السبت 16 ذو الحجة 1445 هـ الموافق 22 يونيو 2024 م
تفريغ لحلقة ( قواعد منهجية في التغيير ) من برنامج من أجل سوريا مع الشيخ ( فايز الصلاح العاتقي ) عضو المكتب العلمي بهيئة الشام الإسلامية - ح85
الأربعاء 28 ذو الحجة 1435 هـ الموافق 22 أكتوبر 2014 م
عدد الزيارات : 20350

 

تفريغ لحلقة قواعد منهجية في التغيير من برنامج من أجل سوريا مع ( فايز العاتقي )

 

المقدم: مشاهدينا الكرام: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.
هل رغبة التغيير لدى الأفراد والجماعات تجعل منه أمراً متروكاً للتجربة والعاطفة، أم ثمة قواعد للتغيير لا يتم إلا بها؟ 
هل واقع الأمة اليوم بحاجة إلى تغيير؟ وإذا كان ذلك كذلك فهل نحن أهل لهذا التغيير؟
أليس الله - سبحانه وتعالى - يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)[الرعد:11]؟
هل التغيير مسئولية فردية أم جماعية؟ ومن يقود عملية التغيير في الأمة؟
وهل تسير الثورة السورية وفق منهج صحيح لتحقيق التغيير الذي تطمح إليه؟
تساؤلات مهمة نطرحها في هذه الحلقة من برنامجكم الأسبوعي المباشر من أجل سوريا، والتي تأتي ضمن سلسلة الحلقات التأصيلية لأبرز القضايا التي أفرزتها الثورة السورية.
أسعد بأن يكون ضيف هذا اللقاء فضيلة الشيخ فايز الصلاح العاتقي مدير المكتب العلمي في هيئة الشام الإسلامية، حياكم الله فضيلة الشيخ.
الشيخ: حياك الله يا شيخ تمام، وحيا الله المشاهدين الكرام.
 
المقدم: شيخنا التغيير مطلب للجميع، الكل يسعى للتغيير سواءً كانوا أفراداً ،أو جماعات، أو أحزاب، أو دول، أو شعوب، فالكل يود أن يغير حاله من السيئ إلى الحسن، أو من الحسن إلى الأحسن، واليوم نحن نتناول الحديث عن واقع أمتنا الإسلامية، وربما بشكل أكبر أو مخصوص عن الثورة السورية التي ما قامت إلا كغيرها من الثورات العربية تريد التغيير، وتنشد التغيير نحو الأفضل، ما التغيير الذي يعنينا في هذا الجانب تحديداً، ومدى حاجتنا لطرق هذا الموضوع في هذه المرحلة التي يرى بعض الناس أنها مرحلة فشل في تغيير واقع مؤلم.
 
الشيخ: الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليماً مزيداً، أما بعد:
لا شك أن كل ساعٍ يسعى إلى التغيير في هذا العالم، لكن ينبغي أن نعلم قبل ذلك أن الله - سبحانه وتعالى - لم يخلقنا عبثاً، ولم يتركنا هملاً كما قال الله -سبحانه وتعالى-: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ}[المؤمنون:115-116] تعالى الله عن هذا العبث، وعن هذا الإهمال، ومن أجل ذلك خلقنا الله - سبحانه وتعالى - من أجل مهمة عظيمة، وغاية شريفة؛ ألا وهي توحيده وعبادته وحده لا شريك له: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[الذاريات:56-58].
ومن أجل هذه الغاية العظيمة أنزل الله - سبحانه وتعالى - الكتب، وبعث الرسل كما قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}[النحل:36] وهذا المبدأ الذي خلقنا من أجله وهو عبادة الله - سبحانه وتعالى -، واجتناب الطاغوت، وكما قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في تعريف الطاغوت: "الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع"، وهذا حقيقة قمة التغيير، تغيير عقائد الناس من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن البدعة إلى السنة.
 
المقدم: وهو التغيير الذي جاء به الأنبياء.
الشيخ: وهذا هو التغيير الحقيقي، فلذلك ما ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى إلا وقد أتم الله - سبحانه وتعالى - به النعمة، وأكمل به الدين كما قال الله - سبحانه وتعالى -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً}[المائدة:3] وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك))، وبالتالي هذا الأمر سواءً كان في قضايا التغيير أو كان في غيرها فالأمر واضح بفضل الله - سبحانه وتعالى - عندنا معشر المسلمين، وعندنا معشر أهل السنة والجماعة، ولما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الأمة ستفترق قال: ((وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)) قالوا: يا رسول الله: ومن هي؟ قال: ((ما أنا عليه اليوم وأصحابي)).
وللأسف فقد انحرف أقوام حتى في هذه المسألة "مسألة التغيير" سواءً من القديم كانوا أو الجديد، وسواء كان في إطار العقائد، أو إطار السلوك والتعبدات، أو إطار الحركة الإسلامية من خلال الواقعية الدعوية؛ كل ذلك لجهلهم بطريقة الكتاب والسنة في التغيير، أو أنهم يريدون أن يوائموا بين طريقة الكتاب والسنة والطرق الفاسدة التي أصلوها، كما ذكر الله - سبحانه وتعالى - عنهم: {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقا}[النساء:62] يعني مزيج من طريقة سنية، وطريقة بدعية كما ذكر الله - سبحانه وتعالى -، ومن انحرفوا في هذا الباب لكونهم لم يعرفوا، أو جهلوا، أو عرفوا ثم انحرفوا عن هذا المنهج إن الإسلام جاء بمنهج عقدي صحيح، بمنهج سلوكي تعبدي إلى الله - سبحانه وتعالى -، وكذلك بمنهج واضح في التغيير.
 
المقدم: جميل، هذا الحديث فضيلة الشيخ عن جوهر عملية التغيير وأساسها، ويعني التغيير كما تفضلتم من الشرك إلى الإيمان، ومن يعني عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، لكن الحديث اليوم يقال: نحن اليوم مسلمون فما حاجتنا إلى التغيير، وما التغيير الذي نحتاج إليه في واقعنا؟
الشيخ: بل المسلم بحاجة إلى التغيير؛ لأن الإسلام إنما جاء بسعادة الدنيا والآخرة، وما أصاب المسلمين في هذا الباب من الذل والهوان إنما يدعوهم إلى أن يغيروا ما بأنفسهم، فلذلك بعد سقوط الخلافة العثمانية تجد أن المسلمين سعوا إلى إعادة عزهم كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أخبر في الحديث: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) فالمسلم يتحرك الآن وهو يسعى للتغيير، لكن كل شخص على طريقة معينة، فأحياناً يصيب الحق، وأحياناً لا يصيبه في هذا الباب، لذلك فالتغيير يخضع لمنهج رباني وليس للعاطفة، أو للعقل، أو للاحتمالات، أو للتوقعات، والتجارب، وبعض الناس يجرب عشر سنوات، عشرين سنة، ثم يقول لك: كنا على طريقة خاطئة، فيا أخي الكريم لماذا لم تدرس أصول التغيير ولا تدخل في هذا الباب؟ لما يترتب على ذلك من القتل، ومن التشريد، ومن التراجعات الكثيرة للإسلام.
 
