الاثنين 2 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 20 نوفمبر 2017 م
معوقات الإنجاز
الخميس 6 صفر 1439 هـ الموافق 26 أكتوبر 2017 م
عدد الزيارات : 535

 

معوقات الإنجاز


يعمل الإنسان وعينه على الإنجاز، فقيمة كل امرئ ما ينجزه، وقيمة المؤسسات ما تنجزه. وقديماً ذموا الذي يدور بلا فائدة فقالوا: أسمع جعجعة ولا أرى طحناً. وإنما توضع الخطط والأهداف لأجل الإنجاز، ومع ذلك فوجود الخطة أو الهدف لا تقود بالضرورة إلى النتائج.
وإذا تأملنا في أحوالنا، أفرادا ومؤسسات، نرى أن نسبة الإنجاز غير مرضية، فهو لا يتناسب مع مقدار الجهد والعمل والموارد المتاحة، بالرغم من اهتمام الأكثر بوضع الخطط الاستراتيجية، فما هي معوقات الإنجاز إذن؟ نشير هنا – بحسب المشاهدة والتجربة – إلى عشرة منها، ولعل الإشارة إليها تكون أول الأسباب لعلاجها. 
ابتداءً، لا يكفي أن نعرف ما نريد لنكون من المنجزين، بل لا بد أن نعرف كيف نحقق ما نريد بخطوات عملية. إن حاجتنا إلى توليد الأفكار لا تنتهي، لكن مالم نتبع ذلك بقدرة على العمل والإنجاز فستكون كثرة الأفكار نقطة ضعفنا، بدل أن تكون نقطة قوتنا.
العائق الأول: الإغراق في الدراسة
لا بد من دراسة كل أمر قبل أن نقدم عليه، حتى نعلم أين نضع أقدامنا. لكن الإغراق في الدراسة، والإصرار على بحث كل التفاصيل ولو كانت ذات صلة ضعيفة بالأمر، سيذهب بالأوقات ويستنفذ الجهود قبل أن نتحرك خطوة واحدة. ولنتذكر أن هناك تفاصيل لا تعرف أو لا تستوعب تماما إلا مع الممارسة.
وأحيانا يكون الإغراق في الدراسة "شهوة"، وأحيانا يكون غطاء للتهرب من اتخاذا قرار صعب أو محرج. طبعاً، لا أحد يعترف بذلك، بل نبرر الأمر دائماً بمقولة "لا بد من دراسة معمقة!" ولا أدري كم يراد لهذا العمق أن يكون؟!
والذين ابتلوا بهذا الإغراق لا يكادون ينتهون من دراساتهم، فإنه أثناء الدراسة قد تتغير بعض المعطيات، فتعاد الدراسة! ويزداد الإغراق. أعرف مؤسسة بعد أشهر من الدراسة، عادوا ليغيروا خطة الدراسة!
حتى لا نقع في الإغراق، ولا نقع أيضا في التقصير، لنتفق على عناصر الدراسة الكافية أو على الأسئلة التي نريد إجابات عنها قبل البدء، فإذا انتهينا منها انطلقنا إلى العمل دون تسويف.
العائق الثاني: الإغراق في التنظيم
إشارات المرور توضع لتنظيم السير عند التقاطعات. لماذا إذن لا نجد إشارات ضوئية عند كل تقاطع؟ لأن كثافة الحركة عند كثير من التقاطعات ليست عالية، أو أن المركبات لا تأتي عادة بسرعات كبيرة إلى هذا التقاطع، وعليه فإننا نكل الناس إلى تنظيمهم الذاتي ولا نتدخل لتنظيمهم في هذه الحالات. تأمل ماذا يحدث لو وضعنا في كل مفرق إشارة؟ ريما نخلق المشاكل المرورية بدل أن نحلها، وستصبح القيادة هماً ثقيلاً لا يطاق.
ومن تكاليف الأنظمة أنها بعد أن تُسن يجب الالتزام بها، حتى لو لم تكن هناك حاجة فعلية لها في بعض الحالات. فبعد أن نضع إشارات ضوئية عند التقاطع، لم يعد مسموحا أن نتجاوز الإشارة الحمراء لتقديرنا أنه لا توجد سيارات مارّة في الطرف المقابل. الأمر بعد فرض الأنظمة ليس كالأمر قبلها.
