أشار إليه، نحن نتكلم على الخلاف حينما نتحدث عن شخص يخالف المجموعة فنقول خالفهم، أما إذا تحدثنا عن المجموعة كلها فنقول اختلفوا فيما بينهم، فالخلاف يسير كما ترى، لكن من حيث الدلالة هي واحدة.

أ. تمام: بالإشارة إلى ما ذكرته مما وقع من خلاف بين الصحابة الكرام رضوان الله عليهم.
البعض يرى أن في ذلك رحمة للعباد وتوسيع عليهم، وهناك من يستشهد في الحديث "اختلاف أمتي رحمة" في موضوع الخلاف الذي يقع بين الصحابة وبين العلماء وبين أصحاب الرأي الفقهي.

د. معن كوسا: أولاً: طبعًا هذا القول ليس حديثًا، ينتشر على الألسنة على أنه حديث، لكنه ليس حديثًا، و إنما الثابت أنَّه من كلام بعض التابعين، لعله من كلام (القاسم المحمد)، لكن المعنى جاء على لسان عدد من العلماء التابعين.
(القاسم المحمد) رضي الله عنه يقول: "قد نفع الله سبحانه باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعمل العامل برأي رحل منهم إلا رأى أنه في سعة"
و(عمر بن عبد العزيز) رحمه الله ورضي عنه يقول: "ما يسرني أنَّ أصحاب رسول الله لم يختلفوا، لأنه لو كان رأيًا واحدًا لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يُقتدى بهم".
حتى إنَّ رجلًا ألَّف كتابًا أراد أن يسميه كتاب الاختلاف، فعرضه على الإمام أحمد فقال سميه " كتاب السّعَة".
فالحقيقة أنَّ الاختلاف حين يكون في الفروع، وحين لا يؤدي إلى التنازع والفرقة يكون من مظاهر الرحمة والسعة للأمة.

أ. تمام: إذًا، المعنى صحيح، لكنه لا يَصِح حديثًا.

د. معن كوسا: المعنى صحيح إذا كان ضمن الخلافات في الفروع ولم يؤدِ إلى التنازع، لكنه لا يصحُّ حديثًا.

أ.  تمام: هل هذا محصور فقط في خلافات الفروع الفقهية أو في أي خلاف؟

د. معن كوسا: لا، الخلاف من طبع البشر، في جميع الخلافات يحصل أن الناس تتباين آراؤهم فيها، فقد يؤدي إلى التنازع إذا لم يحسنوا التعامل مع هذا الخلاف أو خرج عن إطاره الطبيعي.

أ. تمام: كي نستوضح أكثر دكتور، هناك من يستدل بالحديث "وسألت ربي ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيه" يستدلون بذلك على أنَّ الخلاف والنزاع هو أمرٌ قَدَرِيّ وحتميّ لا محالة، وكذلك في الآية الكريمة {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك}
كيف نوفّق بين هذه النصوص وبين ضرورة اجتماع الكلمة ونبذ الفرقة إذا كان هذا الخلاف أمر قدره الله على هذه الأمة؟

د. معن كوسا:أحسنت، لفظ الحديث، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "سألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني الثالثة، سألته ألا يسلّط عليهم عدوًا من غيرهم فيجتاحون فأعطاني، وسألته ألا يأخذهم بسنة عامة فأعطاني، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيه".

فإذًا، وقوع البأس بين أفراد هذه الأمة نسميه أمرًا قدريًا، لأنَّ الله سبحانه وتعالى قدَّره على هذه الأمة، ولابد من أن نفرق بين الأمر القدري والأمر الشرعي، نحن متعبدون ومكلفون بالأمر الشرعي الذي يأمرنا الله تعالى بأن نفعل أو لا نفعل، هذا الذي نتعبد به، وهذا الذي يحاسبنا الله سبحانه عليه، أما الأمر الذي يقدره الله سبحانه و تعالى لحكمة منه سبحانه فهذا أمرٌ لا نُحاسَب عليه، وهذه الحقيقة ليست في مسألة الخلاف فقط، فهناك أمور كثيرة أخبر الله عزَّ و جلَّ في قرآنه أو على لسان نبيه أنَّها تقع في هذه الأمة، و نعلم جزمًا أنّ وقوعها حتمي، وأننا محاسبون على ذلك، أو أننا مكلفون بذلك.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" يقصد اليهود والنصارى، إذًا، سيكون في هذه الأمة من يتبع سنن يهود ونصارى، لكننا مأمورون بالنصوص الكثيرة أن نخالف أهل الكتاب، والنبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عن بعض المعاصي التي ستكون في هذه الفترة، "نساء كاسيات عاريات" حديث من هذا النوع يُخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، ويخبر عن أمور جازمة، ولكن علينا أن نعمل على خلافها وأن نعمل بمقتضى الأمر الشرعي، فلابد أن نفرق وأن نعلم أنه لا يُحتج بالأمر القدري على الأمر الشرعي.

