الخميس 29 محرّم 1439 هـ الموافق 19 أكتوبر 2017 م
لا يجتمعان في قلب واحد عزّ العبودية الحقّة لله مع ذل العبودية لغيره
السبت 8 رمضان 1438 هـ الموافق 3 يونيو 2017 م
عدد الزيارات : 177

 

لا يجتمعان في قلب واحد
عزّ العبودية الحقّة لله مع ذل العبودية لغيره

 

العبودية لله تعالى أرقى مراتب القرب منه سبحانه، لأنّ العبد يخضع لله طائعاً ملتزماً هداه باختياره، حيث يفعل ما يرضي الله تعالى تقرباً إليه وحبّاً فيه مع الرضا التام، ويشعر وهو على هذه الحال بلذة لا تعدلها متع الحياة الدنيا.
ولقد "خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ملكاً نبياً، أو عبداً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً". كما في صحيح أحمد.
فمصدر الشرف للإنسان أن يشعر بتجلي الله عليه بعبوديته له، ولقد شرَّف الله تعالى أحب خلقه إليه وأعظمهم عنده: رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات التكريم، فقال في قرآنه: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى". (الإسراء:1)، فقد امتن الله تعالى عليه بصفة العبودية، فكان أعظم لقب وأشرف وصف اختاره الله عز وجل لنبيّه صلى الله عليه وسلم هو أنه عبد.
- فهم الصحابة رضي الله عنهم عبوديتهم لله تعالى بالمعنى العام الشامل وحققوها في حياتهم فحقّق الله تعالى لهم حريتهم من طواغيت عصرهم من ملوك الفرس والروم، وحكموا العالم، لأنّهم فهموا أنّ الإيمان فيه عزة تنافي عبودية البشر للبشر.
- فالعبودية الحقّة لله تعالى تجعل صاحبها ينفر من عبوديته للبشر، فالذي يعيش حقيقة العبوديّة لله يعلم أنّه يشترك مع إخوانه من البشر بهذه العبوديّة، فلا يرضى أن يكون عبداً لبشر، وكيف يرضى أن يكون عبداً لعبد مثله. وإذا وجد من البشر من رضي بذلك فإنّما وصل إلى هذا الدون لأنّه انحدر بإنسانيته إلى مستوى سحيق من الانحطاط، كما كانت عبودية قوم فرعون لفرعون.
وليس بالضرورة أن يسجد الإنسان لغيره ليكون عبداً له، بل يكفي أن ينقاد له، ويخضع خضوعاً تامّاً، بحيث يصبح أداة بيده يقوده فلا يرى لنفسه إرادة إلا فيما يريده سيده أو قائده أو زعيمه من غير أن يكلّف نفسه بالبحث عن الحقّ والباطل فيما يأمره به أو ينهاه.
- العبودية الحقّة لله تعالى تخلّص صاحبها من عبوديته للدنيا ومتعها، من عبوديته للمال: يقول صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار... الحديث".. (رواه البخاري)، فبعض النّاس يكدح ليل نهار، ويجمع المال ليكون عبداً له. ومثله عبد المنصب وعبد الجاه. فيصبح جمع المال همّه، ويغفل عن أداء واجباته تجاه ربّه وأمته وإخوانه واسرته حتى في أوقات المحن والشدائد.
العبودية الحقّة لله تعالى تخلّص صاحبها من عبوديته للشهوات والأهواء التي تجعله منقاداً لها تابعاً لمشيئتها، سواء علم أو لم يعلم، لأنّ العبودية لله تعالى تعني أن تنصرف قلوب العباد إلى ما أمر وأراد، فتحب ما أحبّ الله، وتوالي من والى الله، وتعادي من عادى الله، فإذا صرفناها لأي شيء غير ذلك فهي عبودية لها شئنا ذلك أم أبينا.
كان بشر بن الحارث شاباً صاحب لهو ولعب ومعصية، وكان ذات يوم مع رفقاء له يشاركونه المجون في داره، وصوتُ لهوهم وطربهم يخرج من نوافذ الدار، فمر على الدار موسى بن جعفر وهو رجل صالح فدق الباب، فخرجت إليه جارية، فقال لها: صاحب هذه الدار حر أم عبد؟! فقالت: بل حر، قال لها صدقت: صدقت، لو كان عبداً لاستعمل الأدب مع سيده وترك اللهو والطرب. فسمع بشر بن الحارث صوته فاتجه نحو الباب يسأل: من المتحدث؟ فإذا الرجل قد ولّى، فسأل الجارية، فأخبرته بما جرى، فألقى الله في قلب بشر وجلاً من تلك الكلمة، فخرج يتبع الرجل الصالح حتى إذا لحقه قال له: أعد عليَّ الكلام، فأعاده، فقال بشر: كلا والله بل عبدٌ عبد. ثم هام على وجهه حافياً نادماً على ما كان منه حتى عُرف ببشر الحافي. (منهاج السنة 4/6).
العبوديّة لله تولّد الثقة بالنفس تولّد الأمل الدائم بالمستقبل، فالمؤمن عبد لمن بيده ملكوت السموات والأرض، وهو على كلّ شيء قدير، عبد للقوي القهار العزيز الجبار مالك الملك سبحانه، فإن تخلّى عنه البشر وتخاذلوا فمعه ربّ البشر والقادر عليهم، فيطمئن ولا ييأس مهما حصل، ومهما أصابه من مصائب، فهو عبد لمن لا تأخذه سنة و لا نوم، عبد لقيوم السموات والأرض وهو معه ما دام يقوم بواجب عبوديته له، من أخلص في عبوديته لله أصابته فيوض رحمته.