المقدم: هذا ينطبق على كل أنواع التغيير فضيلة الشيخ يعني في الجانب الديني، في الجانب الدنيوي، في الجانب السياسي؟
الشيخ: نعم.
المقدم: في كل الجوانب.
الشيخ: إن لم يكن على أصول صحيحة فلا تغيير، بل حتى في المسائل الدنيوية يعني البناء المادي الآن إن لم يقم على أسس صحيحة وعلى أصول ثابتة؛ انهار هذا البناء.
المقدم: جميل.
الشيخ: وكذلك كل عمل سواء كان مادياً أو معنوياً؛ إن لم يقم على سبل، وعلى أصول صحيحة، أو على قواعد ثابتة؛ لابد أن ينهار هذا العمل.
المقدم: نعم.
الشيخ: وبالتالي فنحن للأسف نجد أن غالب ما نقول الكل، لكن كثير من نحن، كلنا عندما نتكلم نتكلم عن أنفسنا لا نعني به جهة معينة، وإنما نحن الإسلاميين أحياناً نقع في كوارث دعوية، دائماً نضع المصيبة على غيرنا، وحتى هذا للأسف يدخل إلى التصرفات الفردية، إذا الإنسان وقع في مصيبة أو كذا يقول لك العين، السحر إلى آخره.
 
المقدم: يبحث عن عذر.
الشيخ: يدفع عن نفسه أنه هو لا يستحق هذه العقوبة.
المقدم: نعم.
الشيخ: مع أن هذا خلاف التأصيل الشرعي عندما قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}[الشورى:30].
المقدم: نعم.
الشيخ:  {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:165] فلذلك هنا عندنا منهج متكامل، موجود في الكتاب والسنة، موجود كذلك في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، الأنبياء جاءوا للتغيير، والنبي - صلى الله عليه وسلم - غيَّر وجه العالم بإذن الله - سبحانه وتعالى -، وبالتالي ينبغي أن نتبع منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، ومنهج الصحابة الكرام.
 
المقدم: جميل.
الشيخ: ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور)).
المقدم: وهذا يقودني إلى السؤال عن الآتي: ما هي هذه القواعد؟ ما هي هذه الضوابط؟ ما منهج النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنهج أهل السنة والجماعة في التغيير؟
الشيخ: والله أخي الكريم ستجد أن التغيير عند أهل السنة والجماعة يقوم على أصلين عظيمين: قراءة الواقع، والأمر بالواجب.
 
المقدم: قراءة الواقع، والأمر بالواجب.
الشيخ: يعني تجد - سبحان الله - كلمة عظيمة لشيخ الإسلام تكتب بماء الذهب عندما قال: "وأهل السنة يخبرون بالواقع، ويأمرون بالواجب"، وأكثر التراجعات التي تحصل في عملنا الإسلامي إما أن من عدم قراءة صحيحة للواقع، وإما أن تأتي من عدم تأصيل شرعي في هذا الواقع، وبالتالي ينبغي للإنسان أن يقرأ الواقع، ويخبر بالواقع كما هو فلا يضخمه حتى لا يصيب الناس باليأس، ولا يخفف منه حتى يتفاءل الناس في غير تفاؤل، كذلك الأمر عندما أنظر إلى هذا الواقع لا بد أن أنزل الأحكام الشرعية على هذا الواقع: ماذا أفعل؟ وهل أقدم؟ أم هل أحجم؟ وبالتالي للأسف بعض الناس يعيش في قوقعة ولا يلتفت أن واقعه مثلاً يحيط به من المؤامرات من القوى الكفرية، ومن القوى البدعية الضلالية، ثم هو ضعيف مستضعف يريد أن يتصرف كأنه هو القوي في هذا العالم، لم يقرأ الواقع قراءة صحيحة، ولم يتصرف بالواجب الشرعي؛ ولذلك لشيخ الإسلام كلام في هذا الباب.
حتى الذي يرى الصدام مطلقاً، أو القتال مطلقاً؛ ماذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب؟
قال: "والقتال أحياناً يكون هو المصلحة، والمهادنة أحياناً تكون هي المصلحة، والإمساك والاستعداد أحياناً يكون هو المصلحة" انتهى
ليس في شريعتنا شيء لون واحد مطلق دون النظر إلى الزمان والمكان مثلاً أن يتكلم بالسياسية مطلقاً، أو بالتربية مطلقاً، أو بالقتال مطلقاً؛ دون النظر إلى الواقع الذي يعيش فيه.
فلذلك تجد مثلاً أن السوريين ما كانوا يستطيعون أن يفعلوا أشياء كثيرة، وسمحت لهم الظروف في ذلك أن يفعلوا بعضها، وقبل ذلك لم يستطيعوا أن يفعلوا ولو فعلوا في ذلك الوقت لما تحققت المصلحة على هذا، وخاصة من هذه الهيئات الإغاثية: كهيئة الشام الإسلامية وغيرها، أو أحزاب إسلامية مثلاً يعني تريد أن تصل بالناس إلى بر الأمان في ضمن دائرة السياسة الشرعية.
 
المقدم: فإذاً يعني لا انفصال بين فهم الواقع وبين فهم الأصول، ففهم الأصول الشرعية في موضوع التغيير مرتبط ارتباطاً وثيقاً بفهم الواقع، وقراءة الواقع بشكل صحيح.
الشيخ: لا شك في ذلك، لا شك أن قراءة الواقع هي الأصل؛ وحتى ابن القيم - رحمه الله تعالى - لما تكلم في الأحكام التفصيلية راعى ذلك، والفقيه بحاجة إلى معرفة تفصيلية في واقعة هذه المسألة، وثم يريد فقه الشرع حتى يحكم على هذه الواقعة؛ والخطأ يأتي أحياناً من معرفة الإنسان بالتفاصيل ولكنه لا يستطيع أن يردها إلى التأصيل العام.
وبعض الناس عنده تأصيل عام ولكنه ليس بفقيه في واقع الأمة، وأنا أرى أنه ينبغي أن يجتمع ويتعاون علماء الشرع مع علماء الواقع في هذا الباب، فذاك يعطيه فقه الواقع التفصيلي، وذاك يعطيه الحكم الشرعي.
 
المقدم: وهذا يقود للسؤال عن: من هو المسؤول عن عملية التغيير: هل هم العلماء؟ هل هي مسؤولية فردية أم مسؤولية جماعية؟
الشيخ: عملية التغيير لا شك أن المسؤول الأول عنها هم الأمة، والله - سبحانه وتعالى - لما خاطب بالتغيير خاطب الأمة بهذا الباب عندما قال: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)[الرعد:11] فلذلك تجد أن "تغيير الأحوال مبني على تغيير العقائد والأعمال"، وللأسف أحياناً ننطلق إلى الشيء الذي هو من اختصاص رب العالمين، ونريد أن نفعله ولسنا بقادرين أن نفعله.
 
