الجمعة 8 شوّال 1439 هـ الموافق 22 يونيو 2018 م
ثقافة الطفل
الاثنين 26 جمادى الأول 1439 هـ الموافق 12 فبراير 2018 م
عدد الزيارات : 355

 

ثقافة الطفل


     لا شك أن الطفولة هي مرحلة حاسمة في مستقبل الأمة، ولا شك أن العلم والمعرفة هما سلاح المرء في حياته، ولهذا علينا الاهتمام بهذه المرحلة وزرع المبادئ السليمة حتى نخرج للأمة أجيالا مؤمنة مثقفة مسلحة بسلاح العلم والمعرفة، ولا يأتي ذلك إلا بالاهتمام البالغ سواء على مستوى الدولة أو الأسرة أو على مستوى المدرسة، وذلك بإنجاز مشاريع ترفع من شأن الطفولة ثقافيًا من أجل أن تبقى الثقافة هي الأساس الذي تعتمد عليه أجيالنا.
     وفي الواقع فإن طفل هذا الجيل يستحق منا كل رعاية وكل اهتمام، وهذه الرعاية لا تكلف منَّا جهدًا كبيرًا في تثقيفه، فلا أقلَّ من أن نقدِّم له ما يلزمه من الثقافة والمعرفة لنضمن بهذا جيلًا ناضجًا نعده للغد المشرق.
      ولا يخفى على أحد أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الأبوين بالدرجة الأولى لزرع المبادئ الصحيحة في نفوس الأبناء، فإن ما يزرعه الأبوان في نفس الطفل منذ الوهلة الأولى يظل معه يلازمه ويحصد نتائجه في كبره، فالبيئة السليمة تنتج أبناء أصحاء.
      ولهذا يتوجب على الآباء تشجيع الطفل على استغلال أوقات فراغه في القراءة، وتعويده من الصغر على قراءة القصص والكتب المناسبة لسنّه والرحلات المفيدة في بناء ثقافته والفيلم المسهم في البناء للهدم وغير ذلك، وعلينا أن نسمع رأيه فيما قرأه وشاهده وما استفاده حتى نتأكد من قدرته على الاستيعاب.
      والمدرسة كذلك عليها دور إيجابي في كل ذلك خاصة في المرحلة الابتدائية فهي مرحلة تكوين الخبرات وتنمية القدرات والمهارات لدى الطفل.
      وللدولة حظ وافر في ذلك كلّه إسهامًا منها بخدمة أطفالها ثقافيًّا من خلال إنشاء لجانٍ خاصة لنشر الثقافة من قبل المتخصصين وإنشاء دور رقابة خاصة في متابعة النشاطات الموجهة للطفل أيًّا كان نوعها، كما عليها إنشاء جمعيات لأصدقاء الطفل وتشكيل لجانٍ لتعليم الآباء وتبصريهم بمشكلات الطفل وكيفية علاجها، وغير ذلك مما يسهم في ثقافة هادفة لأطفالها. 
      فإذا ما اتحدت جهود الآباء والمدرسة منضمة إلى جهود الدولة كان لنا ما نرجوه من تنمية ذكاء الطفل وقدرته على التأمل والتفكير والنظر، وتنمية قدرته على التخيل والتصوير، إلى جانب تقوية ذاكرته، وإعطائه القدرة على التحليل، وإدراك العلاقات بين الأشياء، وربط الأسباب بالنتائج، إلى جانب تنمية القدرة لدى الطفل على التعبير، فينشأ الطفل بذلك على قدر ممتاز من الوعي والثقافة قادرًا على رسم هدف معين لحياته وعارفًا لقدراته ومهاراته.
      هذا وللتربية الثقافية وسائلها التي تهدف إلى تحقيق التكامل التربوي في شخصية الطفل، فهو كما يتربى على الأخلاق والآداب، فكذلك يتربى على البلوغ بمواهبه الثقافية أعلى الدرجات، وفيما يلي نستعرض أهم تلك الوسائل:
• المناغاة والتلقين بين الطفل ووالديه سواء في ذلك التلقين المباشر- الحوارات الكلامية بين الطفل ووالديه - أو غير المباشر- مشاهدات الطفل البصرية-، والحوار الهادئ ينمّي عقل الطفل ويوسع مداركه، ويزيد من نشاطه في الكشف عن حقائق الأمور، ويسهم في تشكيل الكثير من قناعات الطفل وثقافته في مراحل طفولته الأولى التي لا يفهم فيها معظم تصرفات الكبار مع ميله إلى تقبل الآراء والحقائق من الكبار، فيكون تلقينه المفاهيم الصحيحة وسيلة سهلة خلال تلك الفترة خاصة وأن الولد مستعد للتقبل والاقتناع، وما يتلقاه في تلك المرحلة يترك بصماته على عقليته في مراحل حياته المتأخرة لما يتمتع به من قدرة على اختزان المعلومات في حافظته .