فالتنظيم وسيلة لا غاية، وعليه يستخدم عند الحاجة إليه. التنظيم لا يسبق العمل، إلا بالقدر الظاهر جدا والذي تدعو الحاجة إليه واقعاً لا مستقبلاً. البشر يمتلكون قدراً من التنظيم الذاتي بالفطرة، ويتقبلون التنظيم الخارجي حين يجدونه حلاً للمشاكل التي تستعصي على التنظيم الذاتي، وإلا شعروا بأنه معيق.
وضع التنظيمات واللوائح بلا حاجة معيقة للإنجاز من جهتين، من جهة الجهد والوقت الذي تستهلكه، خاصة من المؤسسات الناشئة، ثم من جهة تأخير الأعمال اتباعا لأنظمة لا تدعو الحاجة إليها.
التنظيمات: مكبلات ومعيقات. فما لم يكن ثمة داع قوي لها، فهي معطلات. ووجود الخطأ مرة أو من فرد ليس مبرراً لسن نظام على الجميع.
العائق الثالث: التبسيط المخل للعمل
قال رجل لصاحبه: أريد أن أتزوج بنت الملك. قال: بنت الملك؟ هذا أمر شبه مستحيل. قال: أبداً لقد قطعنا نصف الطريق. قال: كيف، قال: أنا وأهلي موافقون، بقي موافقتها وأهلها!
إن من معوقات الإنجاز إغفال اعتبار القدرات والكوادر والظروف والصعوبات، والتفكير في وضع مثالي للعمل، لأن مثل هؤلاء الحالمين يضعون المشاريع الكثيرة، ثم يصطدمون بالتحديات التي لم يحسبوا لها حساباً، فيبقون حيث هم.
العائق الرابع: خوف الفشل
الخوف من الفشل فطري، فلا أحد يحب أن ينسب إليه. لكن هذا الشعور ينبغي أن يدفع إلى الإتقان لا إلى ضعف العمل. إذا أردت أن لا تفشل أبدا، فالحل معروف: لا تعمل أبداً، الذين لا يعملون لا يفشلون. وكما قالوا: السفينة آمن ما تكون في الميناء، لكنها لم تصنع لذلك.
يجب أن نوطن أنفسنا أن الفشل أحيانا أمر حتمي، بل إن طبيعة بعض المجالات أن تكون نسبة الفشل فيها عالية. يذكر عن وزير التعليم العالي في فلندا أنه سأل فريقه عن نسبة النجاح في تنفيذ أبحاث الاختراع، فقالوا 60- 70%، فقال: إذن عندنا مشكلة في الإبداع. هذه النسبة العالية من النجاح تدل أننا نقدم حلولا تقليدية مجربة.
ثم لنتذكر أن الفشل درس نتعلم منه، ولا ينبغي أن ننظر إلى الأعمال أنها تنتهي بالفشل أو النجاح، بل ننظر إلى الأعمال الناجحة أنها تمر غالباً بمحطات من الفشل تتزود منها، وتصحح مسارها. موظف في إحدى الشركات أخطأ خطأً كلف الشركة ستين ألف دولار، فقيل لمدير الشركة: اطرده، فقال: الآن، بعد أن أنفقت على تدريبه ستين ألفاً! 
العائق الخامس: خوف النقد
بعض الناس شديد التأثر برأي الناس ونقدهم، هؤلاء في العادة ليسوا من المنجزين.
من الذي لا يُنتقد؟ الأنبياء – وهم أفضل الخلق - لم يسلموا من النقد. ليس المقصود من هذا الكلام الاستخفاف بالنقد وعدم الاستماع إليه، بل النقد الموضوعي مفيد جداً، ومن أعظم الفرص لتحسن العمل، لكن المقصود ألا نجعل من خوف النقد سبباً لترك العمل.
العائق السادس: محاولة إرضاء الجميع
لن ترضي الجميع. الناس أذواق وألوان ومناهج. ولعل القارئ الكريم قد سمع بالقصة الرمزية من التراث: قصة الرجل وابنه والحمار، وكيف أن جميع الأوضاع لهما مع الحمار قوبلت بمن ينقدها، ركب وابنه فانتقدا بالقسوة على الحمار، نزل وترك ابنه راكباً فانتُقد ابنه بقلة الأدب، ركب هو وأنزل ابنه فانتُقد بقسوة القلب، نزلا جميعاً وسارا بجانب الحمار فقيل ما أغباهما، معهما حمار لا يركبانه، فلم يبق إلا أن يحملا الحمار!
