الجمعة 16 ذو القعدة 1445 هـ الموافق 24 مايو 2024 م
تفريغ لحلقة حديث إلى الشباب المجاهد في سوريا من برنامج من أجل سوريا ح 34 ( مع الشيخ د. محمد لطفي الصباغ )
الجمعة 6 صفر 1436 هـ الموافق 28 نوفمبر 2014 م
عدد الزيارات : 21651

 

تفريغ لحلقة حديث إلى الشباب المجاهد في سوريا

من برنامج من أجل سوريا ح 34 ( مع الشيخ د. محمد لطفي الصباغ )

 

المقدم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مشاهدينا الكرام طاب مساكم، وأهلاً ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة من برنامجكم الأسبوعي من أجل سوريا، والذي يأتيكم على الهواء مباشرة.
بنينا حقبة في الأرض ملكاً *** يدعمه شباب طامحونا
شباب ذللوا سبل المعاني*** وما عرفوا سوى الإسلام دينا
إذا شهدوا الوغى كانوا كماة*** يدكون المعاقل والحصونا
وإن جن المساء فلا تراهم*** من الإشفاق إلا ساجدينا
شباب لم تحطمه الليالي*** ولم يسلم إلى الخصم العرينا
ولا عرفوا الأغاني مائعات*** ولكن العلا صيغت لحونا
كذلك أخرج الإسلام قومي*** شباباً مخلصاً حراً أمينا
وعلمه الكرامة كيف تبنى*** فيأبى أن يذل وأن يهونا
****
إن الشباب هم العماد
وهم النور إن سلكوا طريق الرشاد
ولكن من عن الدرب حاد
فهو وبال على أمة أعزها الله بالجهاد
جهاد النفس والشهوات؛ أولسنا لله عباد
 
هل ركن شباب أمتنا اليوم إلى الدنيا، ورضوا بها بعد أن كانوا مشاعل الانتصار، ونواة الازدهار؛ أم أن شباب سوريا قد أعادوا للأمة أملها المشرق، أو أملها في الغد المشرق، يعيد الفجر، ويأتي معه النصر؟
هل يعيد التاريخ نفسه اليوم لنرى جيلاً من الشباب الأبطال يقودون هذا الحراك الشعبي، ويقدمون التضحيات معلنيها مدوية: "نحيا أعزاء، أو نموت شهداء".
"شباب سوريا عماد ثورتها" هو موضوع حلقتنا لهذه الليلة في حديث أبوي من أحد شيوخ سوريا وأعلامها إلى شبابها، وأفذاذها؛ ضيف هذا اللقاء أديب المحدثين فضيلة العلامة الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ، عضو رابطة علماء الشام، الشيخ من علماء دمشق المتخصصين في الأدب الإسلامي؛ لكنه حط رحاله في خدمة الحديث النبوي تحقيقاً وفهماً، أستاذ علوم القرآن والحديث بكلية التربية في جامعة الملك سعود، له باع طويل في التدريس الجامعي، والدعوة إلى الله، وله مؤلفات عديدة، ومشاركات في عدد من المؤتمرات العلمية والإسلامية حول العالم، عمل منذ بداية الثورة السورية المباركة على توجيه أبنائه وإخوانه أبناء سوريا، ودعم ثورتهم، والوقوف إلى جانبهم.
 
- المقدم: أهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ، حياكم الله ضيفاً عزيزاً على البرنامج، ونشكر لكم يعني تلبية هذه الدعوة.
- الشيخ: الله يبارك فيكم.
- المقدم: شيخنا لطالما ركزتم في بياناتكم، وفي خطاباتكم، وفي توجيهاتكم؛ على الشباب منذ بداية هذه الثورة، أكدت حتى في أحد البيانات أن جهد الشباب في الثورة الشعبية هو حجر الزاوية؛ لماذا الشباب تحديداً؟ لماذا هم حجر الزاوية؟ أو جهودهم هي حجر الزاوية كما تفضلتم؟
 
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله.
المقدم: وعليكم السلام.
الشيخ: أيها السادة المشاهدون، وأيتها الأخوات المشاهدات، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، اللهم هب لنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشداً، ربنا استعملنا في طاعتك، واجعلنا من جندك، ومن عبادك الصالحين، وحقق الخير على أيدي هؤلاء الشباب، تسألني يا أخي لماذا الشباب؟
الشباب في الإسلام شيء هام جداً، فلقد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشباب الصالحين الناشئين في طاعة الله، يكونون في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، - وشاب نشأ في طاعة الله - والشباب قوة، سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - كان يرجع إلى الشباب يطلب حدة ذهنهم؛ لأن الشاب يكون مكتمل القوى، ويكون ذهنه حاداً، فكان يستشيرهم؛ ثم بعد ذلك يا أخي الكريم الشباب في هذه الثورة كانوا أساتذة لنا، الأطفال والشباب في هذه الثورة المباركة هم أساتذة للكبار الذين شاركوا لما تقدم هؤلاء الشباب شاركوا في الثورة، فبارك الله في جهودهم.
إن الشباب قاموا وقالوا بلسان الحال لا بلسان المقال: إلى متى أيها الكبار أنتم ساكتون؟ إلى متى أيها الكبار أنتم خاضعون لهذا الحكم الخسيس العنيف المؤذي المجرم؟ لماذا لا تقومون قومة رجل واحد، تنكرون المنكر، وتطلبون الخير، وتطلبون أن يكون الحكم محقق لرغبات الأمة، الأمة مسلمة، والحكم قائم على محاربة الإسلام، ومناهج التعليم تخرج أبناءً ينسلخون من الدين، فلماذا لا تقومون؟ لماذا رضيتم؟
هكذا يقول الشباب بلسان حالهم: لماذا رضيتم أن تكونوا بمنزلة الخوف والجبن، وأنتم أبناء أمة محمد التي كان شبابها مكافحين مجاهدين ناشرين للإسلام في العالم كله، دمشق انطلقت منها جحافل التوحيد تنشر الدين في شرق الأرض وفي غربها، نحن وصلنا إلى أوروبا على يد هؤلاء الشباب ففتحنا الأندلس، وكنا على حدود فرنسا، واتجهوا في الشرق إلى أن وصلوا إلى حدود الصين، هؤلاء الشباب الآن بارك الله فيهم وحياهم وبياهم، وثبتهم على الحق، وأكثر من أمثالهم، هؤلاء الشباب رفعوا رؤوس السوريين عالياً بجهادهم وصمودهم، والله لا أعرف أنا شعباً في شجاعته، وفي صموده مثل الشعب السوري ثبته الله وقواه، تصوروا شباب ليس معهم لا سلاح، ولا قوة، ولا دراسة عسكرية، مع ذلك ظلوا مجاهدين صامدين صابرين، يواجهون أعتى قوة عسكرية تواجه بها الحركات الشعبية.
 