المقدم: لو وقفنا عند هذه القاعدة فضيلة الشيخ: تغيير الأحوال.
الشيخ: مبني على تغير العقائد والأعمال.
المقدم: ما المقصود؟
الشيخ: وهذا حقيقة هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ}[الرعد:11] فتجد أن هناك تغييران: التغيير الأول هو من الله -سبحانه وتعالى- وهو تغيير الحال، ولما نسبه الله - سبحانه وتعالى - إلى نفسه، إذاً العباد والخلق لا يستطيعون أن يقوموا بهذا التغيير.
فأنت حين تناضل وتريد أن تفعل فعل الله - سبحانه وتعالى - من التمكين والاستخلاف، ثم تترك ما تقدر عليه، فلا؛ كما قال شيخ الإسلام عن علماء الكلام: "فلا الإسلام نصروا، ولا الفلاسفة كسروا" فلا غيرت الواقع، ولا نصرت الإسلام، وتجد للأسف أن كثيراً من المعاصي وحتى من الشركيات المنتشرة في المجتمع، وكثير من أصحاب اللسان من الدعاة وما شابه ذلك؛ عندهم قدرة في أن يتكلموا في هذا الباب، وهو مستطاع مقدور لهم، لكنهم لا يتكلمون في هذا، فيذهبون إلى طريق مغلق يتكلمون فيه، فلذلك لاحظ لما شرح الله تعالى هذه الآية بآية أخرى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الرعد:11] عندما قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ}[النور:55]فتجد في هذه الآية أنك أيها العبد، وأيها القوم، وأيتها الأمة؛ مطلوب منكم أن تغيروا عقائدكم الباطلة إلى العقائد الصحيحة، من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن السنة إلى البدعة، ولاحظ هنا قال: (آمنوا وعملوا) فنحن الذين نؤمن، ونحن الذين نعمل، ويأتي التغيير الآخر من الله - سبحانه وتعالى -الاستخلاف والتمكين -: والذي هو من خصوصيات رب العالمين.
ولسنا نحن الذين نمكن لأنفسنا، ولسنا نحن الذين نستخلف، وللأسف نحن نترك الأشياء التي نقدر عليها؛ ونذهب إلى الأشياء التي لا نقدر عليها.
 
المقدم: التي هي من خصوصيات الله.
الشيخ: فلذلك من الأولويات أن نبدأ بالميسور قبل المعسور، وهذه مسألة مهمة مبنية على هذه الآية، وتجد (سبحان الله) العبارة القرآنية واضحة، ما تحتاج إلى فذلكة أو فلسفة، أو إلى كثير من التفكر: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الرعد:11].
لابد من تغيير العقائد والأعمال، لا نضع والله المسألة أن نسكت عن المبتدع، ونسكت عن الشرك، نسكت عن المعاصي، نسكت، نسكت، يقول لك: والله إحنا لا نريد أن نفرق الأمة، ما شاء الله؛ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى.
فالله - سبحانه وتعالى - لم يدعنا إلى اجتماع الأجساد؛ وإنما دعانا إلى اجتماع القلوب، ثم بعد ذلك إلى اجتماع الأجساد.
 
المقدم: طيب، إذا كان الموضوع بهذه الأهمية فضيلة الشيخ، وهذه القاعدة الأولى من قواعد التغيير حسب منهج أهل السنة والجماعة أن تغيير الأحوال مبني على تغيير الأعمال، وأنها كما تفضلتم مسؤولية الأمة بأكملها؛ ما دامت المسؤولية جماعية فلابد أن يكون هناك قيادة للموضوع، من يقود عملية التغيير؟
الشيخ: قبل الدخول في قضية القيادة أريد أن أشير إلى مسائل مهمة في قضايا التغيير:
هذا التغيير ليس تغييراً فردياً فقط وإنما هو فردي وكذلك جماعي، فهو تغيير تفاعلي {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3] أصلح نفسك، ثم أصلح غيرك.
ثم هو تغيير تكاملي: ((كل ميسر لما خلق له)) أنت ميسر للإعلام، فلان ميسر للقتال، فلان ميسر للعلم والدعوة، فلان ميسر للإغاثة، فلذلك يخطئ بعض الإخوة عندما يقول: يا فلان تعال فقط أنت لا يصح جهادك إلا أن تكون في ساحات القتال.
 
المقدم: وهذه من الشبه.
الشيخ: لكل مجاهد ساحته، فالإعلامي ساحته الإعلام، والإغاثي ساحته الإغاثة، والدعوة؛ وكل على ثغرة، وكل في ساحة قتال، فلذلك هو تفاعلي تكاملي، ثم قضية تغيير الأمة - وخاصة في مسائل المصائب والواقعات التي تحل بالأمة -؛ لابد أن يتقدمها انتصارات في ساحات السلم: ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة))، ولاحظ لما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر  ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً)) لم يقل: إذا زنيتم، وإذا شربتم الخمر، مع أن هذا من المعاصي الكبار؛ لكن هنا تحدث عن العينة، والعينة هي نوع من الربا، والمجتمع الذي ينتشر فيه الربا دليل على أنه مجتمع ليس بمتراحم، ومن لا يرحم لا يرحم، فلا يستحق النصر، وبالتالي تجد العجب عندما تكلم الله - سبحانه وتعالى عن غزوة أحد تكلم عن الربا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً}[آل عمران:130] وكأن الله - سبحانه وتعالى - يقول لنا: إن لم تحققوا الانتصارات في ساحات السلم فلن تحققوا الانتصارات في ساحات الحرب، وبالتالي هذه مسألة ينبغي أن ننتبه لها، كذلك فالأمر أن هذا التغيير يكون في كل المجالات، ولا نقول: والله نغير الآن حتى نخلص من هذا التغيير في هذا الجانب، ثم ننتقل إلى جانب آخر، وهذا ما يسمى كما سيأتي معنا البدء بالميسور.
 
المقدم: تكون متوازي يعني.
الشيخ: متوازي، وكذلك الأمر استغلال الفرص كما قال أسامة عندما كان رديفاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - لما نفروا من عرفات، ولاحظوا الكلام، وكان هناك زحام والنبي - صلى الله عليه وسلم - على دابته ووراءه أسامة، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((السكينة السكينة)) في الزحام، قال: ( فإذا وجد فجوة نصّ)، ما معنى إذا وجد فراغ أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - نص يعني أسرع، نحن نستفيد من هذا أيها الداعية الذي تريد أن تغير أنك إذا وجدت أي فرصة في مجتمع فانطلق لها، لكن للأسف نحن واقعاً نقول: هذه لا تغير، بل هذا الميسور يسهل لك المعسور القادم - بإذن الله سبحانه وتعالى -.
المقدم: إذن نعود للسؤال: من يقود هذا التغيير؟
الشيخ: التغيير لاشك في ذلك أن الذي يقوده هم العلماء.
هم صفوة الأمة، الأمة ينبغي أن تغير، لكن لا بد لهذا التغيير من قيادة كما قال الله -سبحانه وتعالى-.
المقدم: حتى التغيير السياسي؟
الشيخ: حتى أي تغيير، يعني حتى العالم، وكل بحسبه وباختصاصه.
المقدم: يعني على سبيل المثال.
الشيخ: الكل يتعاون في هذا الباب.
المقدم: فيما يتعلق بالثورات، والثورة السورية تحديداً: ما دور العلماء في التغيير.
الشيخ: أصلاً الثورة السورية هي ثورة خرجت من رحم المساجد، والناس يريدون أن يغيروا حالهم الواقع المعيشي، وقبل ذلك تغيير حالهم النفسي؛ لأنه القضية أننا نسعى لإسقاط النظام، وإقامة دولة إسلامية، بل خلاف الذين يتكلمون عن كذا، هذه يا جماعة هذه كلها في الدنيا، لكن قمة التغيير أن تعود إلى الله - سبحانه وتعالى -.
المقدم: صحيح.
الشيخ: هذا التغيير الحقيقي، أنت تعيش سنة، سنتين، عشرين سنة، ثلاثين سنة، أربعين سنة، خمسين سنة، ثم أنت قادم إلى الله - سبحانه وتعالى -: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}[الانشقاق:6] {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}[آل عمران:185] الحياة هناك أبدية ((ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) هذا هو التغيير، لو هدم بيتي، أو قتل ابني، أو قتل أبي، أو كذا أو كذا إلى آخره؛ كل ذلك كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له)) هذا هو التغيير الحقيقي أن أموت على الإسلام كما قال الصحابي الجليل:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أي جنب كان في الله مصرعي
 
