الخميس 25 ذو القعدة 1438 هـ الموافق 17 أغسطس 2017 م
ثقافة المسلم
الخميس 7 ربيع الآخر 1438 هـ الموافق 5 يناير 2017 م
عدد الزيارات : 240

 

ثقافة المسلم

 

الثقافة عنوان؛ عنوان للشخص، وعنوان للمجتمع، فالشخص يتميز عن غيره ويكتسب مكانته في المجتمع من ثقافته، وكذا المجتمع يتميز عن سائر المجتمعات بما يحمله أفراده من ثقافة تجمع بينهم، وتشكل خاصية يتميزون بها عن المجتمعات الأخرى.
هذه الثقافة منها ما هو إيجابي يسِمُ حامله بصفة إيجابية ممدوحة، ومنها ما هو سلبي يسِمُ حامله بصفة سلبية مذمومة.
معنى كلمة (الثقافة):
أصلها فعل ثّقِفَ وثَقُفَ، ثَقِفَ الشيءَ أي فَهِمَهُ وصارَ حاذقاً ماهراً فيه، وثَقُفَ الرجلُ ثقافةً أي صار حاذقاً ماهراً فطناً.
وتستعمل هذه الكلمة في هذا العصر بمعنى: (المعارف التي يكتسبها الإنسان من حيث كونه عضواً في المجتمع)، وهذه المعارف تشمل المعتقدات والأخلاق والعادات والتقاليد.
هذه المعارف تشكل شخصية الإنسان، وينبني عليها تصرفه في حياته، وتؤثر على علاقته مع ربه أولاً (المعتقدات)، ثم على علاقته مع مَن حوله، بدءاً من علاقته مع أهله، وزملائه، وجيرانه، ومجتمعه، بل ومع خصمائه وأعدائه (المعاملات والعادات والتقاليد).
ولأننا نتكلم عن ثقافة الفرد المسلم فلا بد أن يكون من بين مصادر الثقافة التي يتلقاها أفراد المجتمع مصدر رئيس هو دين هذا المجتمع (الإسلام)، ولا بد أن تكون المصادر الأخرى لا تتعارض مع هذا المصدر الرئيس، فالإسلام يمثل لنا نحن المسلمين (الخلفية التاريخية، والهوية الحضارية الغائرة في أعماقنا فكراً ووجداناً، وهو القيمة التي ينظر الآخرون من خلالها إلينا، مهما ضعف التزامُنا به، وتمسُّكُنا بتعاليمه).
بناء على ما سبق لا يكون المسلم مثقفاً إلا إذا كان له حظ من العلم بدين مجتمعه (الإسلام).
مصادر العلم بالدين الإسلامي:
من المسلم به لدى المسلمين أن مصدر العلم في الإسلام واحد فقط لا غير، وقد اختار ربنا جل وعلا أن يرسل إلينا هذا العلم بصورتين، صورة وحي مباشر منه هو كلامه سبحانه (القرآن الكريم)، وصورة وحي غير مباشر هو السنة النبوية على صاحبها أزكى الصلاة والسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومِثْلَهُ معه» رواه أحمد وغيره بسند صحيح.
وهاتان الصورتان هما معاً الذكر الذي تكفل الله تعالى بحفظه في قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} يدلنا على هذا قوله سبحانه في سورة الطلاق: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10) رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}
قال ابن جرير رحمه الله: "وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عندنا أَنَّ الرَّسُولَ تَرْجَمَةٌ عَنِ الذِّكْرِ، وَلذَلِكَ نُصِبَ لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ عَلَى الْبَيَانِ عَنْهُ وَالتَّرْجَمَةِ.
فتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ذِكْراً مِنَ اللَّهِ لَكُمْ يُذَكِّرُكُمْ بِهِ، وَيُنَبِّهُكُمْ عَلَى حَظِّكُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ مُبَيِّنَاتٍ لِمَنْ سَمِعَهَا وَتَدَبَّرَهَا أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ". جامع البيان، ت التركي، ط1، 2011م، (23/76)
فالمسلم يعلم أن مصدر ثقافته إلهي رباني {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} فَيَثِقُ عقلُه، ويطمئن قلبُه أنه على الصراط المستقيم، والطريق القويم، فينطلق من بناء ثقافي متكامل مُحْكَمٍ لا شائبةَ فيه ولا خطأَ ولا نقصَ، إلى عمارة الأرض التي قال عنها ربنا: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}.
غير أن فئات من المسلمين في العصور المتأخرة تنكبوا هذه الطريق، وتخلوا عن هذا التميز في العالمين، التميز الذي يتجلى في كون مصدر ثقافتهم وعلمهم ودستور حياتهم هو وحي العليم الخبير سبحانه، فصار الواحد منهم يتفاخر على أقرانه ويتسامى على أترابه ببضع كلمات يعرفها من لغة أعجمية، يرطن بها وقد لا يعرف معناها المراد عند القوم، دفعه إلى هذا جهلُه بثقافة وحضارة أمته التي تميزت في العالم دينياً وثقافياً وحضارياً وعلمياً أكثر من ألف عام، وساقه لهذا انبهارُه ببهرج المدنية الغربية، التي تتزين بشعارات الحرية والعدل والمساواة، ولا يعلم المسكين أن ما عند القوم من العدل والمساواة والحريةجعلوه خاصاً بهم، وحكراً عليهم، وهو مع ذلك يشوبه الزيف والانتقائية، ولا يقارن بما في دين الله ولا بمعشاره من العدل مع كل البشر، والحرية لكل البشر، والمساواة بين بني آدم لكونهم آدميين، فلا يعرف دينٌ منذ أن خلق الله الخلق إلى آخر الزمان أعطى المخالفين له من الحقوق مثل ما أعطاهم الإسلام، بل قد جعل الله المسلمين بما يحملونه من الدين الحق رُسُلَ خيرٍ وسلامٍ إلى البشرية جمعاء، قال ربنا جل وعلا واصفاً حقيقة مهمة خاتم أنبيائه وآخر رسله عليه الصلاة والسلام: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.