أ. تمام: الأمر الشرعي هنا؟

د. معن كوسا: الأمر الشرعي هنا هو الوحدة والاجتماع والائتلاف وترك الفرقة والتنازع، هذا هو الأمر الشرعي.

أ. تمام: لكن ألا يمكن أن يركن البعض إلى النصوص وهذه الأدلة وماذا نقول؟ هذا أمر قدره الله ماذا يمكن أن نفعل؟

د. معن كوسا: هنا لابد أن نفهم كما ذكرت الفرق بين الأمر القدري والشرعي، ونحاول أن نفهم حكمة الأمر القدري.
أولًا: لو قيل: لماذا قدر الله سبحانه هذه الأمور؟ نقول: الله سبحانه لا يُسأل عما يفعل، وله حكمة فيما يفعل. والله عزَّ وجلَّ لو شاء لمنع أسباب الخلاف جميعًا، مثلاً: من أسباب الخلاف بين الفقهاء اختلافُ الفهم للنص، لأن النص يحتمل كذا و كذا، ولو شاء الله سبحانه وتعالى لجعل النصوص كلها نصوصًا مُحْكَمة قطعيّة لا يختلف فيها فهمان، فالله عزَّ وجلَّ له حكمة، كما قال الله في كتابه {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات}. لكن لماذا أنزل الله آيات متشابهات؟  ليبتلي بها الناس، وليرى موقفهم من هذا المتشابه، هل يتبعون المحكم أو يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فكذلك الخلاف، يختبرنا الله عزَّ وجلَّ به.
إن الإخبار عن هذا الأمر القدري فيه فوائد كثيرة، فإذا علم المسلمون أن هذا الأمر لابد أن يقع بالأمة فإنهم يكونون على حذر منه، وعندما يقول الله عزَّ وجلَّ على لسان نبيه إن هذا الأمر سيحدث في الأمة لا يعني أنه سيصيب كلَّ فرد من أفرادها.
إذًا، أنا أعلم أنه سيكون في الأمة من يتنازع، وسيكون من يتبع اليهود والنصارى، وهذا أمر لا يرضي الله تعالى، وسيجعلني متأهّبًا لأقاوم مثل هذا ولئلا أكون من ضمن هذه المجموعة، فهذا أمر مهم جدًا، أي: إنه لا يوجد ضمانة ألا يقع هذا في الأمة، بل سيقع.
إذًا، انتبهوا أيها المسلمون أن تكونوا في السواد الذي يقع في هذه الأمة.

أ. تمام: لكن يبقى السؤال أيضًا: هل أمتنا الإسلامية هي المعنية فقط؟
هناك من يقول إن هذا ما يُفهم من الحديث، والخلاف قدري على هذه الأمة، فأعداؤنا متحدون ونحن دائمًا متفرقون.

د. معن كوسا: نعم، كثيرًا ما نسمع هذا الكلام، ومصدره الشعور بالأسى والحزن لما يصيب الأمة، والإنسان دائمًا يرى مصابه كبيرًا ولا يرى مصاب غيره.
الحقيقة هذا الفهم ليس صحيحًا، ولا يُفهم من الحديث، فالحديث معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من الله كرامات لهذه الأمة، فأعطاه الله سبحانه كرامات لم يعطها لأمم سابقة.
الأمم السابقة سُلِط عليهم غيرهم فاجتاحوهم، وأخذهم الله بسنة عامة، فالنبي سأل ربه كرامات لهذه الأمة فأعطاه بعضها ومنعه واحدة منها، لكن ليس في الحديث أن التي منعه إياها موجودة عند باقي الأمم.
الشيخ ابن تيمية له كلمة جميلة جدًا عن خيرية هذه الأمة يقول: "فكلُّ خيرٍ فيها هو أعظم من الذي في غيرها، وكلُّ شرٍّ فيها ففي غيرها أعظم".
الحقيقة عندما يُقال لك مثلًا: انظر إلى أوروبا باتحادها وكذا وكذا. نحن نعلم أن أوروبا منذ فترة قريبة قتل فيها عشرات الملايين بسبب الحروب فيما بينها، وإلى الآن لا يمر أسبوعان أو ثلاثة إلا وتسمع أن هناك شخصًا ما أمسك الرشاش وذهب إلى مدرسة وقتل خمسين إلى ستين، هذا يعني أن هناك أشياء تنخر في المجتمع، وليس صحيحًا أنَّ هؤلاء على وئام وائتلاف.