المقدم: فإذاً برأيكم شيخنا يعني لولا الشباب لما قامت الثورات، الثورات عموماً، والثورة السورية خصوصاً.
الشيخ: والله لولا الله، لولا الله، والله هذه الثورة المباركة ليس لأحد فيها فضل إلا الله - عز وجل -، هؤلاء الأطفال في درعا الذين قاموا يقولون: نحن نريد إسقاط النظام، فما كان من النظام إلا أن سمل عيونهم، وجدع أنوفهم، ونكل بهم التنكيل الشديد، هؤلاء الشباب هم أساتذة لنا، هؤلاء الشباب هم أساتذة لنا نعم نحن الكبار، فجزاهم الله الخير، وسدد خطاهم على طريقه.
 
المقدم: أولا تشك أنه تدبير رباني يعني من ربنا - سبحانه وتعالى -، لكن الشباب كانوا هم الشرارة التي أشعلت هذه الثورة كما تفضلتم، طيب شيخنا قبل أن نتابع الحديث عن دور شباب سوريا في هذه الثورة المباركة؛ نستأذنكم ونستأذن السادة المشاهدين في أن نعرض هذا التقرير عن دور الشباب خلال هذه الثورة لعشرين شهراً، تابعونا، وأبقوا معنا بعد هذا التقرير.
 
تفريغ نصي للتقرير المرئي: تلك كانت الصرخة الأولى التي أطلقها السوريون يشقون بها حجب قهرهم وذلهم طيلة عقود من الزمن، صرخة فكت قيودهم، وأعادت لهم ثقتهم بأنهم قادرون على نيل حريتهم، فكانوا على موعد مع ولادة إنسان جديد لا يرضى بغير الحرية شمساً تنير حياته في الخامس عشر من شهر مارس / آذار ألفين وأحدى عشر؛ استيقظ الحراك السوري فكسر في نفوس شباب سوريا كلما كانوا يعانونه من إحباط ويأس، وانهزامية وسلبية ولا مسؤولية، يومها صار لهم في الحياة هدف يستحق أن يعيشوا من أجله: إنه الحرية، وأدهش شباب سوريا العالم بوعيهم لمعنى الحرية، لقد فهموا أن الحرية تعني حقهم في أن يرفضوا الظلم، وينصروا المظلومين دون أن يقتلوا، أو أن يعتقلوا، وخاصة أنهم ما خرجوا إلا لله، ولكن آلة القتل والتعذيب كانت لهم بالمرصاد، فقتلوا واعتقلوا، وعذبوا وأصيبوا، فلم يزدهم كل ذلك إلا ثبات وإصراراً على النصر والحرية فقد عرفوا أنهم بذلك يضعون حجر الأساس، ويضعون القواعد المستقبلية إن صار لهم أمل كبير أن يعيشه لهم أبناءهم بعزة وكرامة، لقد قدم الشباب السوري على مدى عشرين شهراً أساطير رائعة للشجاعة، والإقدام، والثبات على الحق، أساطير كان هو أول المتفاجئين بها؛ لأنه لم يكن يعلم مقدار ما يملكه من القوة والعزيمة، والهمة والصبر، والمصابرة والثبات، والعنفوان والإباء، لم يكن يعرف أن بمقداره أن يصرخ، وأن يقاوم، وأن يصمد، وأن يستمر، فاندفع يبذل روحه رخيصة للدفاع عن دينه وأهله بعد أن غدت كلمة "أهل" تعني كل سوري حر، الشهيد تلو الشهيد، وكلما ازداد النظام الغاشم قتلاً وتعذيباً؛ ازداد الشباب إصراراً وثباتاً في ملحمة للبطولة لم يتوقعها العالم بأسره، ذاك الشباب الذي كان قبل أشهر قليلة يتهم بالسطحية، وانعدام الهدف، والسلبية والضياع، جاءت الثورة السورية لتقوّم نفسه، وتنقي معدنه الأصيل من كل ما كان يشوبه، فقام ليقيم قصص البطولة والأبطال، قصص ثبات وشجاعة لم يتخيل العالم أن التاريخ سيعيد تقديمها حية ماثلة أمام ناظريه، يراها كل يوم، بل بشكل حي ومباشر، فالثورة عندما اشتعلت أوقدت معها فكر الشباب السوري، وفجرت طاقاته وإبداعاته، فانطلق في رحابه يقدم كل إمكاناته، وكل ما يستطيع، وارتقت الثورة بوعي الشباب السوري فقابل الرصاص بالماء والورد، وقدم على مذبح السلمية آلاف الشهداء، كما أفهم الشباب السوري العالم بأسره كيف أن رصاص الظلم إن فرق أجسادهم إلا أنه يوحدهم في الألم، ويوحدهم في الأمل، كما أن الجرح النازف وحد شباب سوريا في الهمة والعمل، سواء أكانوا في حضن أمهم سوريا أو خارجها؛ وليغدوا إنقاذ طفل، أو إغاثة أم، أو رسم بسمة على وجه أب، أو تصوير معاناة فتى أو فتاة؛ يستحق التضحية بكل شيء حتى بالحياة نفسها، ومع اقتراب إشراق فجر النصر والحرية تتطلع العيون إلى الدور المصيري الذي يحمله شباب سوريا ليحافظوا على وحدة أرضها وسلامتها من أي تدخل فيها، أو وصاية على ثورتها، أو سرقة مكاسبها، أو السير بها نحو مجهول لا تحمد نتائجه، وكم من الدور يحمله الشباب السوري أيضاً في إيجاد منظومة فكرية، وسلوكية، وأخلاقية جديدة يقوم عليها المجتمع السوري القادم، ويكون حصناً منيعاً يحمي سوريا من كل حال، ومن واقع يمكن أن يعود بها إلى قيم الحياة أيام الطاغية، أو أسلوب الحياة، أو سلوكياته، وكم من الدور يحمله شباب سوريا لحمايتها من أية فتنة يمكن أن تفرق الصف، أو تبث الحقد، أو تزرع الكراهية لتحول بين همم الشباب، وعزيمتهم، وآمالهم، وبين بناء سوريا الحرة، وإعلاء صرحها، ورفع راياتها، أسئلة كثيرة برسم الإجابة، وقصص يرويها التاريخ يحكي لنا أن ما زرعته الدماء والدموع لن يزهر بإذن الله إلا وروداً ورياحين.
المقدم: بالفعل شيخنا دم الشباب - بإذن الله - في سوريا سيزهر وروداً ورياحين، وفعلاً أدهش الشباب السوري العالم بأسره بهذا الصبر، وبرباطة الجأش، وبمواجهة أعتى آلات القتل والإجرام في العالم، لكن لفت انتباهي في نهاية أحد البيانات التي قدمتموها للشباب، وعنونتموها باسم "تحية وبيان إلى شباب سوريا الأبطال، وسائر الشعب السوري" قلتم: "ألا فاصبروا وصابروا، وحافظوا على سلمية ثورتكم، واعلموا أنكم إن ثبتم وصبرتم وصلتم إلى مرادكم، والله معكم".
 