المقدم: ولكن هل يتنافى هذا مع التغيير الدنيوي؟
الشيخ: لا شك هذا مطلب.
المقدم: التغيير مطلب.
الشيخ: هذا مطلب شرعي، والإسلام جاء بالتغير الدنيوي، والتغيير الأخروي، هذا لا شك.
المقدم: وهل يصح أن نقول: إن التغيير الدنيوي هذا يقوده أيضاً علماء، "علماء الدين" إن صحت التسمية، يعني تغيير على مستوى سياسي، تغيير على مستوى اقتصادي، عسكري، ماذا سيكون دور العلماء؟
الشيخ: لا شك، لابد في الحقيقة من تعاون.
 
المقدم: يعني أليس هو دور السياسيين؟
الشيخ: اختصاصات، مثل التغيير في المجال الطبي، في المجال الاقتصادي، لا شك أن له المختصين في هذا الباب، لكن كل هذا التغيير تحت مظلة الإسلام، لا يخرج عن قواعد الإسلام وأصوله.
المقدم: لكن ينبغي على العالم هنا أن يفهم الواقع كما تفضلتم.
الشيخ: نعم، نحن نعتقد أنه ليس هناك فصل بين الدين والدولة، فالسياسة تخضع للإسلام، والإعلام يخضع للإسلام، والاقتصاد، والطب، ولكن نستفيد كل في اختصاصه، ويعطى الحكم الشرعي في هذا الباب، وبفضل الله - سبحانه وتعالى - الأصل عندنا حركة الإباحة في واقع الحياة هي الأوسع؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، وعندنا أصول كلية ننطلق منها، وبالتالي دعى الله - سبحانه وتعالى - إلى طاعة العلماء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء:59] قال بعض المفسرين: هم الأمراء، وقال بعضهم: هم العلماء، وقال بعضهم: الأمراء والعلماء، قال ابن القيم: ولا خلاف بين - يعني التضاد في هذين التفسيرين -، قال: "والأصل في الطاعة للعلماء؛ لأن الأمراء هم تبع للعلماء" وهنا كلام جميل يقوله ابن مسعود -رضي الله عنه-: ((لا يزال الناس الصالحين متماسكين ما أتاهم العلم من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن أكابرهم، فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا)).
القضية الآن أن يتكلم فينا الرويبضة، القضية الآن: إن من أشراط الساعة التماس العلم عند الأصاغر، القضية الآن أن بعض المجاهيل لا يعرفون بوجوههم، ولا يعرفون بأسمائهم، ولا يعرفون بتاريخهم؛ ثم هم ينصبون أنفسهم حكاماً على الأمة، حكاماً سياسيين، أو علميين، أو شرعيين أو ما شابه ذلك، وهذا محمد بن سيرين يقول: "إن هذا العلم دين، فانظروا عن من تأخذون دينكم؟" وعندنا مَثَل بالجولان بقول: "قرعت أبوه منته عارفه منين"، ومع ذلك يصدر البيانات، والأحكام، ويكفر الأمة، ثم هو يكفر حتى العلماء الكبار عندما يعارضونه.
 
المقدم: وللأسف هذا واقع اليوم.
الشيخ: فلذلك الأمة لا بد أن تعود إلى العلماء، ولا بد للعلماء أن يأخذوا دورهم في قيادة هذه الأمة.
المقدم: لا بد للعلماء أن يأخذوا بزمام هذه الأمور، ويقودوا هم بأنفسهم التغيير، فإذاً القيادة فضيلة الشيخ كما تفضلتم للعلماء وليست للأدعياء.
الشيخ: وليست للأدعياء، إذاً من قواعد التغيير: القيادة للعلماء لا للأدعياء، والحقيقة حتى أنا أقول: إن الأمة لا يصلح - حتى لو جوزنا قيام هذه الأحزاب الإسلامية التي تسعى تحت مظلة الإسلام إلى ارتجاع الحكم إلى الله - سبحانه وتعالى - شريعة ومنهجاً، وسلوكاً وعبادة - نقول حتى هذه الأحزاب أنا أقول: أنها لا تصلح للقيادة إذا لم تكن مرجعيتها العلماء.
المقدم: ولو كانت أحزاباً إسلامية؟
الشيخ: نعم، ولو كانت أحزاباً إسلامية؛ لماذا؟ لأن العالم ليس عنده أجندة خاصة، وإنما أجندته الكتاب والسنة، وتجد الأحزاب أجندتها خاصة، وللأسف كثير منهم يتعصب لمصلحة حزبه أو جماعته؛ وهذه مشكلة، فلذلك لاحظ "جمعية العلماء في الجزائر" مع أنهم يعدون على أصابع اليد؛ ولكن غيروا أمة، أحياناً أفراد في هذه الأمة يغيرون، شيخ الإسلام ابن تيمية واحد غيَّر معالم كثيرة من عقلية كثير من المسلمين، فالمقصود أنه حتى الأحزاب ينبغي أن ترجع وتكون مرجعيتها العلماء، والعلماء الراسخين، وليس كل عالم يفعل كما يحلو له، ويقول لك: والله أنا أرجع إليه دون النظر إلى رسوخه في العلم، وطبعاً العالم ينبغي أن يكون عالماً بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة.
 