أ. تمام: وليس صحيحًا أن هذه النصوص مخصوصة بالأمة الإسلامية.

د. معن كوسا: نعم، ليس صحيحًا، وهذا لا يعني أن منع هذه الكرامة عن الأمة يعني أنها موجودة عند أمة أخرى، فالخلاف في الكل.
لكن اسمح لي أن أؤكد على معنى آخر لقضية العلم بالأمر القدري حتى يحذر الإنسان أن يقع فيه.

هناك فائدة مهمة في العلم بالأمر القدري، وهي أن الإنسان إذا رأى واقعًا فلا يجزع ولا ييأس ولا يقنط، لأنه أُخبر عنه، أي: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه سيكون كاسيات عاريات، وأخبرنا أنه سيكون في الأمة من يتبع اليهود والنصارى.

أ. تمام: لكن ما الواجب علينا هنا؟

د. معن كوسا: الواجب علينا أن نقاوم هذا، لأن الأمر القدري لا يعني أن نسلم له، يجب أن ندفع القدر بالقدر، لأننا في النهاية مكلفون بالأمور الشرعية، لكن عندما نعلم أن هذا يحدث في الأمة لا نحزن ولا نقنط ولا نقول كيف وكيف وكيف، بل على العكس، فإن وقوعه دلالة على قوة الإيمان، لأنه قد وقع شيء من الغيبيات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم.

أ. تمام: وربما من واجبنا الشرعي تجاه ذلك ألا يتحول هذا الخلاف إلى فرقة وتنازع واقتتال.
كيف نحقق ذلك؟

د. معن كوسا: نعم، حقيقة هذا هو المقصود في الحديث، المقصود أن الخلاف لابد أن يقع، لكن ليس حتميًّا أن يؤدي إلى التنازع، فلابد أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالاعتصام والوحدة فقال: {واعتصموا بالله جميعًا ولا تفرقوا}.
عليكم بالجماعة، انظر إلى هذا الحديث: "ألا أنبئكم بما هو أفضل من الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد البين هي الحالقة، ولا أقول تحلق الشعر، بل تحلق الدين"
وهناك نصوص كثيرة تأمرنا بالاتحاد.
السؤال هو كيف لا يؤدي الخلاف إلى تنازع؟
الله عزَّ وجلَّ علَّمنا هذا لما قال: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا}.
هنا الحقيقة، ويوجد لطيفة في هذه الآية، قال اعتصموا ولا تفرقوا. والتفرق ليس ضد الاعتصام في الحقيقة، التفرق ضده الاتحاد، الشاطر يعلق على هذه الآية، فيقول: كيف تدل الآية على الائتلاف والاتفاق ومنع الافتراق؟
نمنع الافتراق إذا تمسكنا جميعًا بشيء واحد، وإذا تمسكت كل فرقة بحبل غير حبل الفرقة الأخرى فلا بد أن يقع التفرق، وكما قال الله سبحانه وتعالى: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه}
إذا اتبعتم كلكم صراطًا واحدًا فستكونون على طريق واحد، وستكونون متآلفين {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}
الطريق إلى أن نتحد ونتآلف وألا نفترق هو أن نتمسك جميعًا بحبل الله، لذلك فإن العصور التي تكون فيها الأمة أقرب إلى دينها تكون أقرب إلى الوحدة والتماسك، والتي تكون أبعد عن دينها تكون أقرب إلى الفرقة والتنازع.

أ. تمام: مهما كان نوع الخلاف فلن يؤثر فينا ما دمنا متمسكين ومعتصمين بحبل الله.

د. معن كوسا: أصلاً اعتصامنا بحبل الله يجعل الخلاف في نوع معين، لأننا إذا كنا معتصمين بحبل الله لا يمكن أن نختلف في قضايا صريحة في حبل الله، وإلا فنحن لسنا متمسكين بحبل الله.