شيخنا: هل لا تزال هذه الدعوة قائمة، يعني بمعنى آخر هل لا تزال هذه الدعوة صالحة للتطبيق الآن حيث لا يسمع إلا صوت الرصاص والمدافع، وأزيز الطائرات والبراميل المتفجرة، كيف للشباب أن يحافظوا على سلميتهم بهذه المرحلة.
الشيخ: الحقيقة إذا سمحت لي أريد أن أقول: الوعي الذي وجد في الشعب السوري في رجاله ونسائه، وأطفاله وشيبه؛ شيء هائل، المظاهرات التي كانت تخرج في الليل، وفي النهار، تخرج النساء، ومعهن الشباب، فإذاً الشباب والشابات جميعاً كانوا على درجة من الوعي، ويحسون بالمسؤولية إحساساً تاماً، كانوا يقولون: إلى متى أنتم ساكتون، الأموال من جيوبكم، وجنود الدولة من أبناءكم، كيف تسكتون هؤلاء الشباب والشابات؟ يعني كانوا على درجة من الوعي كبيرة جداً.
أما ما تفضلت به من السؤال فنحن كنا حريصين أتم الحرص على أن تكون هذه الثورة المباركة ثورة سلمية، نطلب حقنا، كل أمم الأرض لها أن تطلب حقها الذي تراه، هذا الحكم كان ظالماً، هذا الحكم كان غاشماً، فنحن لما رأينا إخوة لنا وأشقاء استطاعوا أن يبعدوا الحكم السيئ الذي كانوا يرزحون تحت ظله؛ حرصنا أن نطالب بأن يذهب يرحل هذا الحكم بطريقة سلمية نصون بها دماء أهلنا، ولكن واحد يجي بالبارودة ويوجهها إليك تقوله له: والله تفضل كمل شغلك، لا.
 
المقدم: لا بد من الدفاع عن النفس.
الشيخ: لا بد من الدفاع عن النفس، نعم؛ الآيات القرآنية التي وردت تأمر بأن يدافع الإنسان عن نفسه، يا سيدي الفقهاء يقولون: إذا هوجمت بلدة من بلاد المسلمين وجب على الشيخ، وعلى الشاب، وعلى الرجل، وعلى المرأة، وعلى الحر، وعلى العبد؛ أن ينهض للدفاع عن هذه البلدة التي هوجمت، أناس يقاتلوننا بأبشع وأعتى أنواع القتال، كيف نعاملهم بالسلم؟! هذه الطريقة طريقة ليست إسلامية، إذا ضربك أخوك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر حتى هذا ليس من الإسلام في شيء، وإنما نقتل من يريد قتلنا، ندافع عن أنفسنا، ندافع عن حريمنا، الآن هذا الحكم الخسيس بدأ يواجه، بدأ يقوم بالعدوان على النساء، والحقيقة أن أهل بلاد الشام هذا أمر يعني عظيم جداً يعني لو أخذوا ماله يقول: اصبر، أما أن يأتوا ويعتدوا على نسائه، يفور الدم في رأسه، وفي جسمه؛ إذاً الكلام الذي قلته نعم كان في بادئ الأمر.
 