المقدم: جميل، فإذاً هاتان يعني قاعدتان أساسيتان في موضوع التغيير:
الأولى: أن تغيير الأحوال مبني على تغيير الأعمال.
والثانية: أن القيادة للعلماء لا للأدعياء.
طيب فضيلة الشيخ: إذا ما حاولنا تشخيص واقع وحال الأمة الإسلامية اليوم لنبني على هذا التشخيص آلية التغيير في الأمة وفقاً للمنهج الصحيح منهج أهل السنة والجماعة؛ برأيكم ما أهم القواعد التي يجب اتباعها لتغيير حال الأمة اليوم: هل نبدأ بالكليات؟ هل نبدأ برأس الهرم؟ هل نبدأ بالقاع؟
الشيخ: الحقيقة أن البدء في التغيير والإصلاح في واقع الأمة؛ مبني كذلك على قضية التشخيص الصحيح لمرض هذه الأمة.
لأنك كطبيب حين يأتيك مريض لا بد أن تشخص مرضه أولاً، ثم بعد أن تشخص المرض تصف له الدواء، ثم بعد أن تصف له الدواء لا بد أن يأخذ الدواء بطريقة صحيحة، وتصور لو المريض مثلاً عنده صداع، وشخصه تشخيصاً فاسداً قال: هذا يحتاج إلى عملية، إما أن يزداد المرض، وإما أن يقتل المريض.
وحتى في بعض الأحيان نكبره عندما يأتي مريض مثلاً يدخل مشفى، ثم يترتب أنه شخصه تشخيصاً فاسداً، ثم نقول: هؤلاء أجرموا بحق هذا المريض، أنا أقول: هناك من يجرمون بحق هذه الأمة عندما يشخصون لها التشخيص الفاسد، ولكن هم لا يقصدون هذا، هم ظنوا أن هذا من باب الاجتهاد، من باب الارتجال، من باب التجارب، فلذلك حين أشخص مرض الأمة أقول: ما هو السبب في أن هذه الأمة أصابها الذل؟ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((سلط الله عليكم ذلاً)) وهذا التسليط ليس من الأمم المتحدة، وليس من أمريكا، وليس من الغرب، وليس من روسيا؛ ينبغي أن تعلم أن هذا الذل الذي تعيشه الأمة إنما هو من الله، وبالتالي أنت علاقتك ليست  مع الغرب، ولا مع الشرق، وإنما علاقتك مباشرة مع الله - سبحانه وتعالى - وهذا يسهل لك المهمة.
فلذلك تجد الإنسان عندما يلجأ إلى هؤلاء: مجلس الأمن، والأمم المتحدة والغرب، تجدهم يتلاعبون بك، ولكن عندما تلجأ إلى الله: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}[الذاريات:50] فهذا الذل المسلط على الأمة إنما هو من قبل الله، كيف: لأننا وقعنا في هذه المخالفات التي ذكرها الله سبحانه، وذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وتجدنا للأسف نغرق بالتحليلات المادية والسياسية دون التحليل الشرعي، نقول أعداء الأمة كذا و كذا، مؤامرات، ونعم هناك مؤامرات، وهناك مكر، لكن الله - سبحانه وتعالى - ماذا قال في غزوة أحد: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}[آل عمران:165]، ولم يقل من عند خالد الذي التف وضرب مؤخرة الجيش مع أن هذا سبب مادي، لكن تجد بعض الناس يركز على السبب المادي ويترك السبب الشرعي، السبب الشرعي أن نعود إلى الله - سبحانه وتعالى -، وبالتالي حين أشخص الداء ينبغي أن أبدأ بالأولويات، بعضهم يشخص تشخيصاً، ويقول لك: سبب الذلة في هذه الأمة هم الحكام، نعم الحكام هم من الشعوب، وكل إناء ينضح بما فيه، ولهم يد في ذلك، لكن ليس هذا السبب الرئيسي، وبناء على هذا الكلام يفهم أن الشعوب مسكينة، درويشة، مصلية، صائمة، لكن الله بعث لهم حاكماً ظالماً، هذا ليس من عدل الله - سبحانه وتعالى -، بل لما سمع الحسن البصري من يسب الحجاج قال: "لم تسبونه؟ إنما عمالكم أعمالكم، كما تكونوا يول عليكم" هذا إفراز، الأمة عندما تعود إلى الله ستأتي لها بأمثال عمر بن عبد العزيز، وأمثال هؤلاء الصلحاء الذين قادوا الأمة، أما أننا لا نتقي الله - سبحانه وتعالى - في توحيدنا، ولا في أعمالنا الصالحة؛ ثم نريد أن يكون الحكام - ما شاء الله - كعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فلذلك من رأى التشخيص أن الحاكم هو السبب، وبالتالي جاء بالدواء: الدواء أن نقارع الحكام قتالاً أو سياسة، وضيع الأمة، تجده يقاتل الحاكم قتالاً أو سياسة في كثير من الأحيان طبعاً في فرص غير ناجحة، ونحن نقول: الفرص الناجحة ينبغي أن تستغل كما يقال: عندنا الآن في سوريا مثلاً الأمة الآن تجاهد ضد هذا النظام، نعم هذا جهاد شرعي، لكن أحياناً قد يكون في زمن الأزمنة، وفي مكان من الأمكنة؛ لا يكون كذلك، وإنما ينبغي أن تعود إلى إصلاح هذه الأمة، فيترك دعوة الناس إلى التوحيد، ويشتغل بما لا قبل له به، ثم تتأخر الدعوة، فلا الإسلام نصروا، ولا الحكام كسروا.
وبعضهم يقول: إن سبب الذل إنما هو التأخر الحضاري، والحقيقة أن سبب الذل إنما هو البعد عن الدين قال - صلى الله عليه وسلم -: "سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تعودوا إلى دينكم".
 
المقدم: بل ربما سبب التأخر الحضاري هو بعدنا.
الشيخ: نعم، ثم إن التقدم الحضاري ليس هو مطلوب أصالة وإنما هو تبع.
المقدم: نعم.
الشيخ: والصحابة لما كانوا في المدينة بنوا مسجداً متواضعاً، لكن جاءت الحضارة تبعاً وليست أصالة، الله - سبحانه وتعالى - بعد ذلك يعز هذه الأمة، بل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخشى أن تفتح هذه الدنيا على الصحابة، فالأصل أن نغير ما في أنفسنا حتى ننطلق - بإذن الله سبحانه وتعالى -، ويكون ذلك البدء بالأولويات، والبدء بالميسور قبل المعسور.
المقدم: الأولويات هذه من يقررها؟
الشيخ: الأولويات يقررها العلماء، وقراءة الواقع، واجتماع الناس، والشورى بينهم، وحين يجتمع العلماء مع الذين يفقهون الواقع لوضع دراسة يسألون: يا جماعة ماذا نفعل؟ ما الأولوية التي عندنا الآن؟
من الأولويات الآن في سوريا أن يقام الجسد البشري مع شيء من الإيمان حتى يستطيع أن يبلغ بذلك، ويعيش إلى أن يلقاه الأجل، فعندنا شيء من الإغاثة مثلاً نغيث هذا الجسد، وكذلك إغاثة روحية مجملة ليس فيها تفصيل كثير من الأحكام، وليس الآن نأتي لهم بالسجون، ونأتي لهم بالعقاب، ونحاسب المقصر في الصلاة وما شابه ذلك كما يفعله بعض الناس، هذا الشعب المسكين الذي عانى وعاش فترة من الزمان بعيداً عن دينه.
 
المقدم: وحتى الحدود الشرعية.
الشيخ: أن نأخذه بالعلم، والرحمة يا جماعة كما قال الله - سبحانه وتعالى -: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً}[غافر:7] قال شيخ الإسلام: "ينبغي على المسلم أن يكون له حظ من هذه الآية، أن يكون عليماً بالحق، رحيماً بالخلق" المسلم الحق هو الذي يبين الحق، ويرحم الخلق، لا بد أن نرحم الناس، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تعينوا الشيطان على أخيكم)).
المقدم: فإذاً البدء بالأولويات.
الشيخ: من هذه الأولويات أن تبدأ بالميسور قبل المعسور، فلذلك هناك عندنا قاعدة فقهية: الميسور لا يسقط بالمعسور: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فجالساً))، وللأسف بعض الناس يترك الميسور الذي هو يتيسر له ويذهب إلى المعسور فلا يحصل له هذا ولا هذا.
البدء كذلك بالقريب قبل البعيد، نبدأ بأنفسنا، ونبدأ بأهلينا، وبالمجتمع الذي يحيط بنا، وهكذا كانت دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}[الشعراء:214]، وتجد من العجب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث رسائل إلى الملوك والسلاطين من الكفار إلا بعد صلح الحديبية، بدأت الرسائل بعد تسعة عشر سنة مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث للناس كافة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107].
 