• القراءة التي تعد من أهم وسائل المعرفة إن لم تكن أعظمها، لما تتمتع به من دور حيوي في حياة الطفل، فهي التي تفتح أمامه أبواب الثقافة وتحقق التسلية والمتعة، وتسهم في الإعداد العلمي للطفل، والآباء هم المسؤولون عن تعليم أطفالهم ملكة القراءة إذ الرغبة في القراءة لا تولد مع الطفل بل لابد أن يقودهم شخص ما إلى الغوص في عجائب الكلمة المكتوبة، ولاشك أن ذلك الشخص هو الأب محل القدوة والمحاكاة من قبل الطفل، ويمكن أن يبدأ الآباء في تأصيل القراءة عند الطفل في سن مبكرة، فتكون القراءة البسيطة في هذه الفترة بعيدًا عن الإجبار من خلال توفير المثيرات الدافعة للطفل على القراءة، من القراءة بجوارهم بصوت مرتفع، وتوفير الكتب المصورة المناسبة التي تتضمن صورًا ملونة لبعض الحيوانات والنباتات وغير ذلك، ثم سؤاله عنها فتقوى صلته بالكتاب، ومن المثيرات أيضا إنشاء مكتبة خاصة بالطفل تناسب سنه وتشتمل على شتى العلوم فإن إحاطة الطفل بالكتب تجعله يعتادها ولا يستنكرها، كما من الممكن تدريب الطفل على القراءة من خلال قراءة الكلمات الكبيرة على صفحات المجلات والجرائد ولافتات المحلات وغير ذلك مما يسهل على  الطفل قراءته، فإذا ما تعود على القراءة منذ صغره فإنه سيجد نفسه في الكبر يمارسها كجزء لا يتجزأ من عادته وحياته اليومية .

وكم نحن بحاجة ماسة لتنشئة الأبناء على ملكة القراءة مع ما تشهده الأمة من بعد عن الكتاب حتى أضحت توصف بأنها أمة لا تقرأ، وإذا قرأت لا تفهم، وحال مدارسنا خير شاهد على ذلك، فكم من طالب في المراحل المتقدمة، بل والجامعية لا ينتهي المقطع الذي طلب منه قراءته إلا وقد ارتكب العديد من الأخطاء النحوية التي تغير المعنى وتذهب بالفكرة والفائدة، والسبيل إلى خلق مجتمع من القراء لابد أن يبدأ من الطفل.
• الرحلات التي تلعب دورًا هامًّا في بناء شخصية الطفل الثقافية والفنية والجسمية وإعداده إعدادًا جيدًا، ذلك أن ما يسمعه الطفل من أبويه ومعلميه يعيشه واقعًا ويراه ماثلًا أمامه في تلك الرحلات، فيكون له الأثر في تنمية معارف الطفل إذ إن خبرات الطفل إنما تتكون من خلال تفاعله مع البيئة، فيشاهد ما بثّه الله في هذا الكون من الآيات الباهرة ذات الجمال الفائق، فتنمو مشاعر الطفل تجاه ذلك الكون الفسيح، فتدفعه للتعرف عليه والتأمل في جماله مما يكون له الأثر في كسب نفسه الطمأنينة وعدم الخوف من ذلك العالم الذي كان يجهله، وعلى الأب أو المعلم اتخاذ الوسائل المناسبة التي تسهم في الإفادة من الرحلات من خلال اختيار المكان المناسب مع إشراك الطفل في ذلك، وتوزيع المهام بحيث تشمل الصغار والكبار مما يشكل حافزًا قويًّا لتفاعل الطفل مع تلك الرحلة، كما عليه الاستفادة من الوقت أثناء الطريق بما يعين على نمو ثقافة الطفل من خلال سماع الشريط المناسب أو شرح مبسّط عن الأماكن التي يمرون بها، كما يجدر بالأب والمعلم اختيار الألعاب المفيدة التي يشارك بها أبناءه فتنشد إليها حواسهم ويتلقون منها المعارف بشكل غير مباشر، وغير ذلك مما لا يتيسر إيصاله للطفل إلا من خلال الرحلات.