المقدم: كان له وقته.
الشيخ: كان في بادئ الأمر، أما بعد ذلك لا يمكن أن نقول لأهلنا: استسلموا لهؤلاء الذين يقتلونكم، وقدموا لهم رقابكم، وقولوا: أقتل، لا لا، هذا ليس من شرع الإسلام من قاتلنا نقاتله.
المقدم: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [سورة البقرة: (194)].
الشيخ: نعم من قاتلنا نقاتله، ومن سالمنا نسالمه أيضاً، فنحن كنا في الأول نريد أن تكون هذه الثورة ثورة سلمية حفاظاً على دماء أهلنا.
 
المقدم: أما الآن.
الشيخ: أما الآن أختلف الوضع.
المقدم: طيب شيخنا في بيان أصدرتموه بعد المجازر المروعة في الحولة، وبعض المدن السورية؛ طلبت من الشباب أيضاً أن لا ينتظر خيراً من الجامعة العربية، ولا من المنظمات الدولية، يعني هل هذا كان النداء أو التوجيه هو من باب كمال التوكل على الله - عز وجل -؟ هل مناشدة مثل هذه المنظمات ينافي التوكل على الله؟ واليوم نرى بعض الحراك في هذه الجهات التي ذكرناها فنريد توجيه بهذا الخصوص.
الشيخ: نعم يا سيدي في الواقع ماذا صنع مجلس الأمن لنا؟
المقدم: لا شيء.
الشيخ: على مدى ستين أو سبعين سنة، كان مجلس الأمن مع اليهود، ومع أمريكا, ومع الغرب، أما قضايا الإسلام والمسلمين فهو أصم وأعمى، لا يبصر هذه المجازر التي تقوم، ولا يسمع أنّات الثكالى، وبكاء الأيتام، فالمنطق الواقع أنه لا ينبغي أن نعتمد على مجلس الأمن، ولا على الجامعة العربية، ولكن هذا لا يمنع من أن نلجأ إليهم لنقيم الحجة عليهم، يعني نحن أعتديَ علينا، وطلبنا، وأنتم اسمكم مجلس الأمن، فأين هذا التحقيق لهذا الاسم، وهذا لا يتنافى مع التوكل على الله، ولكن الحقيقة لا ينبغي أن نعتمد إلا على الله، والله يجزيهم خير الشباب "مالنا غيرك يا الله".
 
المقدم: هذه الشعارات.
الشيخ: هذا حقيقة ليس لنا ناصر، شوف يا سيدي الملائكة في عهد النبي - عليه الصلاة والسلام - اشتركت بالقتال، ولكن الله - عز وجل - يقول: {وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ} [سورة آل عمران (126)]ليس من عند الملائكة، ولا من أي قوة: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} [سورة الأنفال (17)]، فالله - تبارك وتعالى - - وهذا الذي أريد أن أقوله أيضاً - كثير من الناس الآن ابحثوا بموضوع سوريا أنه طال الوضع، وهذا حاكم يدمر ويقتل، أقول: لا بد لنا من أن نضع في المعادلة قول الله - عز وجل -، {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}[سورة النساء (104)}، وفي تاريخنا الطويل خضنا معارك، هذه المعارك لو كان الإنسان يريد أن يقيسها بالقياس الأرضي لكان أحجم ولم يتقدم، ولكنه وضع أمامه الرجاء من الله، والتوكل على الله، وحسن الصلة بالله ... النصر.
 
المقدم: فإذاً نحن الآن أو أنتم فضيلتكم تخاطبون الشباب أن يستمروا في طريقهم، ولا يلتفتون لا إلى شرق ولا إلى غرب، ولكن في نفس الوقت هذا لا يعني أن نغمض أعينا عن الحراك السياسي الذي يدور، وما يتلقى من دعم.
الشيخ: هذا لا يتنافى مع هذا، لكن ينبغي أن يكون في أعماق قلوبنا أن الاعتماد على الله ثم على قوتنا نحن، وعلى ثباتنا، وعلى صمودنا، وعلى وحدتنا، ألا نكون متفرقين، وأن نكون واعين مبصرين لخطوة الأعداء الذين يحيكون لنا المؤامرات من هنا وهناك.
المقدم: ولعل تأكيداً لكلامكم فضيلة الشيخ عن مواقف هذا المجلس، ومواقف دول الغرب والشرق عموماً ما يحدث اليوم في غزة في فلسطين والتآمر، والتبرير لليهود وما يفعلونه، ويسمونه دفاعاً عن أنفسهم.
الشيخ: يا سيدي تاريخ مجلس الأمن مع المسلمين تاريخ أسود، ولكن هذا لا يمنع من أن نتعامل معه، نحن لا ننتظر النصرة منه، ولكن لنحاول، ولنقم الحجة عليه.
 
المقدم: جميل، لعل الحديث عن موضوع سوريا وموضوع غزة الذي يحدث هذه الأيام يقودني إلى موضوع، حري في كل حين التذكير به وهو فضل ومكانة بلاد الشام وسوريا تحديداً، وأكناف بيت المقدس، وترسيخها في نفوس أبنائها من الشباب، وخصوصاً وأن الكثير حقيقة حتى ممن قاموا بهذه الثورة يجهلون فضائل ومكانة بلدهم التي يدافعون عنها، يعني قبل أن نتحدث عن فضائل ومكانة بلاد الشام هل ترون أن معرفة الشباب بهذه الفضائل، وبهذه المكانة؛ يدفعهم لمزيد من التضحيات؟ وهل معرفتنا بهذه المكانة أيضاً يوجب علينا حقوق وواجبات أكثر؟
الشيخ: يا سيدي لا شك بأن معرفة الشباب لهذا يجعلهم أكثر حماساً، وأنا أعتقد أن كثير من هؤلاء الشباب الصالحين يعرفون هذا المعنى؛ لأنه ورد في كتاب الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر أن في القرآن تسع آيات تدل على فضل الشام ومن أشهرها قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [سورة الإسراء (1)]، فهذه البركة تشمل كل بلاد الشام، ثم يا أخي أقول لك: بلاد الشام بلد واحد ما في غزة، وما في دمشق، وما في حلب، وما في حماة، هذه كلها بلد واحد، وهذا بقي إلى مدة قريبة جداً.
 