المقدم: لكن بدأ بالأولويات.
الشيخ: ومع ذلك فبعض الناس الآن يقول: أنت مسؤول الآن عن هؤلاء الذين يموتون في أدغال أفريقيا، يا أخي - رضي الله عنك - من قال لك أني مسؤول عنهم؟ ولماذا تحملني المسؤولية؟ أنا لم أستطيع إلى الآن على من حولي، الإنسان يتقي الله ما استطاع، طيب هؤلاء الذين ماتوا خلال تسعة عشر سنة ماتوا من الكفار ولم يسمعوا دعوة نبوية سيقول لك: إحنا مسؤولين، لا أخي أنت مسؤول عن نفسك، ثم تتسع الدائرة.
ولما قويت الأمة، ولما استتب الإسلام في الجزيرة العربية؛ انطلق الصحابة فاتحين للبلاد.
 
المقدم: لا تذهب بعيداً إلى المعسور، بل ابدأ بالميسور عندك.
الشيخ: نبدأ بالميسور قبل المعسور، والمعسور يترتب على القيام بالميسور، فلذلك تجد - وسبحان الله - أنه عندما ذكر الله - سبحانه وتعالى - قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ)[النساء:77] هؤلاء كانوا في مكة تضايقوا من هذا الأمر أن يصبروا على الأذى، ثم لما كتب الله - سبحانه - عليهم القتال (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ)[النساء:77] قال العلماء: لما لم يصبروا على الأول لم يصبروا على الثاني، وكثير من الذين يسبقون الأحداث تجدهم لما يأتي الحدث الذي هم تكلموا عنه يفرون من الزحف، وبالتالي تجد كثيراً من الشباب في بيئة معينة يتكلم بالجهاد ولا جهاد، كما قال: كنا في أيام الحكم في سوريا من قبل هذا النظام المجرم ونظام أبيه؛ كنا نحاول أن ندعو الناس بالسر في البيوت، ونعلمهم، حتى كان يدخل واحداً واحداً، ويضع الكتاب تحت ثيابه حتى لا تراه المخابرات، ومع ذلك في هذا الوقت شباب يتكلمون بالخروج، قلت له: طيب ما عندك من القوة؟ قال: إحنا عشرة، قلت: عشرة تخرج فيها على نظام مدجج، فقال: إلى متى حمل الكتاب؟ قلت: سبحان الله الشيطان ضحك عليك، لا أنت تعلمت، ولا علمت، ولا جاهدت، الآن أنت قابع في بيتك، آخر الليل بتروح تنام بأحضان زوجتك.
 
المقدم: تفكر في المعسور.
الشيخ: أو إذا كنت عازباً تنام وحيداً فريداً، فهذا من اللعب بالشيطان أحياناً، قلت: أنا أقل ما في الأمر أني استطعت أن أقوم بالميسور لي، وحتى على نوع تعب في هذا، ومجاهدة في هذا الباب، فلما تيسر القتال الآن نحن مع القتال، فهذه مسألة مهمة أن نقوم بالميسور قبل المعسور، أن نبدأ بالأولويات التي ينبغي أن نحافظ على كيان السوريين، أن نغيثهم، أن نرحمهم، أن ندعوهم، وليس الآن أن نجعل سوريا مشروعاً عالمياً، وللأسف تجد أن بعض الناس ما دخل قتالاً إلا وجعله مشروع الأمة، وهذا لم ينظر إلى الواقع، ولم يقرأ الواقع، لما كان الجهاد الأفغاني جعلوه مشروع الأمة، في الصومال جعلوه مشروع الأمة، وأقل ما في الأمر أن تبني لك مشروعاً على قدر حالك، مثل من عنده مثلاً مئة ألف ريال ويريد أن يصير مثل الأغنياء الكبار، طيب ابنِ لك مشروعاً على قدر حالك، ثم انطلق إلى مشروع ثانٍ وهكذا، لسنا ضد المشاريع الكبرى، لكن نحن نفعل الذي نقدر عليه.
 
المقدم: كأني بك تتحدث عن قاعدة اعتبار الاستطاعة في التغيير.
الشيخ: لا شك في ذلك، وبعضهم يفهم الاستطاعة فهماً خاطئاً، مثلاً حين يقول: استطاع يعني هو يقول القدرة مطلقة، يعني أنا لو دخلت مكاناً ورأيت منكراً، وأستطيع في يدي أن أزيل هذا المنكر عندي قدرة، وقد يقوم الناس بضربي أو أشياء من ذلك ويترتب على ذلك مفاسد، لكن أنا عندي قدرة، هذه القدرة والاستطاعة ليست استطاعة شرعية، الاستطاعة الشرعية مرتبطة بالمصلحة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستطيع أن يغير الكعبة، لكن ما غيَّرها قال خشية الفتنة: ((لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة))، يستطيع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينقض الكعبة، وربما لن يسأله أحد، لكن خشي من الفتنة، فالقدرة لا بد أن ترتبط بالمصلحة، حتى في جبهات القتال؛ أن أقدم أو أحجم، هل أقوم بهذه العملية أم لا أقوم، هذا يترتب كذلك ليس الإقدام مطلقاً هو المطلوب وليس الإحجام مطلقاً هو المطلوب بل لابد أن تقدر المصالح والمفاسد.
لكن سبحان الله منهم من غالى في قضية الاستطاعة حتى لا يفعل الذي يقدر عليه، ومنهم من لم ينظر إلى الاستطاعة، وأصبح يفعل أفعالاً يترتب عليها مفاسد، والوسط هو أن يفعل الإنسان المقدور له بما يترتب عليه المصلحة.
المقدم: هذا يقودني لتساؤل فضيلة الشيخ يعني كثرة الحديث عن موضوع الاستطاعة، وضرورة اعتبارها في عملية التغيير، البعض يرى أن في هذا استسلاماً للواقع، كأنك تستسلم وتقول: يا أخي حتى نستطيع نبدأ بعملية التغيير، الآن نجلس ونكتفي مثلاً بالتعلم الشرعي كما تفضلت بالكتاب، أما موضوع التغيير، وموضوع الثورة، وكذا فليس لنا استطاعة.
الشيخ: لا ليس هذا المقصود؛ والذي يدعو في سوريا فقط إلى التعلم وترك القتال هذا ينطبق عليه قوله تعالى: (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا)[التوبة:49]، الآن أصبح المجاهدون قادرون على أن يجاهدوا ويغيثوا، فنقوم بهذا العمل الذي نقدر عليه، وندفع هذا العدو الذي صال على كل شيء، لكن هناك فرق كبير بين أن أكون أنا في وقت لا أستطيع أن أدفع، وأدفع ما يترتب على ذلك مفاسد عظيمة، والآن ترتب مصلحة عظيمة وبخاصة أن الثورة السورية هي ثورة، الحقيقة الله - سبحانه وتعالى - أقامها بسننه الكونية، ولو أردنا أن نجتمع ونخطط لها لما كانت كذلك، الله - سبحانه وتعالى - أراد بأهل الشام خيراً كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله تكفل لي بالشام وأهله)) إن أستطعت أن أدعو أدعو، أستطيع أن أقاتل أقاتل، أستطيع أن أغيث أغيث، أتعلم إلى آخره، لا بد أن يفعل الإنسان المقدور عليه، وليس أن نستسلم للواقع.
وأحياناً يكون هذا ليس استسلاماً للواقع بل أحياناً مطلوب منك في وقت من الأوقات أن تكف اليد، ولذلك يقول شيخ الإسلام: "وإذا كان المسلم مستضعفاً في مكان... قال: ترجع إليه آيات التي تتحدث عن الصبر، وأحياناً بعض الناس يسمي الصابر مكتوف الأيدي، يا شيخ الصبر هو من أعظم الأعمال، النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمر على آل ياسر فيقول لهم: ((صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)) ومن أعظم الأعمال الصبر، لكن نحن سميناه استسلاماً وسلبية، على الرغم من أن الصبر هو من أعظم الأعمال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب} [الزمر:10].
 