• وسائل الإعلام المرئية والمسموعة التي أضحت جزءًا من كيان المجتمعات وتشكيل ثقافاتهم، ويأتي التلفاز في مقدمة تلك الوسائل الإعلامية ذات الأثر الأكبر لما شمله بناؤه التقني من الجمع بين الصوت والصورة، مما يجعل رسالته الإعلامية أسهل وأقرب للاستيعاب والإدراك عند جميع الطبقات، وقد شغف به الأطفال شغفًا شديدًا لما يتمتع به من جذب وتشويق وشغل للوقت، إضافة إلى سهولة استعماله بالنسبة للصغار، مع ما يؤمنه للطفل من إشباع لخياله، وإكساب لكثير من عناصر الثقافة، وخاصة القيم والعادات والميول والأفكار، بل وطرق اللعب واتخاذ القدوات، كل ذلك جعل المهتمين بالتربية يجمعون على خطر هذا الجهاز إذا ما أطلق له العنان ليكون المربي والمعلم بعيدًا عن الرقابة والترشيد في الاستخدام، فهو إضافة لفوائده يعجّ بالسلبيات المدمّرة لكيان الطفل ، إذ يشيع فيهم السلبية، ويؤثر في علاقاتهم الاجتماعية بسبب بعد المخالطة والمشاركة، كما يصرفهم عن اللعب المفيد ومتابعة دراستهم، هذا إذا اعتبرنا أنهم يبتعدون عن مشاهدة برامج العنف والإجرام وأن الدول تحارب أفلام الكرتون التي تغذي ذلك الجانب وتنميه، وإلا فالكارثة أشد، لذا قال أحدهم : (إذا كان السجن بالنسبة إلى المراهقين هو الكلية التي يتعلمون فيها الجريمة، فإن التلفاز هو المدرسة المتوسطة للانحراف). 
من هنا كان على الآباء لاسيما مع عصر الانفتاح والعولمة استغلال تلك الوسيلة واستخدامها فيما يسهم في بناء التربية الثقافية لدى الطفل، من خلال اختيار البرامج الهادفة وشريط الفيديو أو المقاطع الخاصة بالأطفال التي نشرت عبر مواقع الانترنت المفيدة بعد أن يشاهده هو ويحكم عليه، فالتلفاز قادر على اختصار الزمان وتقريب المسافات، كما أنه قادر على التعليم من خلال الوسيلة المرئية والمسموعة، لذا عليهم أن يستخدموه كأداة بناء لا هدم وإضاعة للأوقات.
• القصة وتعد وسيلة تربوية مهمة عند الطفل في المراحل الأولى من عمره من سن 2-5 سنوات حيث يتأثر الطفل بالقصة تأثيرًا فعّالًا حيث تشد انتباهه ويقظته الفكرية والعقلية لما لها من متعة ولذة، ففي المراحل الأولى يرى الطفل نفسه بطلًا لهذه القصة ويعيش معها ويتعايشها، تقول الدكتورة في علم التربية والنفس (آمال مطر): "قصص الأطفال لها تأثير بعيد المدى من حيث إن مبدأ التعليم بالقصة مبدأ تربوي سليم نستطيع من خلاله أن نعود الطفل على الأسلوب والتفكر العلمي بالبعد عن الخرافة والأسطورة والتسلية غير الهادفة، فيمكن غرس القيم وتنمية المبادئ وتكوين الاتجاهات وتوسيع دائرة الميول وتنمية الحس الجمالي والتذوق وإشباع الحاجات النفسية وتقويم علاج المشكلات الانفعالية من خوف وغيرة وأنانية في هذه المرحلة الهامة من حياة الإنسان .              
وعلى هذا فمن الضروري أن قصص الأطفال تخضع لمعايير الجودة والدقة والتعبير وحسن العرض وجمال وبساطة الصياغة والإخراج الفني من ألوان جذابة وخط واضح ومضمون هادف.." .                  
من أجل هذا كان على الأبوين استخدام القصة في مجال توجيه الأبناء وتربيتهم، خاصة وأن التربويين يكادون يجمعون على أهمية استخدام القصة في تربية النشء لما لها من تأثير تربوي فعّال على شخصياتهم، فهي تقوي الخيال عندهم، وتشد انتباههم، وتنمي لغتهم، وتدخل عليهم السرور والبهجة، إلى جانب أنها تعلمهم الفضائل والأخلاق من خلال أحداثها المثيرة.