المقدم: ولبنان أيضاً.
الشيخ: حتى جاء سايكس - بيكو وزير خارجية فرنسا، ووزير خارجية إنجلترا، وقسموا هذه البلاد بلاد الشام جعلوها فلسطين، وشرق الأردن، وسوريا، ولبنان، ولما جاء الفرنسيون إلى سوريا ماذا صنعوا؟ قسموا سوريا إلى ست جمهوريات، وأنا كنت طفلاً أذكر أن في عملة دولة دمشق، ودولة حمص, وحماة.
المقدم: يعني قسموا المقسم، وجزؤوا المجزأ.
الشيخ: نعم، وهم الآن يتطلعون إلى هذا، ولكن هذا إن شاء الله لن يكون، فإذاً بلاد الشام شيء واحد، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحديث هذا صحيح، وصحيح جداً يقول عبد الله بن حوالة: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنكم ستجندون أجناداً: جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن)) قلت: يا رسول الله اختر لي، قال: ((عليك بالشام فإنها خيرة بلاد الله في أرضه، يجتبي إليها خيرته من خلقه، ومن أبى فليلحق بيمنه)) فذكر فضل اليمن أيضاً، والحديث الذي في البخاري: ((اللهم بارك لنا في شامنا، وفي يمننا)) .
آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي، فسكن أبو الدرداء دمشق، وهو مدفون في القلعة، وقبره هناك، وبجانبه مسجد، فلما استقر؛ كتب إلى سلمان هلم إلى الأرض المقدسة؛ فسمى دمشق أرض مقدسة، فأجابه سلمان - رضي الله عنهم جميعاً – " إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس المرء عمله " ، فأيده أن الأرض مقدسة؛ وكفار مكة أين كانوا؟ كانوا بأفضل بقعة في الدنيا، ومع ذلك هم في جهنم وبئس المصير، إذاً هذه البلاد بلاد مقدسة، وكم من دماء المجاهدين روت هذه الأرض كم من الدماء؟!
 
المقدم: عبر التاريخ.
الشيخ: رحم الله السلطان عبد الحميد، لما جاء اليهود يفاوضونه قال: هذه ليست أرضي ولا أرض أبي، هذه أرض المسلمين، هذه كل شبر منها إنما ضحي من أجله بالدماء الكثيرة، ورفض أن يأخذ المبلغ الكبير الذي كانت الدولة بحاجة إليه من الذهب، وقال بعد ذلك: ما دمت أنا موجوداً لا يمكن أن تأخذوا هذه البلاد، لكن ستأخذونها بالمجان إذا أنا نحيت، وهذا الذي وقع، إذاً بلاد الشام بلد واحد؛ ولذلك ضرب غزة هو ضرب للشام، ضرب لسوريا، وضرب للبنان.
المقدم: والمجرم هنا وهناك وجهان لعملة واحدة.
الشيخ: والآن بلبنان مع الأسف أهل السنة والجماعة في ضيق شديد، وهذا الحزب الحاكم الآن في لبنان يعمل على قتل أهل السنة، وإبادتهم من هذا المكان.
 
المقدم: ويتبجح بالدفاع عن فلسطين وتحريرها.
الشيخ: أي دفاع؟ أين هو الآن؟ الآن هو قال: أنا سمعته يقول: يا زعماء العرب أعطوا غزة سلاح، طيب أنت معك سلاح، وأنت رئيس الوزراء بلبنان، وكل شيء بأيدك.
المقدم: وأنت على الحدود.
الشيخ: ما تستطيع إلا أن تذهب لسوريا لتذبح أهل السنة، وتبعث جماعتك ليقاتلوا مع هذا الخاسر بشار.
المقدم: هي فقط متاجرة بدماء الشعوب، وبدماء الشعب الفلسطيني.
الشيخ: هو ممثل كذاب ودجال ما في شك ولا ريب، وقد كشفه الله، في الأول خدع كثير به، لكن بالثورة المباركة كشف أنه عميل للفرس، وعميل لبشار الأسد.
المقدم: طيب شيخنا يعني ما تفضلتم به من مكانة بلاد الشام، ونحن كأبناء بلاد الشام؛ هل بمعرفتنا لهذه المكانة يتوجب علينا أمور معينة تجاه البلد، وتجاه ما يحدث هناك؟
الشيخ: قطعاً يا سيدي لو لم تكن هذه البلاد مقدسة ولو لم تكن مباركة ما دامت بلدنا هذا يتوجب عليك كما قلت لك قبل قليل أن القتال يجب على الكبير والصغير، وعلى الحر وعلى العبد، وعلى الرجل وعلى المرأة، فما بالك إذا كانت هذه البلاد مقدسة، شهد لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه خير البلاد.
 