ا. تمام: وهذا يعيدني -دكتور- إلى بداية هذه الحلقة أو إلى العنوان الذي اخترتموه للحلقات، وهو (حتى لا يصبح الخلاف مِعولًا للهدم) 
كيف يكون الخلاف معولًا للهدم؟

د. معن كوسا: نعم، يكون الخلاف معولًا للهدم من طرفين، بالإفراط أو التفريط في التعامل مع الخلاف، وقد قلنا إن الخلاف واقع بلا شك وهذا من طبع البشر، لكن الغلو في التعامل مع الخلاف والتزيد فيه والوصول إلى المقاطعة والتنافر والبغضاء والحقد والكيد والمكر وأن يعمل كل إنسان على إفشال مخالفه، هذا هو الهدم، هدم للمجتمع، هدم للروابط التي فيه، وهدم للدين لأن هذا يعطي صورة منفّرة عن أهل الدين. فإذا قيل انظروا إلى أهل الدين وما بينهم من الشحناء، انظروا إلى ما بينهم من العداوات وإلى ما بينهم من الكيد، سيقول الناظر: ما هذا الدين وهذا حال أتباعه وأصحابه؟
فعندما نشطّ في التعامل مع الخلاف ولا نكون راشدين فيه، فإن هذا يؤدي إلى أن نهدم ما بيننا، وأن نهدم الصورة الجميلة عن ديننا.
هناك أيضًا أمر آخر مهم ويجب الإشارة إليه، وهو معول هدم، وهو التفريط في موضوع الخلاف، وهو أن نجعل كل أمر من أمور الدين قابلًا للخلاف وكلَّ شيء فيه قولان، فيصبح الدين بلا مسلّمات وبلا ثوابت، حتى أصبحنا نرى حكم الردة فيه قولان، وتولي المرأة  للإمارة العظمى فيه قولان، يعني: أصبح في كل شيء قولان،  هكذا أيضًا جعلنا الخلاف معولًا لهدم الدين، وما أبقينا فيه ثابتاً، فعندما يأتي ناس بهذه الأقوال الشاذة و يجعلونها من المسائل الخلافية، لن يقبل الغيورون بذلك، وسيقومون بالرد على ذلك ويهاجمون،  فتحصل أيضًا الفرقة والتنازع والعداوات بين الناس.
فحقيقةً، الخلاف يكون هدمًا للمجتمع والروابط بينه وللدين حين نفرِط فيه، ولذلك فإن القصد من هذه الحلقات أن نضبط موضوع الخلاف، ما الذي يسوغ فيه الخلاف ابتداءً وما الذي لا يسوغ فيه الخلاف؟

أ. تمام: نحن هنا لا نتحدث فقط عن الأمور الفقهية؟

د. معن كوسا: نعم، نحن نتحدث عن مبدأ، أي: الخلاف طبع في البشر، وكثيرًا ما يؤدي إلى التنازع وإن كان أكثر الحديث فيه هو المسائل الفقهية، لكنه أكثر من هذا، هو مبدأ.

أ. تمام: هل ترى أن الخلاف في وجهات النظر في الأمور الدنيوية قد يكون معولًا للهدم أيضًا؟

د. معن كوسا: نعم، لأنه لابد أن نقدر ابتداءً أن هناك أمورًا سائغة نختلف فيها، وبالتالي يمكن أن نتعامل معها بطريقة معينة، وهناك أمور غير سائغة نختلف فيها، لكن هناك أسلوب في التعامل مع السائغ أيضًا، ولا يعني أن نذبح بعضنا أو نقتل بعضنا لأن الخلاف غير سائغ، فلكل أسلوب في التعامل معه.
ديننا دين عظيم جدًا، ما ترك شيئاً لم يبيّنه لنا، ولو انضبطنا بالأحكام الشرعية والآداب الشرعية في التعامل مع نوعي الخلاف السائغ وغير السائغ، نكون قد رشدنا الأمر وقللنا من احتمالات وقوع التنازع، لن نلغيها، لأن هذا أمر قدري، لكننا قللنا منها، أو على الأقل سلمنا نحن الذين نتبع هذا الأسلوب النبوي والشرعي، سلمنا من أن نكون من هؤلاء المتنازعين.

أ. تمام: إذًا، هي تحتاج إلى تسديد ومقاربة.

د. معن كوسا: وتحتاج إلى علم قبل ذلك.
المسألة مبنية على العلم ابتداءً، فما هو السائغ وما هو غير السائغ؟ حتى لا نجعل الخلاف السائغ من الخلاف غير السائغ فننسبه إلى الدين ونقع في هدم من جهة أخرى.

أ. تمام: ولعلنا نناقش هذا الموضوع، موضوع الخلاف السائغ وغير السائغ بتفاصيله في حلقات قادمة بإذن الله، لدينا تساؤلات كثيرة حول هذه الموضوعات، شكرًا لك دكتور معن لحضورك معنا وعلى هذا البيان الرائع.
والشكر موصول لمشاهدينا الكرام على حسن المتابعة.
حتى نلتقيكم في حلقة قادمة نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.