ومحاولة إرضاء الجميع بالتلفيق بين رغباتهم قد يسخط الجميع. يقول أحدهم: قد لا أعرف مفتاح النجاح، لكن مفتاح الفشل بالتأكيد هو محاولة إرضاء الجميع.
العائق السابع: البدء من حيث بدأ الآخرون
تكاد تكون جميع الأعمال التي نود القيام بها أو التحديات التي نواجهها، مطابقة أو مشابهة إلى حد كبير بأعمال للآخرين، لكننا قليلا ما نولي اهتمامنا للتعلم من الآخرين أو الاستفادة من تجاربهم. ولئن كان هذا الأمر تكتنزه الصعوبات في السابق، فإن ثورة المعلومات اليوم قد قربت البعيد ويسرت الوصول إليه. البدء من نقطة الصفر مضيعة للجهود والأوقات. يمكن أن نختصر الكثير من الخطوات بالتعلم من الآخرين.
العائق الثامن: العمل في المكان المريح لا المكان الصحيح
بينما كان رجل يمشي في الطريق في وقت متأخر من الليل في شارع مظلم، وجد شخصا يبحث تحت مصباح الإنارة عن شيء ما. نزل معه إلى الأرض ليساعده في البحث، وقال له: دعني أساعدك، عم تبحث؟ قال: عن قطعة معدنية، قال أين فقدتها بالضبط، قال: هناك، وأشار إلى مكان بعيد! فاستغرب الرجل وسأله: لماذا تبحث هنا إذن؟! قال: هناك حيث فقدتها مظلم، لا يوجد مصباح لأبحث على ضوئه!
قد يبدو الاستشهاد بهذه الطرفة غالياً، لكن بعض ما نفعله أحيانا فيه شيء من هذا. حين نتحدث عن أهمية صلاة الجماعة للمجتمعين لصلاة الفجر ونترك الذين لا يأتون المساجد أصلا، ونوزع مطويات الحجاب على الأخوات المحجبات، فما مقدار الإنجاز الذي نحققه. إن قيمة العمل في مكان الحاجة أعلى وإن كان حجمه أقل.
العائق التاسع: الرغبة في الاستكثار من الإنجاز
يقولون إن قرداً أدخل يده في الفتحة الضيقة لمطربان الجوز، وقبض على كومة من الجوز بكفه، ثم حاول أن يخرجها فلم تخرج. والحل في أن يكتفي ببعض الجوز حتى تخرج يده، لكنه متشبث بها كلها، ولا تطاوعه نفسه أن يترك شيئا منها، فبأي شيء يظفر؟
وبعضنا يفعل ذلك، يبدأ بمقترح لعمل ما، ثم يستهويه أن يضيف شيئا آخر، ثم ثالثاً، ثم رابعا ثم عاشراً، حتى يتجاوز العمل إمكاناته وموارده، فيعجز عنه، فلا يفعل شيئا.
لنبادر بأن نفعل ما بوسعنا، ثم نضيف عليه شيئا فشيئا بحسب إمكاناتنا، ولنقاوم شهوة "الشمول" و"التوسع" والحلول المثالية الكاملة.
العائق العاشر: استنساخ النماذج مع اختلاف الحال
الاستفادة من تجارب وخبرات الآخرين مفيد جداً، لكن مع مراعاة الفروق والاختلافات المؤثرة. فما يصلح لمؤسسة كبيرة قد يضر بمؤسسة صغيرة، وما يصلح في عمل بحثي وفكري قد لا يصلح في عمل تنفيذي ميداني، وما يسع الفرد لا يسع الجماعة. ومن ذلك محاولة تطبيق النماذج الإدارية الكثيرة المطبقة في بيئات مستقرة أو ثرية، على بيئات أزمة أو محدودة الإمكانات. وهذا أحد أسباب ضعف فاعلية التدريب والتخطيط من بعض المدربين حين يقدمون التجربة نفسها لعامة الناس دون مراعاة الفروق.
هذه عشرة عوائق، والأمر للتمثيل وليس للحصر، فهناك عوائق أخرى مثل التشتت وعدم التركيز، والتعلق بغير المستطاع وترك المتاح. والانشداه بعظم المهمة، والاشتغال بما لا يوافق طبيعة الشخص، وغيرها.
أما إن سألتم عن محفزات الإنجاز، فلا أجد أقوى من الإنجاز نفسه. أنجز وستنجز أكثر.