المقدم: فهو واجب علينا من جهتين.
الشيخ: نعم.
المقدم: طيب فضيلة الشيخ جيل الشباب لو عدنا إلى جيل الشباب في عالمنا العربي والإسلامي لطالما عرف عنه ووصف بأنه سلبي وسطحي وهامشي في المجتمع، ومعروف عنه اللامبالاة، اليوم نرى ويرى العالم ما قدمه شباب سوريا من قصص البطولة وكل معاني الشجاعة والتضحية التي لم نرها إلا في كتب التاريخ حقيقة برأيكم فضيلة الشيخ ما أسباب هذه النقلة النوعية في توجهات الشباب واهتماماتهم؟
الشيخ: ليس من شك أن هناك نهضة إسلامية، ولو نظرت أنت إلى الشباب الجامعي في الخمسينيات في القرن الميلادي الماضي ونظرت إليهم الآن ستجد فرقاً كبيراً جداً.
المقدم: ما السبب؟
الشيخ: السبب يا سيدي هذا الضغط العنيف الذي سلط على هؤلاء وعلى دينهم بشكل خاص.
المقدم: رغم أن بعضهم كان بعيداً عن الدين.
الشيخ: والله أيضاً أنا أريد أن أنصف الواقع، والله الخير كان موجوداً في ذاك الزمان، ولكن هناك شر إلى جانبه، هذا الذي ذكرته أما الخير في هذه الأمة يا أخي كريم عريق، ولا يستطيعون أن يغيروا وجه هذه الأمة.
 
المقدم: لكن كان مغيباً بفعل هذه الأنظمة المجرمة.
الشيخ: أنظمة يا سيدي وسائل التعليم بيدها، وسائل الإعلام بيدها، الجيش بيدها، وأموال الأمة، يعني الآن ميزانية الدولة من أين ستكون؟ من جيوب الناس، إذاً المال الذي يتصرفون به هو من مال الأمة، والجنود الذين يستعملونهم في ضرب الأمة هم من أبناء الأمة، فلا شك ومثلاً في سوريا لما جاء هذا الطاغية حافظ الأسد نسأل الله أن ينتقم منه شر انتقام؛ ملأ السجون بالشباب، وكان إذا واحد يصلي يأخذونه، يا سيدي بالجيش سووا دورات في الفتوة أيام حافظ الأسد، فشاب كان يصلي فجاء ضابط قال: "إذا بدك تنمحي فوت على الخيمة" يمنعه من الصلاة، ووالله أنا خدمت العسكرية في الحدود، يعني كانوا في بلدة اسمها بلدة القلع وهي مشرفة على الحولة، وعلى بحيرة طبرية، أراد أهل البلدة أن يبنوا مسجداً والله لم يمكنوهم، وبقيت القلعة مدة وجودي فيها لم يبنوا مسجداً فيها، هذا الضغط هو الذي جعل الشباب يرجعون إلى أنفسهم، ويقولون: كيف يمكن لشاب ألا يجد مسجداً، شاب لا يمكن من الصلاة، الأستاذ عبدالرحمن الباني - رحمة الله عليه - سجن، فلما أرادوا - يدخلونه - على السجن أخذوا منه كل أوراقه، وهو معه مصحف صغير، وهذا أيام حافظ الأسد، فجاء إلى الضابط وقال له: أنا أرجوك بس هذا المصحف تخليه معي، قال له: "بدك ياه، ولك عم نستنى اليوم الذي يمحى هذا من الوجود"، هذا الكلام مثل كلام وزير خارجية بريطانيا لما دخل إلى مجلس العموم ومعه المصحف وقال لأعضاء المجلس: "ما دام هذا الكتاب موجوداً فلا تطمعوا في أن تسيطروا على بلاد المسلمين".
 
المقدم: طيب هذا الخراب والدمار، وهذا الضغط الذي تفضلتم به فضيلة الدكتور ألا يعتبر عائقاً في وجه الشباب أم أن هذه الثورات بالعكس منحت جيل الشباب مواصفات تمكنه من بناء سوريا المستقبل.
الشيخ: كانوا مغيبين، وانظر في كل البلاد التي تحررت من حكامها الفاسدين "تونس" التي هي أول دولة تحررت لما سووا انتخابات نزيهة ما نجح إلا المتدينون، كذلك مصر، وكذلك فلسطين لما سووا انتخابات في أيام محمود عباس وهو محارب للإسلام ماذا كان؟ ما نجح إلا المتدين، الشعب شعب مسلم، والإسلام مأوى قيم الإسلام، وعقيدة الإسلام مغروسة في أعماقه، وقد يقع الإنسان في معصية؛ ولكنه في عقيدته يبقى مسلماً، انظر يا سيدي لما تكلم بابا روما من حوالي سبع سنوات ونال من النبي - صلى الله عليه وسلم-  ماذا كان؟ قام العالم الإسلامي كله، وأنا أؤكد أن كثيراً منهم ربما يكونوا مقصرين، ومع ذلك لا يرضى؛ لأن هذه العقيدة مغروسة في أعماق نفوس هذه الأمة.
المقدم: جميل طيب يا شيخنا أمامنا الكثير يقولون الآن أن سوريا القادمة سوريا المحررة بعد إسقاط هذا النظام بمشيئة الله تعالى قريباً بناؤها سيتطلب سنوات طويلة، دمرت بالكامل تقريباً، ماذا عن الشباب السوري أن يفعل؟ وماذا عليه كي يختزن هذه المدة، وكي ينتقل بشكل سريع من حالة الاضطراب والفوضى إلى حالة الاستقرار وازدهار البلد.
الشيخ: يا سيدي الله كلفنا بالعمل ولم يكلفنا بالنتيجة، علينا أن نعمل ما استطعنا إلى العمل سبيلاً، علينا أن نبذل ما استطعنا إلى البذل سبيلا، أما النتيجة فلم نكلف بها، لما يذهب الجيش عليه أن يجاهد في سبيل الله، لكن يمكن أن ينتصر ويمكن ما ينتصر، والرسول نفسه في أحد لم يتم له النصر، إذاً علينا نحن أن نعمل أما النتيجة فهذه من اختصاص الله، وأنا أريد أن أقول: لا يجوز أن نثبط الناس، ونقول لهم: القضية كبيرة، والبلد مدمرة، ونحن الذين دمرناها، بل هم الذين دمروها، والله - تبارك وتعالى - سيعين على إنشائها وبنائها، فإذاً نحن ينبغي أن يكون صدرنا مملوءًا بالأمل النصر لهذه الأمة {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة غافر (51)] حط خط تحت الحياة الدنيا {وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [سورة النور (55)].
إذاً هذه {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الروم (47)] هذه آيات هذا كلام الله، ولابد أن يتحقق، ويقيننا أنه سيتحقق؛ ولذلك أنا لا أريد من الشباب الطيبين أن يكبروا المسألة، طيب دمرت البلد، ولكن الأيدي العاملة موجودة، والفلوس موجودة، يا سيدي الإنفاق الآن الذي تراه من كثير من الناس من أجل الثورة، والله شيء مدهش، مدهش حقاً، يعني بعض هؤلاء الأغنياء جزاهم الله خيراً بذلوا بذلاً كبيراً، وأنا أعرف معرفة شخصية بعض الناس الذين يعطون عطاء من لا يخشى الفقر، فإذاً الأمة فيها خير.
 