المقدم: طيب فضيلة الشيخ أنت ذكرت تشخيص واقع الأمة، وأهمية أن يكون التشخيص صحيحاً، لو انتقلت إلى الحديث بشكل مباشر عن الوضع في سوريا - وهو ما يهمنا بشكل مباشر اليوم -، هل من ملامح معينة لتشخيص الواقع السوري، ما أمثلة التشخيص الفاسد للواقع في سوريا؟
الشيخ: التشخيص الصحيح الآن للواقع السوري أن هناك نظام مجرم باطني صال على دين هذا الشعب المسلم، صال على عرضه، على ماله، وأعانه على ذلك قوم آخرون من إيران الصفوية، والأحزاب الشيطانية، من حزب الشيطان في لبنان، والأحزاب الرافضية، إنما هي حرب طائفية ضد أهل السنة والجماعة، والحقيقة أنها حرب عالمية ضد أهل السنة والجماعة؛ لأن أهل السنة هم خلاصة الناس وصفوتهم، والعالم لا يريد أهل السنة؛ لأن السنة يفقه يخبر بالواقع، ويأمر بالواجب، السني هو الذي يجاهد جهاداً شرعياً، لا يخضع للقوم، وإنما يخضع هؤلاء المبتدعة الضلال كأمثال إيران التي تسمي لك أمريكا "الشيطان الأكبر"، وبينهم زواج متعة مع هذا الشيطان الأكبر، وإنما الشيطان الأكبر عند الرافضة هم أهل السنة والجماعة، وبالتالي نحن الآن غايتنا أن نسقط هذا النظام، ثم نقيم دولة الحق والعدل التي تخضع لشريعة الإسلام، هذا قمة المشروع الذي ينبغي أن ننظر إليه؛ وليس نجعل المشروع السوري هو مشروع الخلافة، وبرغم أن كل مسلم يفكر في الخلافة، لكن الخلافة لها شروطها، الآن لا تحمل السوريين ما لا يحتملون، وحتى في الطرح السياسي الآن ينبغي أن يكون هناك طرح أن نقيم دولة الحق والعدل، نريد إغاثة الناس، نريد أن نرفع الحصار، نريد أن نسقط هذا النظام المجرم الذي ولغ في دماء الناس، وبالتالي لا ينبغي أنه نقرأ مثلاً قراءة بعض الإخوة حين دخلنا إلى الداخل قال: لن نضع السلاح إلا في القدس، قلت له: الله يرضي عليك اصبر شوي، طول بالك مثلما يقولوا عندنا في سوريا بلا منفخة، والذي لا يفكر أن يعود العالم كله خاضعاً لدولة الإسلام هذا ليس بمسلم، لكن مثلما يقول المثل: "مد رجليك على قد لحافك"، ينبغي أن نشتغل بالمشروع الذي نقدر عليه، ونشتغل لهذا، فإذا تهيأ لنا قوة أخرى نفكر في المشروع الثاني.
مثل شخص يريد أن يبني عمارة من عشرة طوابق، وعنده إمكانية أن يبني الآن طابقين، فيؤسس الأصول التي يبنى عليها العشرة الطوابق، ثم يبني الأول، ثم يبني الثاني، ثم حتى يأتيه الفرج يبني الثالث وهكذا.
لكن شخص يقول لك: لا، إما العمارة كاملة أو لن أبني، فهذا لا يتصوره عاقل، فلا هو وافق النقل الصحيح، ولا العقل الصريح.
 
المقدم: طيب لو أسقطنا القواعد المنهجية للتغيير على الواقع السوري كما تفضلتم شبهة مثلاً إقامة الدولة، إقامة الخلافة الإسلامية، الرد عليها بكل بساطة.
الشيخ: الخلافة الإسلامية ما معناها؟
أن يكون للمسلمين خليفة واحد، قائد واحد، وهذا ليس السوريون الذين يفرضونه على العالم، فلن يأتي السوريين ويقولون: هذا الخليفة، وتعالوا يا سعودية والأردن، والمغرب ومصر، وكل العالم الإسلامي لا بد أن تخضعوا للخليفة، هذا ليس صحيحاً؛ لأن الخليفة لا بد أن يعيَّن من أهل الحل والعقد في العالم الإسلامي، لكن أقل ما في الأمر أن نقيم حاكماً إسلامياً، ودولة إسلامية تخضع، ثم يتوسع هذا الأمر، وتتحد هذه البلاد تحت إدارة واحدة، وهذا مطلب شرعي.
 
المقدم: البعض يقول: إن هذا يعني كأنك ترضى بإقامة دولة في حدود سايكس بيكو.
الشيخ: طبعاً هو خاضع لسايكس بيكو؛ لأن عنده جواز سايكس بيكو، ويتعامل بالعملة التي تتبع سايكس بيكو، ونحن نتعامل مع الواقع لكن ليس معناه الرضا بالواقع، وهناك فرق كبير، وأقول لهذا الشخص: النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح قريش عشر سنوات على أن لا يكون قتال، ما معنى عشر سنوات؟
يعني أن مكة خاضعة للكفر عشر سنوات، وفيها أصنام، وفيها كفر، وفيها شرك، ما رأيك هل يلزم من هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة راضين بالكفر؟
المقدم: أبداً.
الشيخ: أنت تتعامل مع واقع، نحن الآن نتعامل مع واقع معين، ثم إزالة هذا الواقع هذا لا يلزمني أنا أعيش، يمكن ابني، أحفادي وهكذا، لكن ينبغي أن أكون أنا لبنة صحيحة ضمن هذا التغيير، لكن دائماً شخص يقول لك: إما البناء كاملاً وإما لا يكون بناء، فلا نستطيع أن نبني هذا البناء.
 