المقدم: وهذه النماذج شاهدناها كثيراً.
الشيخ: إيه والله الذين الآن في داخل سوريا، الذين فتحوا بيوتهم للذين هربوا للنازحين من بعض المدن من المناطق شيء مدهش، والله مدهش، والله ذكرنا هذا بأيام هجرة المهاجرين إلى المدينة المنورة، وكيف الأنصار قابلوهم هذه المقابلة، وقصة سعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف قصة رائعة، وأنه قال: أنا أغنى الأنصار، وأنا أقسم مالي نصفين، وقال له: أنا متزوج زوجتين فانظر أنت من تميل إليها أطلقها وبعد أن تنتهي عدتها تتزوجها أنت، أي مستوى هذا، مستوى رائع، هذا المستوى نفسه نجده الآن في بلاد الشام، ولذلك التثبيط يعني لا.
المقدم: نحن لسنا مع التفريط شيخنا بالعكس نحن نريد التوجيه للشباب الذين يقولون هذا الكلام، أو الذين يثبطون، يعني هو التوجيه لهم والتوجيه أيضاً لشباب سوريا المقبلين على مرحلة البناء حتى يقدموا.
الشيخ: يا سيدي لازم نحن دائماً نتذكر قول الله: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [سورة محمد(7)]، القضية تبدأ من عندنا في الرجوع إلى الله، والتوبة إلى الله، وعمل الصالحات، وبعد ذلك إيمان وعمل صالح، ولابد أن يكون بعد هذا نصر، ولابد أن يكون بعد هذا بناء وقوة تامة.
 
المقدم: جميل ولعل من الطرائف أن أحدهم علق في أحد مواقع التواصل الاجتماعي يرد على بعض الشباب الذين يقولون: دمرت البلد، وماذا سنفعل؟ وستأخذ سنوات طويلة، وهو من الإخوة السوريين المقيمين في أمريكا، قال: لا تحملوا هم البناء، نحن إذا أسقطنا النظام قادرين بمشيئة الله تعالى على إعادة البناء، وهذه أمريكا التي دمر فيها ما دمر بهذا الإعصار قد عادت كما كانت في أيام.
طيب نستأذنكم فضيلة الشيخ معنا مداخلة الآن، فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد حياكم الله فضيلة الشيخ.
مداخلة: الله يحيكم، أهلاً ومرحباً بكم، وبضيفكم الكريم، وبالإخوة والأخوات جميعاً.
المقدم: حياك الله فضيلة الشيخ، نحن اليوم نتحدث عن دور الشباب في الثورة السورية، وما قدموه وبذلوه من تضحيات والدور المرتقب منهم في الفترة المقبلة، ما توجيهكم لشباب سوريا في هذه المرحلة الحرجة من الثورة.
مداخلة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن عماد كل حركة هم الشباب، وقد كان أكثر اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مبدأ أمره شباباً، وهؤلاء الشباب ولاشك الذين يحملون الأعباء، ويقوون على المواجهة وقد امتلأوا حماساً، هؤلاء الشباب الذين قاموا اليوم في بلاد الشام للدفاع عن دينهم ودمائهم، وأعراضهم وأهليهم؛ هؤلاء الشباب يحتاجون اليوم إلى أمور كثيرة:
أولاً: من يحمل السلاح يشعر بالقوة، وربما يقدم على خطوات ليست محسوبة، فهو يحتاج إلى الحكمة، ويحتاج إلى العلم الشرعي، ويحتاج إلى موازنة الأمور، الشباب إذا حملوا سلاحاً وأقدموا ينبغي أن يكونوا منضبطين بالشرع، وكذلك أن يكون لهم من حكمة الشيوخ نصيب، أن يكون لهم من المشاورة ما لهم، فإن الله - سبحانه وتعالى - أمر بذلك الشباب عندما يتخذوا قرارات أحياناً في ساحة المعركة قرارات مصيرية، قرارات مستعجلة، ينبغي عليهم الرجوع إلى الله - عز وجل - الذي أمر الرجوع إلى أهل العلم:{فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [سورة النحل (43)]، هؤلاء الشباب لا غنى عنهم، إنهم والله الزهور، إنهم والله الذين يقومون بحمل هذا الدين، ويقاتلون عنه ويدافعون، ولاشك يحتاجون إلى الإخلاص حتى لا يقاتل ليقول: فلان شجاع، ولا ليقال: فلان جريء، ولا ليقاتلون عصبية ولا حمية، وإنما يقاتلون لإعلاء كلمة الله، العالم يموج بالمؤامرات، هناك مؤامرات كثيرة تحاك حول بلاد الشام، الشباب يحتاجون إلى بصيرة، هذه البصيرة تؤخذ من العلاقة بالله - سبحانه وتعالى -، تؤخذ من الاطلاع على معاني الكتاب والسنة، معاني الآيات والأحاديث، تؤخذ من أهل العلم، تؤخذ من الشيوخ، تؤخذ من الكبار، تؤخذ ممن سبقه في التجربة، وكذلك هؤلاء الشباب يحتاجون إلى الأخوة والله -سبحانه وتعالى- قال: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر (3)]وقال:{وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [سورة البلد (17)]التواصي بالمرحمة هذه هي الأخوة التي تكون بينهم حتى لا يتمرد بعضهم على بعض، لا يسخر بعضهم على بعض، لا يعدو بعضهم على بعض، لا يعلو بعضهم على بعض، الذين لا يريدون علواً في الأرض هم الذين يوفقهم الله، ويجعل لهم العاقبة، فإذاً الشباب يحتاجون إلى التحام، يحتاجون إلى تآلف، يحتاجون إلى أن يكونوا صفاً واحداً كأنهم بنيان مرصوص، كما أمر الله - سبحانه وتعالى - ليُفوّتوا على العدو غرضه؛ لكي لا يخترق العدو الصفوف، هؤلاء الشباب يحتاجون إلى عقيدة التوحيد، اليوم يحتاجون إلى هذه العقيدة المبنية على "لا إله إلا الله"، الشباب يحتاجون اليوم إلى تدين حقيقي، تدين بمعنى فعل ما أمر الله به من الواجبات، وترك ما نهى الله عنه من المحرمات، مع الاجتهاد في فعل المستحبات، وترك المشتبهات.
 
المقدم: إذاً عفواً فضيلة الشيخ؛ مهمة الشباب الثائر في سوريا لا تنتهي بانتصاره على هذا النظام، وإنما هي بداية لما بعدها.
مداخلة: بلا شك لأن وراء النصر خطوات كثيرة جداً من الإعمار، من إزالة المآسي، من إعادة الأمور إلى نصابها من إقامة شرع الله - عز وجل -، من إقامة العدل في الأرض، الآن الشباب يحتاجون أهل الأحياء، يحتاجون الشباب إلى حماية أهل الأحياء اليوم في المدن يحتاجون من الشباب إلى رعاية، يحتاجون من الشباب أن يوصلوا إليهم الكساء والغذاء والدواء، فلذلك الآن إعادة الإعمار الخطوة القادمة، إعادة الإعمار على شرع الله - سبحانه وتعالى - تتطلب جهوداً عظيمة من الشباب، ونحن نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يأخذ بأيدي الجميع شباناً وشيبة، ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً إلى إقامة حكم الله - تعالى - في بلاد الشام، وإعمار الأرض على منهج الكتاب والسنة.
المقدم: اللهم آمين، شكر الله لكم فضيلة الشيخ، ولعل هذا تأكيد لما تفضل به ضيفنا الدكتور محمد لطفي الصباغ أن شباب سوريا وصلوا بإذن الله إلى الوعي الذي يجعلهم قادرين على تحمل مسؤولياتهم في المرحلة القادمة، نشكر لكم فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد هذه المداخلة الكريمة.
 
فضيلة الدكتور: لك مقال طويل تتحدث فيه عن مجتمع المحبة هذا المجتمع ما صفاته، هل شباب سوريا اليوم مؤهلون لبناء هذا المجتمع، والحفاظ عليه بعد كل ما فعله النظام من تفريق وتمزيق هذا المجتمع؛ نود أن نختصر في إجابة هذا السؤال لأن الوقت يداهمنا؟
الشيخ: أنا أريد قبل هذا أن أقول: إن العلماء هم القيادة الفكرية للأمة، وبمقدار ما يكون هؤلاء العلماء  متفاعلين مع الواقع الذي يطلب منهم الحركة، ويطلب منهم قول الحق؛ يمكن للشباب أن يستفيدوا من هؤلاء العلماء، وأما علماء السوء فهؤلاء موجودون في كل زمان، يقول الإمام ابن القيم: إن علماء السوء هم قطاع طرق ليسوا دعاة إلى الله فاحذروهم، بل فروا منهم فراركم من الشيطان، بل أشد.
المقدم: هؤلاء كشفوا في هذه الثورة.
الشيخ: لكن إلى جانب هؤلاء، الحقيقة أن هناك علماء يقولون الحق بجرأة وقوة، كانوا داخل البلاد ثم لما أدركوا الخطر في بقائهم خرجوا ليستمروا في عملهم الجهادي، وأما موضوع المجتمع المتحاب يا سيدي فهذا هو المجتمع الإسلامي الذي حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إقامته بأمر من الله: ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم)) كذلك أن يلقى الإنسان أخاه بوجه طليق، ماذا تخسر إذا فردت وجهك، لم لا تفرد وجهك، وتسلم على أخيك، وتتفقد جارك إذا كان بحاجة، وأنا أبشرك أن هذه الثورة قاربت بين الناس، وألفت بين قلوبهم، وتعاونت ولم يعد هذا الصراع موجوداً والحمد لله.
 
المقدم: يعني النظام الحاكم عمل على التفريق، لكن السحر انقلب على الساحر بإذن الله تعالى.حقيّقة الحديث معكم لا يمل، لكن الوقت أدركنا، ولم يتبق لنا مشاهدينا الكرام إلا أن نشكر ضيفنا الجليل فضيلة الشيخ العلّامة الدكتور محمد لطفي الصباغ على هذه الإطلالة الكريمة، وهذه المشاركة.
كما نشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم حتى نلتقيكم في الأسبوع القادم - بإذن الله - نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.