المقدم: الاتهام بالعمالة والخيانة لكل من يتعامل مع الغرب، لكل من يتعامل مع الديمقراطية؛ أو ما أشبه ذلك من أنظمة سياسية هذه أصبحت تهمة سهلة.
الشيخ: لا شك أن المتعامل مع الغرب إما أن يكون فعلاً خائناً هو خاضع لمؤامراتهم، إما ينفذ أجندة خاصة لهم، وإما أن يكون لا يلتقي بالغرب الكافر، فلا مانع أن تلتقي بالكافر، وبالغرب، بل بأمريكا وما شابه ذلك إذا أردت أن تحقق مصلحة شرعية لهذا الشعب، وللأسف لا أدري كيف يحكم على إنسان بمجرد؟! وبعض الناس حكموا بمجرد أن فلان التقى بماكين لما جاء إلى سوريا من أجل هذه الصورة حكم عليه بالكفر، يا أخي الكريم: النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتمع مع المشركين، وفعل معهم صلحاً.
فإن قال: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يضيع القضية، إذاً الشرط أننا لا نضيع القضية، أنا أستطيع أن أحصل مصالح كبيرة لهذا المجتمع، وأن ألتقي مع الكافر، وأحصل مصالح دون التنازل عن الثوابت الشرعية، وهذا لا مانع منه شرعاً، وليس مجرد اللقاء بالغرب، بل أعتبر من بعض السياسات الخاطئة في بعض الدول (لا أسميها) في يوم ما أنها لم يكن لها سياسة خارجية؛ فلا بد أن نتعامل مع العالم.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - تعامل مع الكفار، وتعامل مع اليهود، وتعامل مع النصارى؛ لكن على طريقة صحيحة شرعية، وبما يحقق المصالح، ويدرأ المفاسد قدر الإمكان.
المقدم: ثوار الخنادق، وثوار الفنادق، هذه مقولة سمعناها كثيراً، بل بني عليها أحكام شرعية أن القاعد لا يفتي لمجاهد، كيف نرد على مثل هذا؟
الشيخ: أذكر كنا مرة مجتمعين في فندق في تركيا، فاتصل أحد الإخوة الجالسين بواحد من الداخل، فقال له: أنتم جالسون في الفنادق، مع أننا نجتمع هذه الليلة من أجل الداخل.
 
المقدم: نعم، لاشك أن الكل يعمل: الإغاثيون، الإعلاميون، السياسيون.
الشيخ: سبحان الله، أنا أقول: العبرة ليست في الداخل والخارج؛ وإنما العبرة بالإيجابية والفاعلية، فهناك أناس في الداخل وهم مجرمون شبيحة ضد الشعب السوري، وهناك من هو في الخارج من هو مجرم، وضد هذه الثورة، وهناك في الداخل من هو مجاهد مقاتل، فعله إيجابي للثورة السورية، وهناك من هو في الخارج كذلك الأمر، بل بعض الأشخاص لو دخلوا في الداخل لأبطلوا كثيراً من المشاريع النافعة، وهذا السلاح الذي تحمله؛ لولا أن الأخ الذي في الخارج سعى لكم في جمع الأموال والإغاثة فمن أين كان سيأتيكم؟ بل هو عند دول يقوم بهذا العمل كما بعض الأشخاص في هذا الباب.
المقدم: صحيح.
الشيخ: فينبغي أن ننظر إلى الفاعلية هل هو فاعل؟ ثم كل ميسر لما خلق له: شخص يصلح للإعلام، شخص يصلح للطبابة، شخص يصلح للسياسة، شخص يصلح للقتال، شخص يصلح للدعوة، وهكذا بقية الأمة، وكما قلنا التغيير تفاعلي وتكاملي، وكل ميسر لما خلق له.
 
المقدم: وهل يدخل كل هذا في الجهاد، أم أن الجهاد هو حمل السلاح في الميدان فقط؟
الشيخ: لا الجهاد متنوع، بل قمة الجهاد هو جهاد العلماء، بل ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - كلاماً نفيساً في هذا الباب عندما ذكر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم:9] قال: "أما جهاد الكفار فأخص باليد، وأما جهاد المنافقين فأخص باللسان، قال أما جهاد اليد فيستطيعه كل أحد، وأما جهاد اللسان فهو جهاد الخواص، ولا يقدر عليه إلا الأنبياء والعلماء"، فالذاب عن السنة كالمجاهد في سبيل الله، بل هذه مشكلة خطيرة حين يهون ويقول لك: لا، ينبغي أن تكون في ساحات القتال.
المقدم: إما أن تكون معنا، وتحمل السلاح، أو لا يقبل منك حتى الفتوى وإن كنت عالماً.
الشيخ: وحتى في الجيش الواحد لا تجد كلهم يقاتلون.
المقدم: صحيح.
الشيخ: جيش يقاتل، وجيش يعمل في الطب والتمريض، ومنهم من هو على الاتصالات، ومنهم من يجلس في غرفة العمليات ولا يقاتل، وهذا هو القتال، لا يمكن أن يكون إلا بهذه الغرفة؛ ولذلك ينبغي أن يتعاون الناس كل على طريقته في هذه الثورة المباركة.
 
المقدم: تطبيق الشرع، وإقامة الحدود في مثل هذه الظروف؟
الشيخ: نحن بفضل الله - سبحانه وتعالى - كما في المكتب العلمي أخرجنا فتاوى في هذا الباب وأن الحدود الآن لا تطبق، واعتمدنا على كلام كبار أهل العلم حتى في هذا العصر، وعلى ما أوصى بذلك الشيخ عبدالرحمن البراك واللحيدان وغيرهم.
فالحدود التي هي متعلقة بحق الله - سبحانه وتعالى - كشرب الخمر، والزنا، وما شابه ذلك؛ تؤجل لكن ليس معنى ذلك أنها تترك، فيمكن أن يسجن، وأن يؤدب، لكن الحدود التي هي فيها نكاية بهذا النظام من قتل الجواسيس، والذين يعتدون على الأعراض، ويقتلون الناس؛ هذا لا بد من إقامتها؛ لأن القضية ليست فقط تطبيق الحدود، والآن للأسف هناك بعض الأماكن وضعوا سجوناً وطبقوا حدوداً، يا جماعة ليس هذا هو الإسلام، الذي يفهم أن الإسلام فقط تطبيق حدود فهذا لا يفهم الإسلام.
الإسلام: إيمان، وعبادة، وصلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وصلة للأرحام، والحد يأتي عادة في حالة طارئة معينة عندما يشيع الإسلام، عند ذلك، وعندما تقوم حكومة وحاكم وقضاة، ثم تجعل وظيفة لكل هؤلاء الناس وما شابه ذلك تحس بالأمان؛ عند ذلك، وعندما يقترف شخص حداً من حدود الله، لا نسارع في تطبيقه، بل أحياناً قد نقول له: تب إلى الله - سبحانه وتعالى - كما هو معروف في شريعتنا.
 
المقدم: فضيلة الشيخ نعود إلى الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الرعد:11].
نسأل الله أن يوفق جميع المسلمين لأن نغير أعمالنا حتى تتغير أحوالنا، كما تفضلتم في بداية هذه الحلقة.
حقيقة انتهى الوقت، ولم يبق لنا إلا أن نشكر فضيلتكم على تشريفكم، وعلى هذا البيان، وللأسف انتهى الوقت وإلا فالحديث يطول، ولعله يخصص له حلقة أخرى - بإذن الله - لاستكمال هذا الموضوع الهام في هذه المرحلة الحرجة من عمر هذه الأمة، ومن الأوضاع التي تعيشها.
الشكر موصول لكم أنتم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، دمتم بأمن وإيمان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.